in

منظمة الصحة العالمية تواجه سؤالًا وجوديًا: الإصلاح أو الزوال

عندما سأل مراسل شبكة إن بي سي (NBC) الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب عما إذا كان يتحمل المسؤولية عن التأخير في توفير مجموعات الاختبار، أجابه: “لا، أنا لا أتحمل المسؤولية على الإطلاق”.

مع تجلي الأمور وببطء شديد، وجد الرئيس الأميركي أن أميركا لم تعد محصنةً ضد فيروس كورونا (Covid-19) مثل أي دولة أخرى، فبدأ إطلاق الشكاوى وإلقاء اللوم على الجميع (الصين، وأسواق الحيوانات الحية، وخبراء الصحة). 

وقعت منظمة الصحة العالمية في  مرمى الاتهامات؛ في البداية جاءت التغريدة: “أفسدت منظمة الصحة العالمية الأمور حقًا.. تمولها الولايات المتحدة الأميركية إلى حدٍّ كبيرٍ، لكنها منحازة للصين”. ثم أعلن خلال مؤتمرٍ صحفيٍّ، عن “تجميد الأموال المخصصة لمنظمة الصحة العالمية”؛ وفي وقت لاحق، اعترف بأنه كان يفكر في تجميدها فقط.

ربما كان الأمر مرتبكاً، ولكن الرسالة واضحة: فشلت منظمة الصحة العالمية بشكلٍ كبيرٍ في الحدّ من انتشار الأمراض المعدية. حتى اليوم (تاريخ نشر هذا المقال على وندرلاست)، هناك ما يقارب 2 مليون حالة مؤكدة إصابتها بفيروس كورونا  Covid-19 و120,926 حالة وفاة؛ وبناءً عليه فإن الانتقادات الموجهة ضد منظمة الصحة العالمية، التي تبلغ ميزانيتها لمكافحة “الأمراض المعدية” نحو 805 مليون دولار في السنة؛ لها أساسٌ من الصحة.

اكتشف مسؤولو الصحة الحالة الأولى في 1 ديسمبر/كانون الأول في ووهان، بمقاطعة هوبي. على الرغم من جميع تعثراتها الأخيرة، فإن منظمة الصحة العالمية هي الملامة عن بدء جائحة كورونا.

لا يمكن أن يغير ذلك من الخصائص المميزة ل Covid-19: حيث يعتبر معديًا للغاية ويسبب أعراضًا شديدة لدى 10% من المصابين، ومعدل الوفيات الكبير المقدر بين 0.6% و1.6%.

لا يمكننا تحميل منظمة الصحة العالمية مسؤولية أي كذب خلال الأسابيع الأخيرة، أو أي قمعٍ للمعلومات حول تفشي المرض، على الرغم من حقيقة أن المنظمة تعتمد على التقارير بحسن نية من الدول أثبتت ضعفًا أساسيًا.

يقدّم بحثٌ حديثٌ أعدّه باتريك باشام Patrick Basham، المدير المؤسس لمعهد الديمقراطية Democracy Institute، روايةً تسلط الضوء على سوء تصرف منظمة الصحة العالمية حيال انتشار الفيروس.

على الرغم من تحذير منظمة الصحة العالمية من التهديد في أوائل يناير/كانون الثاني، إلا أنها لم تبلغ العالم بحقيقة التهديد.  تجادل ورقة بحثية للدكتور شينجي لاي Shengjie Lai، وهو زميل أبحاث في جامعة ساوثامبتون Southampton، بأنه كان بإمكان الحكومة الصينية منع 95% من حالات الإصابة بالفيروسات التاجية على مستوى العالم إذا كانت بكين قد استمعت إلى  المبلغين من ووهان، وصرحت بتحذيراتهم.

تشير البيانات التي قدّمها تيدروس غيبريسيوس Tendos Ghebreyesus، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إلى رؤيةٍ مفيدةٍ حول مستوى التفكير الأعلى في المنظمة. أكدت المنظمة في يناير/كانون الثاني: “التزمت الصين تمامًا بالشفافية، داخليًا وخارجيًا”، وأضافت: “سأثني على الصين مرارًا وتكرارًا، لأن أفعالها ساعدت فعليًا في الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد إلى بلدان أخرى”.

في وقت لاحقٍ من ذلك الشهر، كررت منظمة الصحة العالمية ادعاء الحكومة الصينية أنه لا يوجد دليلٌ على انتقال العدوى من شخصٍ لآخر.

في فبراير/شباط: “لكن [فيروس كورونا] ليس إنفلونزا، مع التدابير الصحيحة يمكن احتوائه، الدليل الذي لدينا هو أنه لا يبدو أن هناك انتقالًا واسعًا ضمن المجتمع”. كانت هذه إحدى الرسائل الرئيسية من الصين.

في مارس/آذار، قال الدكتور غيبريسيوس في مؤتمرٍ صحفي أن الضجة حول الفيروس كانت “أكثر خطورةً من الفيروس نفسه” ،وسط انتقاداتٍ متزايدة لمقاومة المنظمة تجاه وصف أزمة Covid-19 بأنها جائحة.

كان كريستوفر سنودون Christopher Snowdon محقًا عندما أشار أمس إلى أن منظمة الصحة العالمية فشلت مرارًا وتكرارًا في مكافحة الأمراض المعدية، وقد كان لفشل المنظمة في التركيز على الأزمات الصحية الحقيقية عواقبُ وخيمة.

إن مكافحة الأمراض – المعدية وغير المعدية – هي ركيزة أساسية لمنظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، تعرضت لانتقادات من هيئةٍ مختصةٍ عقدها معهد هارفارد للصحة العالمية Harvard’s Global Health Institute وكلية لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة London School of Hygiene and Tropical Medicine في عام 2015 بعد فشلها في دق ناقوس الخطر إلا بعد أشهر من تفشي فيروس إيبولا في غرب إفريقيا.

أدى الفشل في التصرف في عام 2014 إلى تكثيف المعاناة الإنسانية وزاد عدد القتلى، وكانت هناك حاجة ماسة إلى إصلاح كبير لمنع الأوبئة في المستقبل.

ومع ذلك، استمرت المساهمات، في عام 2018، تلقت منظمة الصحة العالمية 125 مليون دولار من الولايات المتحدة، و45 مليون دولار من اليابان، و37 مليون دولار من الصين، و30 مليون دولار من ألمانيا، و25 مليون دولار من فرنسا، و23 مليون دولار من المملكة المتحدة من الاشتراكات المقدرة. على رغم من أن هذه المساهمات تتضاءل بسبب التبرعات، ففي عام 2018 قدمت المملكة المتحدة أكثر من 200 مليون دولار، ما يجعلها ثاني أكبر المساهمين في منظمة الصحة العالمية، ومن غير المستبعد أن تتبع الحكومات حكومةَ الولايات المتحدة في التساؤل عما إذا كانت هذه أموال تُنفَق بشكلٍ جيد. 

كيف سمحت منظمة الصحة العالمية للتاريخ أن يعيد نفسه؟

جزءٌ من المشكلة هو بيان مهمتها الواسع للغاية، وهو “ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاهية للجميع من جميع الأعمار”. يعني هذا النطاق الواسع تحويل الانتباه، ما يثير السخط نحو المشروبات السكرية والتدخين والمشروبات الكحولية، أدى هذا الهوس غير الصحي بالسمنة والتبغ إلى وصف هذه الحالات بالـ“أوبئة”، على الرغم من أنه كما كتب مارك توفي Mark Tovey مؤخرًا: “يُعرّف قاموس أكسفورد هذا المصطلح بأنه انتشارٌ واسع النطاق لمرضٍ معدٍ في مجتمعٍ في وقتٍ محدد”. والآن، فإن الانشغال بصحة الحزب الشيوعي الصيني صرف الانتباه عن رفاهية الملايين.

مع تحول العلماء إلى أسماء مألوفة، ووضع الهيئات الضخمة العابرة للحدود  في دائرة الضوء، ستُطرح أسئلةٌ حول استجابتهم للأزمة. سأل أندرو مار Andrew Marr نيل فيرجسون Neil Ferguson: كيف “على المستوى البشري” يتعامل مع النظر في المرآة كل صباح ويتساءل إذا كان “فعلها بشكل صحيح “. كان الرد : “هناك شعورٌ هائل بالمسؤولية”.

 بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية، فإن السؤال هو: الإصلاح، أو الزوال.


  • ترجمة: سيمون حكيم.
  • مراجعة: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة سيمون حكيم

مهندس معماري ومخطط إقليمي، أهتم بالفضاء والعلوم المختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من هو ابن خلدون؟

مراجعة كتاب: الانقراض السادس – إليزابيت كولبرت