in

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الأول

في هذا السلسلة من المقالات بعنوان تركيا: من الحرية إلى الاستبداد سأحاول الرد على بعض المغالطات التي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول الاقتصاد التركي في ظل حكم أردوغان، وسأظهر كيف تحولت تركيا في السنوات الأخيرة من دولة تتميز بالحرية الاقتصادية والسياسية إلى دولة تعاني من الاستبداد وقمع الحرية الاقتصادية والسياسية من أجل تمرير إيديولوجيا خاصة عن طريق الحاكم.

تُعتبر تركيا الجسر الفاصل بين الغرب والشرق، وبين الدول الإسلامية والدول المسيحية. استمرت الحضارة العثمانية لمدة 600 سنة، وامتدت لاستعمار العديد من الدول من الشرق الأوسط وشرق أوروبا إلى سنة 1922 عندما قام كمال أتاتورك بقيادة الشعب التركي للظفر بالاستقلال، وقام بتأسيس الجمهورية التركية، ولُقِّب بأتاتورك الذي معناه أب الأتراك.

يُعتبر كمال أتاتورك القائد الذي قام بأهم التغييرات في تركيا، وإليه يعود الفضل اليوم في العديد من النتائج التي وصلت لها، قام أتاتورك عند صعوده للحكم بتغييرات مؤسساتية لتشكيل بيئة البلد، ومعلوم جيدًا أن أهم البدايات نحو التقدم تكون بتغيير مؤسساتي كامل ليواكب التطور.

من بين هذه التغييرات المؤسساتية التي قام بها كان قراره في تأسيس دولة علمانية حداثية، وكان مقتنعًا أنه من أجل حدوث هذا يجب على تركيا أن تتبنى القيم الغربية، قام بتحويل آيا صوفيا إلى متحف ديني (كانت آيا صوفيا كاتدرائية سابقًا وتحولت إلى مسجد على يد محمد الفاتح )، كما قام أيضًا بفصل الدين عن السياسة من خلال تقليص تأثير القادة الدينيين عن طريق ترجمة القرآن إلى التركية بدلًا عن العربية، وأصبح الآذان يُقام باللغة التركية بدل العربية، وانتشر اللباس الغربي بشكل أكبر في تركيا عوض اللباس التقليدي. قام أتاتورك بكل هذا بسبب العوامل التاريخية التي تجعل من تركيا دولة متأثرة بالغرب و الشرق.

عندما مات أتاتورك سنة 1938، طورت تركيا نظام سياسي ديمقراطي متعدد الأحزاب، ومثل جميع الدول التي استقلت حديثًا قامت تركيا بتطبيق سياسة حمائية من أجل تشجيع المنتجات المحلية أمام المنتجات الخارجية، ومن خلال مقالنا السابق نعلم جيدًا كيف تضر السياسات الحمائية دائمًا اقتصادات الدول أكثر مما تفيدها.

قامت الحكومة التركية بالاستثمار في شركات تمتلكها الدولة، وقامت بالتحكم الكامل في الاقتصاد، فكانت النتيجة أن أصبحت تركيا تعاني من أزمات مالية واقتصادية بشكل متكرر. كان الجيش يتدخل في النظام السياسي التركي ويقوم بالعديد من الانقلابات كل 10 أو 20 سنة.

في أواخر الثمانينيات، وبسبب الأزمة الكبيرة التي ضربت تركيا قام صندوق النقد الدولي بإملاء نصائح على الجيش التركي الذي كان في الحكم بتغيير السياسات الاقتصادية التي جعلت من تركيا دولة مفلسة. فطلبوا منه تحرير الاقتصاد، والحد من التدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد، وتشجيع التجارة الحرة عوضًا عن الحمائية، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

في التسعينيات، بدأ الاقتصاد التركي يعاني من أزمات متعددة بسبب عدم قيام تركيا  فعلًا بتطبيق إصلاحات قانونية ومؤسساتية حقيقية لتحرير الاقتصاد وتنميته، فانتشر الفساد والتضخم بشكل كبير في البلاد. ما حدث بعد ذلك هو أزمة خطيرة ضربت تركيا سنة 2001، وتُعرف بالأربعاء الأسود الذي جعل تركيا تعيش في فوضى خطيرة. كان سبب كل هذه الأزمات التأخير في القيام بإصلاحات حقيقية لتحرير الاقتصاد التركي.

تدخل صندوق النقد الدولي وإصلاحات وزير المالية كمال درفيس

 

قدم صندوق النقد الدولي برنامجًا لمعالجة الأزمة، وإدخال إصلاحات مهمة، عُزِّز هذا البرنامج بالآمال للانضمام للاتحاد الأوروبي. نصّ البرنامج على تطبيق ضوابط صارمة على الإنفاق الحكومي، وزيادة شفافية الموازنة العامة، ومنح المزيد من الاستقلالية للبنك المركزي، والتوجه نحو أسواق أكثر انفتاحًا وأفضل تنظيمًا. كانت إصلاحات وزير المالية التركي كمال درفيس Kemal Derviş مهمة بشكل كبير لتحرر الاقتصاد التركي بعض الشيء.

اعتُبر تعيين كمال درفيس وزيرًا للمالية في تركيا سياسةً حكيمةً، بسبب قيامه بتغييرات مهمة، فقد شرع بعد الأزمة في اعتماد العديد من الإصلاحات التي بدأت على الفور تؤتي ثمارها، حيث أنه قام بتطبيق إصلاحات حقيقية من أجل تحرير الاقتصاد التركي، واتباع نموذج اقتصاد السوق الحر لتقوية الاقتصاد الوطني، والخروج من الأزمة التي سببتها السياسات الاشتراكية والتدخل الحكومي في الاقتصاد الذي عانت منه تركيا لمدة طويلة.

كان من بين الإصلاحات التي قام بتطبيقها الحد من القيود الحكومية على التجارة الخارجية والاستثمار، وخصخصة الصناعات والشركات العامة، والقيام بتحرير العديد من القطاعات ومشاركتها مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي. وكانت النتيجة تسجيل تركيا لنمو اقتصادي يساوي 5.7%، وانخفض معدل التضخم من رقمين إلى رقم واحد، وارتفعت ثقة المستثمرين في مناخ البلد، وانخفضت البطالة.

 

فترة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان

 

في سنة 2003 بعد فوز حزب العدالة والتنمية للانتخابات، وترَؤس أردوغان للحكومة قام بتتبع خطة وزير المالية كمال درفيس في تحرير الاقتصاد التركي لِما أعطت من نتائج إيجابية، وبدأ الاقتصاد بالانتعاش بشكل لا بأس به لمدة معينة، بحيث عزِّزت القدرة التنافسية لتركيا، ونما الاقتصاد التركي بنسبة مهمة، وارتفعت الصادرات التركية لتشمل العديد من القطاعات الصناعية والزراعية.

و لكن رغم ذلك كانت هناك العديد من المشاكل التي عانت منها تركيا، والتي كان سببها تدخل أردوغان في العملية الاقتصادية والسياسية، مثل ارتفاع معدل البطالة بشكل كبير بحيث وصلت في بعض السنوات إلى 14%، وارتفاع الدين الخارجي والدين العام في تركيا، وعدم التمكن من خفض نسبة الفقر بشكل مهم.

أصدر اقتصاديان تركيان ورقة علمية، الاقتصاديا هما دارون أسيموغلو من الجامعة الأمريكية MIT (الذي يعتبر كتابه الناجح Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty من أهم الكتب لفهم العملية الاقتصادية)، ومرات أوسير من جامعة كوتش في اسطنبول، يشيران في ورقتهما على أنه رغم دعم حكومة حزب العدالة والتنمية تحرير الاقتصاد وانفتاحه، إلا أنه أصبح تدريجيًا هناك سيطرة فعلية على الاقتصاد والمناخ السياسي في البلاد، وتمت السيطرة الفعلية بحكم القانون، وارتفعت معدلات الفساد بشكل كبير، كما أن أصبح من المتعذر التنبؤ بصنع القرار.

منذ سنة 2012 بدأت سيطرة أردوغان تظهر بشكل واضح، وتحولت تركيا من بلد حر إلى بلد شمولي من خلال عدة تغييرات وحملات قام بتمريرها تؤكد هذا. سأقوم بالإشارة للتغييرات السياسية والاقتصادية التي قام بها أردوغان اليوم، والتي جعلت تركيا ترجع لدرجات إلى الوراء وتخرج عن طريق التقدم.

إعداد: محمد مطيع

تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدرسة فرانكفورت – الجزء السابع / الأخير

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الثاني