in

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الخامس

من العلمانية إلى أسلمة المجتمع وإحياء الإرث العثماني

يرى بعض الباحثين أن طريق أردوغان في أسلمة المجتمع مثيلة لما حدث في باكستان، وأن تركيا تتجه في نفس هذا الطريق.

اتخذ أردوغان الصيغة الباكستانية لخلط القومية المتشددة بالدين. نفس الشيء قام به الرئيس العسكري زيا بفرض القوانين الإسلامية، وتعديل الدستور، وإهمال العلماء، والقادة العلمانيين، وأنشئت مؤسسات للأسلمة. نفس الخطوات بدأ أردوغان باتخاذها في تركيا.

بدأت الحكومة التركية بزعامة أردوغان بتقييد الحريات الفردية ومعاقبة الأفراد الذين يهينون الإسلام أو يهملون الممارسات الإسلامية.

فمنذ سنة 2017، بدأت الشرطة الوطنية التي تسيطر عليها الحكومة المركزية برصد التعليقات المتعلقة بالدين على الإنترنت، وقمع حرية التعبير عندما تجد أن تلك التعليقات مسيئة للإسلام.

أصبح من الشائع أن تقوم الشرطة التركية بتوقيف من ينتقد الإسلام علنًا، فقد تمت محاكمة العديد من الشخصيات من بينهم الفنان التركي فاضل ساي مرتين بسبب الاستهزاء بأذان الصلاة على تويتر. وأصبح الإعلام الرسمي يشوه سمعة من لا يلتزمون بالممارسات الإسلامية، ففي سنة 2016 قال مصطفى عسكر المتخصص في الشريعة الإسلامية في بث إعلامي أن:

“أولئك الذين لا يؤدون الصلاة التي يمليها الإسلام هم حيوانات”.

أثار رئيس الجمعية الوطنية العليا في تركيا إسماعيل كهرمان، نائب حزب العدالة والتنمية الحاكم، جولة أخرى من الجدل حول العلمانية ومكان الدين في المجتمع التركي. في 25 أبريل ، أعلن كهرمان أن الدستور التركي الجديد الذي سيُصاغ يجب أن يكون “دستورًا دينيًا” ودعا إلى إزالة الإشارة الحالية إلى العلمانية، وجادل بأنه يجب أن تدرج الإشارة إلى الله في الدستور.

في الآونة الأخيرة، قالت الحكومة التركية بأنها ستقوم ببناء 174 سجنًا جديدًا. قبل ذلك، أفرجت الحكومة التركية عن نحو 40 ألف مجرم مدان، من أجل توفير مساحة لعشرات الآلاف من المعتقلين، بمن فيهم الصحفيون، ورجال الأعمال، والأكاديميون الذين اعتقلوا بعد الانقلاب الفاشل. أعلنت مديرية الشؤون الدينية التركية التي تمولها الدولة، أن ما يقرب من 9000 مسجد جديد قد بُنيت في جميع أنحاء البلاد بين عامي 2005 و2015. يقدر عدد المساجد في تركيا بنحو 90 ألف مسجد، مسجد واحد لكل 866 شخص.

جمهورية إيران الإسلامية لديها 48 ألف مسجد فقط. بعبارة أخرى، يوجد في تركيا ضعف عدد المساجد في جمهورية إيران الإسلامية، ومصر التي يبلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة لديها فقط نحو 67000 مسجد.

يشكل التعليم ركيزة أساسية من جهود أردوغان الرامية إلى أسلمة المجتمع، فالنظام التعليمي في تركيا يخضع لسيطرة الحكومة، فقد أصبحت وزارة التربية والتعليم تمارس ضغوطًا على المواطنين لتقيد بالممارسات الإسلامية المحافِظة في المدارس الحكومية، ويعمل أردوغان بحماس على بناء مدارس دينية جديدة.

فخلال الفترة التي قضاها كرئيس للوزراء ورئيسًا أي منذ سنة 2003، ارتفع عدد الطلاب الملتحقين بالمدارس الدينية، والتي يُطلق عليها رسميًا اسم “مدارس الإمام”، من 60 ألف إلى أكثر من 1.2 مليون.

وتقوم الحكومة رسميًا بإدراج الممارسات الدينية في النظام التعليمي الحكومي من خلال إلزام كافة المدارس حديثة النشأة في تركيا بتخصيص غرف صلاة في حرمها. فقد بدأ مسؤولو التعليم المحلي في إسطنبول بالطلب من المعلمين اصطحاب التلاميذ إلى المساجد المحلية لتأدية صلاة الصبح.

في بداية العام الدراسي 2017-2018، عاد أردوغان إلى مدرسته القديمة الإمام حاطيب العليا التي سُميت الآن باسم مدرسة رجب طيب أردوغان الأناضولية بعد إعادة تطوير بقيمة 11 مليون دولار. وأشار إلى “الأيام الصعبة” من طفولته والروح في المدرسة التي دفعت طلابها إلى النجاح.

وقال أردوغان للأطفال وهم يلوحون بالأعلام في احتفال بمناسبة إعادة فتح المدرسة:

“إن الهدف المشترك للتعليم ونظامنا التعليمي هو جعل الناس الطيبين يحترمون تاريخهم، وثقافتهم، وقيمهم”.

قال أردوغان إن أحد أهدافه هو إقامة “جيل متدين” في تركيا ذات الأغلبية المسلمة الذي سيعمل على بناء حضارة جديدة.

وتظهر مراجعة قامت بها رويترز عن ميزانية الحكومة وخطط الاستثمار أن الإنفاق على المدارس العليا للإمام حاطيب للأولاد والبنات الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و 18 عامًا سيتضاعف إلى 6.57 مليار ليرة في 2018 أي ما يقرب من ربع إجمالي ميزانية المدارس الثانوية، وعلى الرغم من أن طلاب الإمام حاطيب لا يمثلون سوى 11% من إجمالي طلاب المدارس الثانوية، فإنهم يحصلون على 23 % من التمويل، أي ضعف الإنفاق لكل تلميذ في المدارس العادية.

التقت مجموعة من الآباء السلطات التعليمية من أجل وقف هذا التحويل الإسلامي للتعليم، وجُمعت مئات التوقيعات. يقول بعض الأهالي أن التغيير بدأ منذ عدة سنوات مع عدد قليل من فصول “الإمام” للشخص، لكنه توسّع منذ ذلك الحين إلى 1300 تلميذ ، منتهكًا المبنى الذي يدرس فيه نحو 3000 طالب في مدرسة متوسطة منتظمة.

قالت والدة فتاة في العاشرة من عمرها في المدرسة العادية إنها ستواصل مع والدين آخرين كفاحهما ضد هذا التحويل الذي تعرفه المدرسة. وقالت إنه من الخطأ إجبار الإسلام على الناس.

كما أُعلن عن منهج دراسي جديد يستثني نظرية التطور التي وضعها تشارلز داروين، وهذا يغذي مخاوف المعارضة من أن الرئيس أردوغان يفسد أسس الجمهورية العلمانية، ويقوم بتأثير سيئ على النظام التعليمي التركي.

مديرية الشؤون الدينية بدأت تمتلك سلطة سياسية مهمة في تركيا تحت حكم أردوغان وبدأ وصف الانتشار العسكري التركي في سورية بالجهاد، فبعد يومين من العملية في سوريا أمرت المديرية ببث سورة الفتح عبر مكبرات الصوت في كافة مساجد تركيا.

و بدأت بإصدار أوامر لإدراج عناصر من الشريعة الإسلامية في المجتمع التركي، ففي السنة الماضية أصدرت المديرية:

“إن الفتيات اللواتي يبلغن من العمر تسع سنوات، والفتيان الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا، يحق لهم الزواج، لأن الرشد يبدأ من البلوغ وفقًا للشريعة”.

ولكن المديرية واجهت غضبًا شعبيًا، فأُبطلت تلك الفتوى. وفي تجمع حاشد الشهر الماضي أحضر الزعيم التركي أردوغان فتاة في السادسة من عمرها مرتدية ملابس عسكرية، وأخبرها أنه سوف تُكرَّم إذا ماتت كشهيدة، وهذا كلام متطرف بشكل كبير لقوله لطفلة بهذا العمر.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الرابع

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء السادس/الأخير