in

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الثالث

الفساد العائلي والسياسي

في عام 1998، توفيت مغنية الموسيقى الكلاسيكية التركية سيفيم تانوريك Sevim Tanürek في أسطنبول بعد فترة في العناية المركزة بعد أن أصيبت بسيارة يقودها أحمد بورك أردوغان الابن البكر للرئيس أردوغان.

لم يكن يحمل رخصة قيادة أثناء الحادث، وقام بالفرار من مكان الحادث، تمت محاكمته دون القبض عليه، على الرغم من أنه قد أُدين في التقرير الأول واقترح المدعي العام عقوبة السجن لمدة 3 إلى 20 شهر،  والتي رُقيت إلى 2 – 5 سنوات بعد خبر وفاة الفنانة، ولكن في جلسة الاستماع النهائية تم إعفاؤه.

بعد الحادث، قال زوج الفنانة بأنه على الرغم من علمهم أن حالتها الصحية موضع تساؤل فإنه لم يتوقع موتها ودعا الى معاقبة السائق، ونفى الموافقة على قبول المال بحيث قال: “لا يمكن أن تكون هناك مغفرة بالمال”. لم تجرِ محاكمة ابن أردوغان وأُعفي لأن أبوه أردوغان كان عمدة اسطنبول آنذاك. واليوم يُعتبر أحمد بورك أردوغان رجل أعمال، ويمتلك شركة خاصة بالسفن تسمى MB Denizcilik.

في عام 2013 صرحت Ynetnews أن إحدى سفن الشركة كانت قد سافرت عدة مرات بين الموانئ التركية والإسرائيلية على الرغم من ضعف العلاقات بين البلدين، فقام نواب المعارضة بسؤال أردوغان حول الحادثة بالطريقة التالي: “هل أُعفي ابنك من الحظر التجاري المفروض على إسرائيل؟ هل هذا أخلاقي؟ ما هي حصة التجارة مع إسرائيل التي استولت عليها السفينة التي يملكها ابنك؟”.

https://www.wonderlustmag.com/676/turkey-from-freedom-to-slavery-part01/

يمتلك الرئيس أردوغان ثروة مهمة بعد ما ورد في التسريبات الأخيرة لمالطا، هذا نتاج الفساد والمحسوبية المتنشرة في تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية (بحيث وُجد أيضًا تورط الوزير الأول لتركيا بن علي يلدرم بامتلاكه وعائلته سرًا شركات خارجية بأصول تساوي 140 مليون دولار بما في ذلك سفن وشحن في هولندا سريًا).

لم يكن هذا معروفًا من قبل لكن مع التسريبات التي حدثث السنة الماضية والمعروفة باسم “ملفات مالطا”، ظهر تورط أردوغان وعائلته بالعديد من النشاطات السرية، وظهر أنه قام باستغلال المنصب من أجل إثراء نفسه وعائلته.

من خلال شركات خارجية في جزيرة مان ومالطا، يمتلك أردوغان سريًا ناقلة نفط تقدر قيمتها بنحو 25 مليون دولار تسمى Agdash. وقد بُنيت هذه الصفقة مع صديق أردوغان المقرب ورجل الأعمال التركي سيتكي أيان، والملياردير التركي الأذربيجاني المسمى Mübariz Mansimov، مالك مجموعة شركات Palmali التي تتخذ من اسطنبول مقرًا لها.

تبين الوثائق أنه منذ عام 2008، بلغت تكلفة صفقة Agdash نحو 30 مليون دولار، سبعة ملايين من سيتكي أيان، وحصل أردوغان على نحو 23 مليون من Mübariz Mansimov في أكتوبر سنة 2008، باستخدام شركة في جزيرة مان تسمى بوميرز المحدودة، سميت باسم أصحابها الرئيسيين نجل الرئيس بوراك أردوغان، وشقيقه مصطفى أردوغان، وصهر زوجته.

شكل رجل الأعمال هذا وأردوغان علاقة عمل على مدى سنوات عديدة، ففي عام 1998 مدد عملياته لتركيا. وبعد ثماني سنوات وافق على الجنسية التركية، واعتمد اسما تركيا هو موباريز غوربان أغلو بطلب من أردوغان.

فقد قال مانسيموف في مقابلة مع وسائل الإعلام التركية: “سألني رئيس الوزراء الموقر، لماذا لا تصبح مواطنًا تركيًا؟”. في عام 2006، فعل ذلك بالضبط.

جنى مانسيموف العديد من العلاقات الجيدة مع أردوغان بعد هذه الصفقة، وتوسعت أعماله بشكل كبير في تركيا بعد الصفقة التي قام بها مع أردوغان. اليوم يُعتبر مانسيموف واحدًا من أكبر رجال الأعمال في تركيا مستثمرًا في عدة قطاعات مهمة في تركيا منها الرعاية الصحية، والطاقة، والبناء، والسياحة، والطيران، والسيارات الفاخرة.

فاز أيضًا بعرض خصخصة لتطوير ميناء فاخر في مدينة بودروم في جنوب غرب البلاد على البحر الأبيض المتوسط، يُعرف الميناء باسم “نادي الملياردير” بسبب جذبه للمشاهير والأرستقراطيين مثل الأمير تشارلز وبيل غيتس.

بذلت عائلة أردوغان كل الجهود الممكنة لإخفاء ملكيتهم على الناقلة، بحيث مرروا الأسهم إلى عدة شركات أخرى من أجل التمويه على ملكيتهم، لكن ملفات مالطا فضحت الأمر بأكمله.

 

هناك أيضًا ما قاله زعيم حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، الذي يزعم أن لديه وثائق تثبت أن أعضاء عائلة الرئيس أردوغان وحلفائهم نقلوا ما لا يقل عن 15 مليون دولار إلى شركة خارجية في أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012.

وحسب نفس ملفات مالطا وجد أن عائلة أردوغان لديهم أكثر من 3 شركات خارجية تابعة في ملاذات ضريبية متفرقة، من يبحث عن المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يمكن أن تجد معلومات إضافية في المصادر تحت المقال.

https://www.wonderlustmag.com/685/turkey-from-freedom-to-slavery-part02/

يخضع ابن الرئيس التركي الآخر بلال أردوغان للتحقيق في إيطاليا بتهمة غسيل الأموال، كما زعم في فضيحة فساد سنة 2013 هزت المؤسسة السياسية التركية، صدرت لاحقًا تسجيلات صوتية سُمع فيها أردوغان يقول لابنه بالقيام بالتخلص بشكل عاجل من عشرات الملايين من الدولارات.

في عام 2013 ظهر اسم بلال أردوغان في فضيحة الكسب الغير المشروع الضخمة التي ضربت حزب العدالة والتنمية وكبار المسؤولين في الحكومة التركية، وقال ممثلو الادعاء الأتراك إنه ينطوي على خطة مزعومة لتبييض الأموال تهدف إلى تجاوز العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران.

وأمروا بالقبض على 52 شخصًا في ديسمبر 2013، واتهموا 14 شخصًا بينهم العديد من أفراد أسرة الوزراء بالرشوة، والفساد، والاحتيال، وغسل الأموال، وتهريب الذهب.

وُجد أن الحكومة التركية متورطة أيضًا في النشاط الإجرامي، ومن أقوى المؤشرات على ذلك، كانت محاكمة رضا زراب عام 2013 في تركيا، إذ أُلقي القبض على زراب وأبناء أربعة من الوزراء البارزين من حزب العدالة والتنمية، ووجهت لهم اتهامات بتهريب الممنوعات وغسيل الأموال والرشوة. كان أردوغان رئيس الوزراء وقتها وكان مقربًا من هؤلاء، ورغم أن التحقيقات تسببت في استقالة عدة وزراء من حزبه، هاجم أردوغان مسؤولي إدارة مكافحة التهريب والإدارات الأخرى بدعوى أنهم ساهموا في الانقلاب القضائي ضده، كما هاجم غولن ووصف التحقيقات بأنها انتقام من أنصار غولن الكثيرين في تركيا، وبعدما أصبح أردوغان رئيسًا، وتحديدًا في يناير من عام 2014، فصل ونقل الآلاف من الشرطيين والموظفين في إدارة مكافحة التهريب، وبعدها بشهر، أُفرِج عن رضا زراب، وأغلقت قضيته تمامًا.

الحدث الآخر الذي يظهر انتشار المحسوبية والفساد في تركيا هو حادث نقض قاضٍ تركي أحكامًا سابقة على زعيم المافيا سادات بكر المعروف بصداقته مع أردوغان، ففي فترة لاحقة نشرت الصحف اليومية صورًا لأردوغان وهو يعانق بكر في زفاف أحد السياسيين المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية. يقوم سادات بكر بارسال شاحنات محملة بمعدات تكنولوجية بينها طائرات دون طيار إلى مجموعات إرهابية متطرفة بسوريا.

يعتبر صهر الرئيس أردوغان بيرات البيرق رجل أعمال ورئيس تنفيذي سابق لشركة تشاليك، أخذ منصب وزير الطاقة والموارد الطبيعية سنة 2015. اتهم الروس والمعارضة التركية صهر أردوغان وابنه بلال أردوغان بالتجارة في النفط مع داعش.

بعد تحطيم الطائرة الروسية كشفت روسيا النقاب عن ما تصفه بأنه دليل على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعائلته قد استفادوا من التهريب غير القانوني للنفط من الأراضي التي يسيطر عليها داعش.

يُنقل النفط عبر الطريق التي تحطمت بها الطائرة الروسية، ويؤكد وزير الخارجية الروسي هذا، ويضيف تواجد مستودعات الأسلحة والذخائر ومراكز المراقبة الموجودة هناك أيضًا. وُجد أيضًا أن بلال أردوغان ينقل نفط داعش إلى الأسواق الأوروبية وغيرها من الأسواق الدولية مقابل مئات الملايين من الدولارات.

يبدو أن ابن أردوغان هو الرجل الذي يجعل مبيعات تصدير النفط الذي يسيطر عليه داعش ممكنًا. فبلال أردوغان يملك العديد من الشركات البحرية ويقال بأنه وقع عقودًا مع شركات تشغيل أوروبية لنقل النفط العراقي المسروق إلى بلدان آسيوية مختلفة. تشتري الحكومة التركية النفط العراقي المنهوب الذي تنتجه آبار النفط العراقية. وتمتلك الشركات البحرية التي يملكها بلال أردوغان رصيفًا خاصًا في موانئ بيروت وجيهان التي تنقل النفط الخام المهرب لداعش في ناقلات النفط المتجهة إلى اليابان.

قامت سنة 2016 منظمة ويكيليكس باصدار أكثر من 57 ألف رسالة بريد إلكتروني، من عام 2000 إلى 2016 تخص صهر أردوغان، والتي ذكرت ويكيليكس من خلالها أنها تربط صهر أردوغان بتهريب نفط داعش بعد هذه التسريبات وتسريبات أخرى خاصة بفساد حزب العدالة والتنمية التركي منعت الحكومة في تركيا موقعَ ويكيليكس.

نُشرت وثائق جديدة أخرى تظهر علاقة تركيا بداعش، وكيف قامت بإرسال العديد من المساعدات المالية والعسكرية والموارد البشرية لداعش. سنذكر بعضها ويمكن لكم إيجاد البقية في المصادر -في المقال الأخير من هذه السلسلة- .

– قال أحد قادة داعش لصحيفة واشنطن بوست في سنة 2014 أن:

“معظم المقاتلين الذين انضموا إلينا في بداية الحرب جاءوا عبر تركيا، وكذلك معداتنا وإمداداتنا”.

– أصدر كمال كيليزدار أوغلو، رئيس الحزب الشعبي الجمهوري، بيانًا من مكتب المدعي العام سنة 2014 يؤكد فيه أن تركيا قدمت أسلحة للجماعات الإرهابية. كما أنه أنتج نسخًا من المقابلات من سائقي الشاحنات الذين قاموا بتسليم الأسلحة إلى المجموعات. وبحسب كيليزدار أوغلو، تزعم الحكومة التركية أن الشاحنات كانت مخصصة للمساعدات الإنسانية إلى التركمان، لكن التركمان قالوا إنه لم يتم تسليم أي مساعدات إنسانية.

– وفقًا لنائب رئيس حزب الشعب الجمهوري بولنت تيزكان، تم إيقاف ثلاث شاحنات في Adna للتفتيش في 19 يناير 2014. حُمَّلت الشاحنات بالأسلحة في مطار إيسينبوجا في أنقرة. قاد السائقون الشاحنات إلى الحدود، حيث كان من المفترض أن يتولى عميل استخبارات تركي قيادة الشاحنات إلى سوريا لنقل المواد إلى داعش والمجموعات في سوريا.

عندما توقفت الشاحنات، حاول عملاء الاستخبارات إيقاف المفتشين من تفتيش الشاحنات من الداخل فوجد المفتشون الصواريخ، والأسلحة، والذخائر .

– صرح وزير الداخلية التركي معمر جولر توجيهات تقول:

“وفقًا لمكاسبنا الإقليمية، سنساعد مقاتلي جبهة النصرة ضد فرع المنظمة الارهابية حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي داخل حدودنا. تُعتبر مقاطعة هاتاي موقع استراتيجي لعبور المجاهدين من داخل حدودنا إلى سوريا، وسيزداد الدعم اللوجستي للجماعات الإسلامية، وسيجري تدريبهم ورعايتهم في المستشفيات والممر الآمن في هاتاي، وسيقوم جهاز الاستخبارات الوطنية ومديرية الشؤون الدينية بتنسيق وضع المقاتلين في الاماكن العامة”.

تمتلك بنت أردوغان مستشفى من هذه المستشفيات التي تقوم برعاية المقاتلين في سوريا وتعيدهم إلى مناطق الحرب.

ذكرت صحيفة ديلي ميل سنة 2014 أن العديد من المقاتلين الأجانب انضموا إلى داعش في سوريا والعراق بعد سفرهم عبر تركيا، لكن تركيا لم تحاول إيقافهم، وأيضًا وُصف كيف أن المتشددين الأجانب، وخاصة من المملكة المتحدة، يذهبون إلى سوريا والعراق عبر الحدود التركية، ويطلقون على الحدود “بوابة الجهاد”. أما جنود الجيش التركي فيغضون الطرف عنهم ويسمح لهم بالمرور، أو يدفع الجهاديون لحرس الحدود مبلغًا يقل عن 10 دولارات لتسهيل عبورهم.

 

لا أريد الإطالة، من يريد التعمق أكثر في الأحداث سيجد في المصادر (المصادر في آخر مقال من هذه السلسلة) بالإضافة إلى وثائقي بالصوت والصورة للأحداث، وعلاقة تركيا بالإرهاب، وأيضًا أكثر من 20 وثيقة حول الموضوع.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الثاني

خمس أسباب تجعلك غير متقن للّغة التي تتعلمها!