in

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الثاني

الجانب الاقتصادي

بدأت تركيا تحت حكم أردوغان بالتحول لنظام رأسمالية المحاسيب، بحيث أصبحت الشركات التي لديها علاقات جيدة مع الحكومة تبلي بلاءً حسنًا، وتفوز بالعقود الحكومية المباشرة وبامتيازات مهمة تصل إلى اتفاقات تشمل الأراضي المملوكة للدولة وإنذار الشركات المقربة مبكرًا بشأن أي تغيير تنظيمي.

تعاني الشركات التي ليس لها أصدقاء في الحكومة أو الشركات القريبة من الحكومات الغربية التي تنتقد حزب العدالة والتنمية تعاني بشكل كبير من غياب المنافسة العادلة وإعاقة أعمالها داخل تركيا.

لم يتمكن البنك المركزي من معالجة التضخم والقيام بخطوات للاستقرار المالي في تركيا بسبب تدخل أردوغان في السياسات المالية لهذه المؤسسة وفرضه على البنك المركزي سياسة تخفيض أسعار الفائدة، حتى إنه قام باتهام محافظ البنك المركزي إرديم باسجي بأنه خائن للأمة لدفاعه عن معدلات الفائدة المرتفعة.

وساهم هذا في ارتفاع الديون التركية مما جعلها تحصل على درجات ضعيفة من وكالات التصنيف الائتماني، يُعدّ فرض أردوغان على البنك المركزي سياسة خفض أسعار الفائدة يُعد خطوةً سياسية من أجل الانتخابات القادمة، والتي سأذكرها فيما بعد.

بسبب تدخله في سياسة البنك المركزي انهارت الليرة التركية بشكل كبير، الشيء الذي أدى بأردوغان للطلب من المواطنين الأتراك بتحويل مدخراتهم لليرة التركية من أجل حماية العملة الوطنية.

في سنة 1995 أُنشئ ائتلاف كبير يتكون من أحزاب يمين الوسط و يسار الوسط المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يعتبر هيئة استشارية فصلية لتجميع ممثلي العمال والقطاعين العام والخاص للحكامة الجيدة، لكن أردوغان رفض عقد المجلس منذ عام 2009، على الرغم من الدعوات المتكررة لذلك من المعارضة.

في ظل حالة الطوارئ الحالية، لم تعد معظم القرارات الاقتصادية تنطوي على مداولات البرلمان، إنها ببساطة نتيجة المراسيم التعسفية. أدى انتشار المحسوبية وتدهور سيادة القانون في تركيا إلى تآكل حقوق الملكية الخاصة. ففي العام الماضي وحده استولت الحكومة على 879 شركة ذات أصول تزيد قيمتها عن 11 مليار دولار، مما دفع المشترين المحتملين إلى القلق بشأن معارك قانونية مطولة حول الملكية. وتم تعيين الموالين لحزب العدالة والتنمية لإدارة هذه الشركات، مما ساهم في تفاقم المحسوبية وسوء الإدارة وعدم الثقة في الاستثمار في تركيا.

عرفت الاستثمارات الأجنبية المباشرة انخفاضًا كبيرًا، فبعدما سُجل في سنة 2007 رقم 22 مليار دولار من الاستثمارات، أصبح يساوي 12.3مليار دولار سنة 2016، ويرجع ذلك إلى القلق حول التقلبات السياسية التي تعرفها تركيا، وضعف العملة، وارتفاع معدل التضخم، وارتفاع المحسوبية، والشكوك حول سيادة القانون، واحترام الملكية الخاصة.

كما تضرر المستثمرون من الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتركيا، ومصدر الاستثمار الأجنبي المباشر من انتشار المحسوبية وعدم سيادة القانون في تركيا. فقد رفعت تركيا مؤخرًا شكوى لدى الإنتربول ضد 681 شركة ألمانية متهمةً إياها بتمويل الإرهاب، وبسبب هذا قامت الحكومة الألمانية بدعوة إلى تعليق المفوضية الأوروبية لجهودها في تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي مع تركيا، الشيء الذي سيضر بالتجارة الثنائية، وهذا الضرر ستعاني منه أعمال تركيا الموجهة للتصدير أكثر.

https://www.wonderlustmag.com/676/turkey-from-freedom-to-slavery-part01/

يعاني القطاع السياحي في تركيا بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب العمليات الإرهابية المتعددة التي ضربت تركيا بسبب تدخلها في الصراع في سوريا والخلافات الكبيرة مع الأكراد. أيضًا ما زال هناك العديد من القوانين والعراقيل التي تمس الشركات الناشئة في تركيا، وتجعل توسع هذه الشركات صعب.

– قام The world Economic forum بوضع تركيا في المرتبة 131 من بين 144 دولة في كفاءة سوق العمل.

– ديونها الخارجية تقترب من 400 مليار دولار أي نحو 50% من الناتج المحلي الإجمالي.

– عجز ميزانية تركيا في سنة 2018 يتجاوز 17 مليار دولار.

الانتخابات القادمة في تركيا ستكون سنة 2019، و بسبب تراجع نسبة تأييد أردوغان إلى أقل من 50% لم يترك مصيره السياسي لتقلبات السوق الحرة. بدلًا من ذلك، فإنه يخاطر باستقرار بلاده ومستقبلها من خلال إغراق الاقتصاد مع الائتمان للهندسة قصيرة الأجل.

أصبح الاقتصاد التركي يتمحور فقط حول اللعبة السياسة وربح الأصوات، أي عن أردوغان وحزب العدالة والتنمية من أجل الفوز بشكل حاسم في عام 2019. وسعت تركيا ضمانات الدولة بنشر بسرعة نحو 50 مليار دولار من القروض إلى ما يقرب من 300 ألف شركة تركية مع القليل من الشفافية حول كيفية إنفاق الأموال، جمعت الحكومة أيضًا أصولًا بقيمة 200 مليار دولار في صندوق ثروة.

وهذا يعني أن بإمكانها الاقتراض مقابل حصصها في شركات مثل الخطوط الجوية التركية وتورك تيليكوم لبناء بنية تحتية ذات شعبية كبيرة، والتي ستزيد من عجز الميزانية الذي من المتوقع أن يكون أعلى مستوى له منذ عام 2010.

تقول Melis Metiner من HSBC Holdings Plc: “إن أردوغان وحلفائه يحاولون تجاوز “اقتصاد جانب العرض” الهيكلي للاقتصاد بما في ذلك انخفاض معدلات الادخار، ونتائج التعليم الضعيفة ونقص المهارات، في الوقت نفسه الذي تحمي فيه الصناعات غير الفعالة مع أكثر السياسات حمائيةً في الأسواق الناشئة. وقالت إن هذا الإهمال ، جنبًا إلى جنب مع تراكم الديون، قد يجعل تركيا أكثر عرضةً للصدمات الخارجية بعد الانتخابات”.

يبدو أن أولوية الحكومة هي الحفاظ على النشاط المحلي لأطول فترة ممكنة من خلال الاستفادة من الميزانيات العمومية للقطاعين العام والمصرفي، وكل هذه السياسات رغم معرفة ضررها الكبير على الاقتصاد يقوم أردوغان بتمريرها من أجل خلق ازدهار وهمي من أجل التصويت على حزبه في الانتخابات القادمة، وما سيحدث من بعد هو وقوع تركيا في ازمة اقتصادية خطيرة.

وسِّع صندوق الضمانات الائتمانية، الذي أنشأته الحكومة في عام 1991، بشكل كبير في السنة الماضية، سمح الصندوق للبنوك التجارية بمشاركة بعض مخاطر الإقراض لديها مع الخزانة ، التي تغطي 7% من أي خسائر، وهو ما يكفي المقرضين للموافقة على العديد من العملاء ذوي الجدارة الائتمانية للحدود.

انتقد الاقتصاديين سياسة الصندوق بسبب خلقه لدوامة الديون التي ستساهم في إضافة عنصر آخر من عوامل ضعف الاقتصاد. وما يقوم به أردوغان اليوم هو إمساك انهيار النظام فقط من خلال ضخ ما يكفي من المال والديون للحفاظ على النمو المرتفع، لكن الوقت الذي سيتوقف هذا الضخ أو حدوث أزمة مالية سينهار الاقتصاد بأكمله. وأخذت هذه السياسات بعدًا أكبر بعد الانقلاب الفاشل وحملة التطهير التي لا يزال يُعمل بها ليومنا هذا.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الأول

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الثالث