in

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الرابع

الجانب السياسي والديني

بعد عدم تمكن تركيا من الدخول للاتحاد الأوروبي بسبب الأخطاء العديدة التي قام أردوغان بتمريرها في السنوات الأخيرة، يحاول اليوم أردوغان أن يتحيز للقومية والإسلام، الشيء الذي تنبأ به المفكر هنتنغتون منذ سنوات، وذكره في محاضرة له في تركيا سنة 2005، وذكر أيضًا أن تركيا ستواجه بعض المشاكل في اتخاذها هذا الخيار، وهذه المشاكل تكمن في إرث أتاتورك الذي حدد هوية تركيا كدولة عصرية وعلمانية وغربية، والآن يحاول أردوغان محو هذا الإرث، والقيام بتغييرات كلية لهذا الإرث من خلال اتخاذ قرارات مثيرة للجدل.

خطة أردوغان الآن هي العودة بشكل تدريجي للإرث العثماني القومي والإسلامي لتركيا، ويتضح هذا خلال خرجاته، وتصريحاته، والقوانين التي مررها خلال حكمه. اتضح هذا بعد محاولة الانقلاب الفاشل سنة 2016 من خلال حملة التطهير والتغيير الدستوري المثيل للجدل.

https://www.wonderlustmag.com/676/turkey-from-freedom-to-slavery-part01/

الانقلاب الفاشل و حملة التطهير

في سنة 2016 كانت هناك محاولة لانقلاب عسكري في تركيا دبرها فصيل داخل القوات المسلحة لتركية، وهذه المحاولة باءت بالفشل. ما يهمنا هنا هو التطرق للأحداث والسياسات التي اتُخذت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. بعد الانقلاب اتُهم فتح الله غولن وجماعته بعملية الانقلاب، قامت تركيا بالطلب من أمريكا بتسليمه، لكن طلبها قوبل بالرفض بسبب عدم توفر أدلة كافية حول هذا الادعاء.

فقام عمدة تركيا من حزب العدالة والتنمية ميليه غوكسيك بتنظيم زيارة إلى تركيا لأكثر من 12 صحافيًا من نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وول ستريت جورنال، وصحف أمريكة أخرى. كان هذا الحدث فرصة للقاء كبار المسئولين في البلاد ومن بينهم أردوغان، والاستماع إلى روايتهم لمحاولة الانقلاب، وكل هذا من أجل تسليم أمريكا لغولن. غير أن هذه الاجتماعات لم تنجز، تقابل الصحافيون في اجتماع استمر أربع ساعات مع العمدة، وغادر أغلبيتهم احتجاجًا على فشل العمدة في تقديم دليل واحد على تورط غولن في الانقلاب، وبدلًا من ذلك قدم رؤية تآمرية خاصة.

وأضاف أيضًا عمدة أنقرة أن الأعداء الأجانب والمحليين كانوا السبب في حدوث زلازل في تركيا في محاولة تعيسة لإلقاء اللوم على جميع المشاكل التي تواجهها تركيا للدول الخارجية، واتخذت هذه التصريحات التآمرية بكثرة في ظل الأنظمة الشمولية.

بدأت بعد الانقلاب مباشرة حملة تطهير شاملة في تركيا التي سببت هلع عالمي للوضع الذي وصلت له تركيا من قمع للحريات والحقوق في البلاد. رغم أن محاولة الانقلاب قد أُجهضت بعد ساعات، فقد تحول التطهير إلى حملة شاملة ليومنا هذا على كل خصوم أردوغان من جميع الأطياف السياسية. اعتقلت الحكومة الصحافيين الليبراليين، وهدد أردوغان باعتقال رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي نظّم مسيرة من أنقرة إلى اسطنبول معارضًا لقمع وسائل الإعلام. وقام باعتقال صلاح الدين دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي القومي الكردي، ثالث أكبر كتلة برلمانية بعد حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

https://www.wonderlustmag.com/685/turkey-from-freedom-to-slavery-part02/

تم تطهير عشرات الآلاف من الموظفين العموميين والجنود في الأسبوع الأول من الانقلاب، فبعد يوم واحد فقط فُصل 2745 قاضيًا واحتُجزوا، وقد أُوقف وفُصل واحتُجز أكثر من 100 ألف مسؤول، كما فُصل أيضًا نحو 12 ألف مدرس كردي و24 عمدة منتخبين بتهمة صلتهم مع حزب العمال الكردستاني.

استُهدف العلمانيون، والليبراليون، وجميع المعارضين لأردوغان في هذه الحملة التطهيرية بحيث اعتُقل كتّاب، وصحفيون، وأساتذة جامعيين، وفنانون، ومغنون، وناشطو المجتمع المدني، ومحامون، وقضاة بدون محاكمات، وأصبح اليوم يُزج في السجن بكل من ينتقد أردوغان. وهذا جعل تركيا من أسوء الدول احترامًا لسيادة القانون وحرية التعبير، وأيضًا عُذِّب العديد من المعتقلين في السجون التركية.

تُعتبر تركيا اليوم مقبرةً للصحفيين، في تقرير ل Freedom house وُضعت تركيا في مرتبة متأخرة من بين الدول التي تقمع الصحافة، بسبب هذا القمع المتواصل وإقفال اغلب وسائل الاعلام المستقلة. في سنة 2017 منعت السلطات الوصول إلى الموسوعة الشعبية على الإنترنت ويكيبيديا. ولم يُعطَ أي سبب رسمي، لكن وسائل الإعلام المحلية قالت إن هذه الخطوة تتعلق بربط تركيا بالإرهاب. وتُعتبر هذه الخطوة أحدث أزمةً للوصول إلى المعلومات في البلاد.

وقالت “كتل تركيا”، وهي منظمة تراقب الرقابة على الإنترنت، إن كان هناك أمر إداري منع جميع الإصدارات اللغوية للموسوعة على الإنترنت. وقد امتثل العديد من مشغلي الإنترنت الرئيسيين للأمر. وكثيرًا ما تطلب السلطات من وسائل الإعلام الاجتماعية وشركات الإنترنت التعاون في إزالة المحتوى الخاص بالتشهير أو الإرهاب المعرَّف على نطاق واسع، لا سيما فيما يتعلق بالمسلحين الأكراد. وحُظرت مئات المواقع التي تنتقد الحكومة في تركيا الآن.

قالت أكبر مجموعة إعلامية تركية المعروفة بـ”دوغان” إنها تجري محادثات مع مجموعة أعمال قريبة من الرئيس أردوغان لبيع منافذها، وهذا القرار سيزيد من تقليص الصحافة المستقلة في البلاد التي اتخذت منعطفًا استبداديًا متزايدًا تحت قيادة أردوغان. ستُباع العديد من القنوات التابعة لهذه المجموعة الإعلامية المستقلة والمعروفة بالشق الليبرالي إلى رجل أعمال مقرب من الرئيس أردوغان، الشيء الذي سيحد أكثر من حرية التعبير ومن المعارضة.

قال نظمي بيلجين، رئيس جمعية الصحفيين التي تتخذ من أنقرة مقرًا لها:

“سيؤدي هذا إلى الاختفاء التام للإعلام السائد، وستتحدث وسائل الإعلام بصوت واحد فقط”.

حدث هذا البيع بسبب الضغوطات التي تقوم بها حكومة أردوغان منذ مدة على رجل الأعمال وصاحب المجموعة الإعلامية دوغان “Aydin Dogan”، فقد فُرضت غرامة مالية عليه تبلغ مليارات الدولارات أجبرته في سنة 2009 ببيع جريدتين، كان للغرامة تأثير مروع على مؤسساته الإعلامية. قال إرول أوندير أوغلو ممثل تركيا في منظمة مراسلون بلا حدود:

“إن بيع دوغان هولدينغ يعني موت التعددية والصحافة المستقلة في وسائل الإعلام التركية الرئيسية”.

الحكومة الآن تسيطر بالكامل على وسائل الإعلام في الفترة التي تسبق انتخابات عام 2019. في قطاع الأعمال، قامت الحكومة نفسها بالاستيلاء بقوة على أصول أكثر من 1000 شركة تبلغ قيمتها 11 مليار دولار، بتهمة الارتباط بغولن والانقلاب، وقاطعت الجماهير البضائع التي تنتجها مثل هذه الشركات، وهذا له تأثير سيء على الاقتصاد.

لا يزال التطهير في تركيا جارٍ إلى يومنا هذا، وتزايدت الأرقام اليوم بشكل كبير حيث:

– وصل عدد المعتقلين إلى 64.998.

– عدد المفصولين من عملهم 151.967.

– عدد المحتجزين 133.257.

– عدد الجامعات المدارس و الحرم الجامعية التي أغلقت 3003.

– عدد القضاة و المدعيين العامين الذين فُصلوا 4463.

– عدد الأكادميين الذين خسروا عملهم 5822.

– عدد الصحفيين الذين اعتُقلوا 319.

– عدد منابر الإعلام التي أُقفلت 189.

https://www.wonderlustmag.com/692/turkey-from-freedom-to-slavery-part03/

التغيير الدستوري

 

بعد الانقلاب الفاشل وعملية التطهير وجد أردوغان فرصته من أجل القيام بتعديل دستوري الذي لطالما طالب به منذ سنوات، هذا التعديل الدستوري سيحول النظام السياسي التركي من نظام حكم برلماني لنظام حكم رئاسي. ولتمرير استفتاء شعبي يجب أن يصوت 330 عضو في البرلمان بنعم من أجل تمرير هذا التعديل الدستوري للتصويت عليه من قبل الشعب.

في 20 يناير 2017، صوت البرلمان لطرح التعديلات المقترحة على الاستفتاء بأغلبية 339 صوتًا، متجاوزًا بذلك الغالبية المطلوبة التي تضم 330 صوتًا. أكد الرئيس أردوغان تاريخ الاستفتاء في 16 أبريل 2017.

أعلن حزب الشعب الجمهوري المعارض أنه سيسعى إلى إلغاء التصويت البرلماني من خلال المحكمة الدستورية، مستشهدًا بوجود مخالفات مثل التصويت العلني وترهيب النواب خلال عملية التصويت. وُجدت أيضًا مخالفات أخرى منها توقيف العديد من النواب من أحزاب المعارضة، ومقاطعة بعض النواب التصويت بغية إعادة النواب المعتقلين للقيام بالتصويت في جو ديمقراطي و عادل، وقد ساهم هذا في التأثير على عملية التصويت.

كان لحالة الطوارئ تأثير كبير في المناقشات العامة حول الاستفتاء بحيث مُنعت المجتمع المدني والمنظمات العامة من التعبير عن رأيهم في الاستفتاء خوفًا من المحاكمة والاعتقال، والغالبية العظمى من وسائل الإعلام التركية متعاطفة ومقربة من أردوغان بعد الحملة بسبب تسريح وإقفال العديد من وسائل الإعلام المعارضة كما ذكرنا سابقًا.

عانى حزب الشعوب الديمقراطي، ثاني أكبر حزب معارض أيضًا من حملة القمع، حيث يقبع 13 من أعضائه في السجن، على خلفية اتهامات بصلاتهم بحزب العمال الكردستاني، وقد سُجن كلٌّ من زعيمي الحزب بعد إدانتهم بتهمة الإرهاب، كما سُجن أيضًا المتحدث باسم الحزب.

https://www.wonderlustmag.com/76/islamic-capitalism-the-turkish-boom/

أبرز التعديلات الدستورية

-يتولى رئيس الدولة صلاحيات تنفيذية واسعة للغاية تشمل قيادة الجيش والاستخبارات، وتعيين وإقالة الوزراء وكبار الموظفين الحكوميين ورؤساء الجامعات.

-إلغاء منصب رئيس الوزراء وتعيين نائب أو أكثر في إدارة السلطة التنفيذية.

-يحق للرئيس التدخل في عمل القضاء من خلال تعيين 4 أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة والمدعين، وهو المجلس الذي يملك سلطة التعيينات والإقالات في السلك القضائي، فيما يملك البرلمان سلطة تعيين 7 أعضاء.

-يحق للرئيس فرض حالة طوارئ إذا كان ذلك لازمًا.

-يحق للرئيس الاحتفاظ بالانتماء لحزب سياسي معين.

-يعرض رئيس الدولة الميزانية العامة على البرلمان.

-تجرى الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل 5 سنوات.

-أصبحت ولاية رئيس الدولة 5 سنوات بدلًا من 4 سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من دورتين.

صوت الشعب التركي بنسبة 51 % قبولًا لهذه التعديلات الدستورية في حين صوت 48 % بـ لا.

سيتم البدء العمل بالدستور الجديد من سنة 2019، وأصبح بمقدور أردوغان البقاء رئيسًا للبلاد حتى عام 2029 إذا نجح في الانتخابات، وهذا سيعطي للرئيس أردوغان سلطة موسعة. في الحملة حول الاستفتاء على التعديل الدستوري استُغل الدين بشكل سيء من أجل حث الشعب للتصويت ب نعم.

قام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالتأثير بشكل كبير دينيًا على الاستفتاء في تركيا، الإشكال هو أن الاتحاد معلوم منذ نشأته سنة 2004 أنه لا يتبع لحكومة أو دولة معينة، وإنما يتبع لشعوب الأمة. ومن خصائصه التي أرادها مؤسسوه أن يكون عالميًا لا ينصب جهده في إقليم واحد أو منطقة واحدة، وأن يكون مستقلًا.

لكن العكس يحدث مع تركيا فقد أصبحت أغلب مؤتمراتهم تُنجز في تركيا، وأصبح الاتحاد يصدر فتاوىً ومواقف دينية تؤيد المواقف السياسية التي تتبناها تركيا.

بعد حادث إسقاط تركيا لطائرة روسية عسكرية قامت روسيا بالمقاطعة التجارية والسياحية مع تركيا الشيء الذي سيضر بالاقتصاد التركي فأصدر الاتحاد بيان يقول:

“ندعو الدول الإسلامية، والشعوب المسلمة، والشركات والأفراد جميعًا بدعم المنتجات التركية وتقوية اقتصادها بالسياحة ونحوها، فلا يجوز شرعًا ترك تركيا وحدها، لأن ما أصابها اليوم من المقاطعة والعزلة إنما هو لأجل وقوفها مع الحق والعدل، ومع قضايا أمتنا، مع السوريين والفلسطينيين، مع جميع المستضعفين في الأرض من ميانمار، والصومال، والعراق، ومصر، وليبيا…حتى أصبحت تركيا اليوم قبلة لجميع المظلومين”.

أفتى الاتحاد أيضًا بوجوب التصويت في الانتخابات التركية، وحرم في ذات الوقت المشاركة في الانتخابات البرلمانية في مصر، ويُظهر هذا انحياز الاتحاد لدولة على حساب دولة في خرق واضح للحيادية. أثناء الانقلاب العسكري، صرح رئيس الاتحاد، يوسف القرضاوي، بأن الله والأحرار وعلماء الأمة وجبريل والملائكة مع أردوغان ويساندونه.

وحول التغييرات الدستورية أصدر الاتحاد بيان آخر يقول:

“يدعو الاتحاد للوقوف مع تركيا والتضامن التام معها في حق مواطنيها في اللقاء بساستهم والتعبير عن رأيهم في الدول التي يقيمون بها، وبخاصة أن النظام الذي يدعو إليه أردوغان هو النظام الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم واحد في السلطة”.

هذه التصريحات تثير جدلًا كبيرًا حول حيادية الاتحاد وحول غايته في التقارب والانحياز لتركيا.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمس أسباب تجعلك غير متقن للّغة التي تتعلمها!

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الخامس