in

قتل الأسواق: أسوأ خطة ممكنة!

عادةً ما تترك الأحداث الهامة ذكريات قوية على أولئك الذين عاشوا خلالها، وغالبًا ما تنتقل هذه الذكريات إلى الأجيال اللاحقة في شكل تفسيراتٍ تاريخية لماذا وما حدث في الماضي، وقد حدث ذلك بالتأكيد في حالات الكساد الكبير، والحرب العالمية الثانية، وحركة الحقوق المدنية، وحرب فيتنام، والهجوم الإرهابي في 11 سبتمبر 2001، والأزمة المالية 2008-2009، والآن، بلا شك، في مواجهة جائحة فيروس كورونا.

أحد الجوانب الهامة للغاية للعديد من التفسيرات لهذه الأحداث الماضية هو الدروس المستفادة من حيث دور الحكومة في المجتمع الحر. الاضطراب بعيد جدًا عن الاستقرار في هذه الأزمة الصحية الأخيرة التي تحيط حقًا بالعالم، ولكن حتى في الضرورة الملحة لإيجاد وتنفيذ طرق لتقليل تأثير فيروس كورونا على حياة الإنسان ورفاهيته، فإن الخطوط العريضة لكيفية تفسير هذه الأزمة في المستقبل تُظهر بالفعل الخطوط العريضة لها في الوقت الحاضر.

دروس خاطئة قد يمكن تعلمها من أزمة كورونا فيروس

أحد الدروس التي سيتم ادعاءها بلا شك هو أن هذه الأزمة أظهرت مرةً أخرى حدود الأسواق الحرة والحاجة إلى حكومة مركزية لتقوم بالرقابة والقيادة؛ إن التعامل مع مشكلة صحية مثل فيروس كورونا لا يمكن تركه لقرارات أو تقديرات الأفراد أو حتى الحكومات المحلية، بل يجب وجود تصميم وتوجيه لإدارة قطاع الصحة من خلال التخطيط المركزي من قبل “الخبراء” والوكالات الحكومية في هذا النوع من الأزمات، هذا ما سينتشر قوله.

كجزءٍ من هذا الدرس سيكون الادعاء الإضافي، كما حدث في العديد من الكوارث السابقة، بالحاجة إلى منع جشع أولئك في القطاع الخاص الذين يحاولون الاستفادة الشخصية من كارثة بشرية من خلال “التلاعب في الأسعار” وجني أرباح لا مبرر لها على حساب جيرانهم، لهذا سيتم الإصرار على وضع ضوابط الأسعار على شكل أسقف للأسعار، وربما حتى تقنين الحكومة المنظم الحكومة للسلع الأساسية التي تفتقر إلى العرض الكافي لتلبية الطلب المرتفع، ويجب حتى إبعادها عن الساحة اليومية الاعتيادية للعرض والطلب في السوق.

الدرس الثاني الذي سيقترحه البعض هو “الأخطار”، وعدم الرغبة في اعتماد التبادل الدولي للعديد من السلع والخدمات التي تحتاجها مختلف المجتمعات والبلدان، والتي يمكن أن تصبح إمداداتها محدودة أو تضيع تمامًا خلال أزمةٍ صحيةٍ عالميةٍ مثل جائحة فيروس كورونا بسبب سلاسل التوريد للإنتاج التي تتخطى الحدود الوطنية في ظل النظام العالمي الحالي لتقسيم العمل.

من الأفضل تصنيع بعض السلع من مثل إمدادات الموارد الأساسية والحيوية “منزليًا”؛ أي إنتاجها وتزويدها محليًا باسم “المصلحة الوطنية”. يقول بعض المحافظين الذين كانوا قلقين منذ فترة طويلة من فقدان الصناعات “الأمريكية” ووظائفهم للمنتجين والعمال في الخارج: “بالفعل تُظهِر الأزمة الصحية الحالية الحاجة إلى “استقلال” اقتصادي أكبر”.

وثالثًا، تُسمَع أصواتُ مجموعة واسعة من الأطياف السياسية والأيديولوجية المختلفة على الحاجة والضرورة لتطبيق سياسات مالية ونقدية “ناشطة” لتخفيف وتثبيت الآثار المالية والإنتاجية والتأثيرات الشبيهة بالركود التي نشرها فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم؛ لا يمكن ترك الأسواق من تلقاء نفسها دون عواقب وخيمة على مجتمعات تتجاوز المصاعب الجسدية المأساوية والخسائر في الأرواح البشرية من هذه الجائحة.

ويقال أنه من الضروري وجود أسعار الفائدة المنخفضة ومبالغ أكبر من المال والائتمان من أجل تعزيز الاستثمار والإنتاج، في حين أن “تخفيف” القيود المالية العامة على شكل الإنفاق الحكومي والإعفاءات الضريبية العامة أو المستهدفة، ضرورية للحفاظ على الشركات الصغيرة والمتوسطة وأيضًا – الشركات الضخمة “أكبر من أن تفشل Too big to fail”.

تظهر سياسة تحفيز الاستثمار Investment Stimulus وتدبير الطلب الإجمالي أن علاجات الإنفاق الكينزية للعلل الاقتصادية في المجتمع، هي التي جربها مديرو سياسات الاقتصاد الكلي مرةً أخرى.

إخفاقات حكومتي الصين وأميركا في مكافحة الفيروس

بالنظر إلى هذه التفسيرات المحتملة والناشئة لجائحة فيروس كورونا، فمن المهم، أولًا وقبل كل شيء، أن ندرك أن التأخيرات في التواصل الفعال حول وجود الفيروس وأخطاره المحتملة، ثم فشل اختبارات الفحص المنتشرة على نطاق أوسع في الولايات المتحدة في الواقع، ليس لهذه الإخفاقات علاقةً بالسوق الحرة ولكن بفشل التخطيط والرقابة المركزية الحكومية.

امتلأت الصحافة بقصصٍ حول كيف قمعت الحكومة الشيوعية الصينية المؤشرات المبكرة حول الفيروس وأخطاره المحتملة. انتشرت حقيقة الفيروس بسرعة حتى على منصات وسائل الإعلام الاجتماعية الصينية الخاضعة للتحكم والرقابة الشديدة؛ عندما ظهرت أنباء تفيد بأن أحد الأطباء الذين يحاولون إبلاغ ونشر ما اكُتِشف حول الجائحة، أمرته الحكومة الصينية بالتزام الصمت التام، ثم انتهى به الأمر ميتًا نتيجة فيروس كورونا نفسه الذي حاول تحذير العالم منه.

وفي شكلٍ سياسيٍّ نموذجيٍّ، حاولت الحكومة الصينية حماية الرئيس شي جين بينغ Xi Jinping من أي انتقادٍ لكونه مسؤولًا عن السياسات التي أخرت ردًا مبكرًا حول الجائحة. وحدث هذا من خلال وضع قصص حول كيف كان الرئيس شي “في الطليعة”، مرشدًا وموجهًا لتأمين البلاد والأوامر الطبية التي “أنقذت” البلاد. وأن هذا كله يرجع في الواقع إلى الجيش الأمريكي الذي جلب أفراده الذين يزورون مدينة ووهان التي تُعتبَر مركز الفيروس إلى الصين لإبقاء تلك الأمة الفخورة “في مركزها” في عالم “الهيمنة” الأمريكية.

أرّخت وسائل الإعلام في أميركا، بما في ذلك “نيويورك تايمز”، كيف منع نظام التخطيط المركزي للرعاية الصحية في أمريكا العديد من الاستجابات المبكرة للفيروس بسبب القواعد والإجراءات الصارمة من أعلى إلى أسفل التي تفرضها دارة الغذاء والدواء  (FDA) ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في عرقلة التطوير المحلي واللامركزي واستخدام أدوات فحص فيروس كورونا، حيث لا يمكن فعل أي شيء دون موافقة وإذن من مخططي الصحة والدواء في الحكومة الأميركية.

علاوةً على ذلك، عندما حاول بعض مقدمي الرعاية الصحية “المحتالين” في جميع أنحاء البلاد عصيان مشرفي الرعاية الصحية والمهندسين الاجتماعيين من خلال استخدام طرق ومعدات الاختبار الخاصة بهم لتحديد من وإلى أي مدى ربما انتشر الفيروس في منطقتهم في الولايات المتحدة، قيل لهم أن يتوقفوا ويكفُّوا، وينتظروا أيما ومتى أتيحت لهم أجهزة الاختبار وفقًا لمعايير الهيئات التنظيمية الفيدرالية.

وبالرغم من ذلك، فبدلًا من التشكيك في العملية المركزية للسماح بتطوير واستخدام طرق اختبار الأمراض، يُفترض أن الدرس الذي يمكن تعلمه، هو أن الحكومة تحتاج فقط إلى إدخال قواعد وإجراءات أكثر “مرونة” للعمل كفريق أفضل مع الحكومة والوكالات الصحية والعلاجية المحلية للتعامل مع الأزمات الحالية والمستقبلية من هذا النوع.

الرقابة الحكومية مقابل اكتشاف السوق

فكرة أنه يمكن ترك كل هذه الأمور تقريبًا بشكلٍ أفضل للسوق التنافسية الخاصة لم تظهر حتى في ساحة النقاش؛ يمكن رؤية “إخفاقات السوق” المحتملة في كل مكان، وتجاهل “إخفاقات الحكومة” المحتملة باعتبارها أخطاءَ عرضيةً وسهوًا في الطريق نحو إشراف سياسي أفضل على الصحة والطب.

ولكن كما جادل الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك (1899-1992) قبل أكثر من نصف قرن في مقالته “المنافسة إجراءٌ للاكتشاف” (1969) التي من خلالها لدى الأفراد والشركات الفرصة والحوافز ليس فقط لاكتشاف شيء جديد، أفضل وأكثر تحسينًا، ولكن لمعرفة ما قد يكون ممكنًا؛ لا يمكننا أن نعلم فقط حتى يُسمح لعملية تنافسية بالتعرف على من قد يكون “الفائز”، ولكن في ساحة المنافسة فقط يكون لدى الأفراد الدافع والقدرة على معرفة ما هم قادرون عليه؛ شيءٌ لا يستطيعون هم أنفسهم أن يعرفوا الجواب عليه حتى يكون لديهم الحرية لمحاولة ولديهم سبب للقيام به.

تنجح العراقيل والعقبات التي يجب على شركات الأدوية وغيرها من الشركات المصنعة للمنتجات الطبية والصحية أن تشق طريقها من خلالها بموجب القواعد والإجراءات وإذن الوكالات الفيدرالية مثل إدارة الأغذية والأدوية النقية (FDA) ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) تنجح فقط في تقليل الحوافز، ورفع التكاليف، وتضييق مجال أولئك الذين قد يكونون مستعدين وقادرين على إجراء أبحاث وتجربة وتسويق تلك الأدوية والمنتجات ذات الصلة الطبية التي يمكن أن تنقذ أو تحسن الأرواح.

الاستجابة الشائعة والمعقولة، بالطبع، ولكن ماذا عن المعايير والإجراءات التجريبية لضمان سلامة المستهلك من المنتجات ذات الصلة بالصحة سيئة الاختبار والتي سُوِّق لها على عجلٍ في السعي لتحقيق الربح؟ أليس هذا هو الأساس المنطقي المعقول للحكومة لإقرار المناهج التنظيمية والإشراف عليها مركزيًا على جميع هذه المنتجات التي تُسوَّق؟

حوافز التنظيم الذاتي للأسواق

يعرف قاموس ويبستر كلمة “تنظيم” على أنها تعني “للتحكم أو التوجيه وفقًا للحكم” أو “لجلب النظام أو الأسلوب أو الاتساق”، يقول قاموس أكسفورد: “تحكم (شيءٌ ما، وخاصةً نشاط تجاري) عن طريق القواعد واللوائح”. يُفهم بهذه الطريقة أنه لا يوجد شيء يذكر مما يفعل الإنسان لا يدخل وفقًا “للتنظيم”، سواء كأفراد أو بالاشتراك مع الآخرين، حتى بدون حكومة.

لكلٍّ منا الجداول الزمنية والإجراءات التي نتبعها بطرق مختلفة وبتفاصيل متفاوتة، حتى عندما يكون ما يفعله الشخص، لا يبدو ذا معنًى كبير. ألا نقول أحيانًا أن لدى أشياء مثل أندية القطاع الخاص والجمعيات ومؤسسات الأعمال وميادين التفاعل مع السوق لوائحَ خاصةً بها من إعداد المشاركين لتسهيل وتنسيق كيفية تفاعل المشاركين مع بعضهم البعض من أجل مسارات أكثر سلاسةً، ويمكن التنبؤ بها لتحقيق النجاح المتبادل وتنسيقها؛ ولتعزيز الثقة من جانب أي مشارك حول كيفية عمل محاوره، وما هي الإجراءات التي قد يكونون اتبعوها وأدت إلى الصفقة والتجارة.

ظهرت العديد من هذه القواعد والإجراءات التي “تنظم” كيف يقوم الناس بأعمالهم، لأي غرض من الأغراض، وبأي درجة من الضمانة والوثوقية في سلوك الذين نشتري ونبيع معهم، قبل العصر الحديث من التنظيم الحكومي، وغالبًا ما تستمر بالتوازي مع أو بشكلٍ مستقلٍ عن أي قواعدَ وإجراءاتٍ تنظيميةٍ من هذا القبيل التي تفرضها الحكومة.

لا يمكن لأي شركة معدات صيدلانية أو طبية معنية بسلامتها على المدى الطويل كمؤسسة ربحية أن تعتمد على القابلية للاستمرار والبقاء على الحياة والنجاح في السوق عن طريق قتل عملائها أو غش منتجاتها أو تقديم وعود أو ضمانات كاذبة مقصودة. قد تحقق أفلام هوليوود الملايين من خلال تصوير كل شركة أدوية على أنها وحش قاتل في سعيها للحصول على حصصٍ سوقيةٍ أكثر ربحيةً، ولكن هذه ليست حقيقة عمل الشركات القائمة على منهج السوق. دائما ما تزج دعاوى قضائية محتملة، وأقساط تأمين عالية، وفقدان سمعة العلامة التجارية أيَّ شركةٍ تفكر في اختصار الطريق Cutting corners إلى أيّ حدٍّ.

اللوائح الحكومية تخدم المصالح الخاصة

لطالما شدد الاقتصاديون على ما يسمى أحيانًا نظرية “الاستيلاء” على التنظيم الحكومي The Capture theory of government regulation، أي أن الصناعة التي تخضع للتنظيم من قبل الحكومة غالبًا ما مارست ضغوطًا من أجل هذا التدخل السياسي، أو عندما لا يكون الأمر كذلك، فقد أصبحت تعتبرها فرصةً لاستخدام التدخل التنظيمي كوسيلة لزيادة “حواجز الدخول” إلى أي مشتركين جدد محتملين وشركات قد ترغب في التنافس ضد الشركات المتواجدة منذ مدة في السوق.

لذلك، فإن أحد الأغراض المركزية لترك الأسواق خالية من سيطرة الحكومة هو على وجه التحديد عدم سد الطريق أمام المنافسين المحتملين وإجبار الشركات الحالية في هذه الصناعة على المنافسة والابتكار بشكلٍ أكثر فعاليةً للحفاظ على أي وضع مربح في السوق؛ والسماح بالمرونة والقدرة على التكيف مع ظروف السوق المتغيرة. إنها المنافسة المفتوحة التي تضمن الإنتاج والتسعير الموجه للمستهلكين، وهي اللوائح الحكومية التي تميل إلى تشديد القواعد والقيود المصممة لحماية الشركات المتواجدة في السوق من المنافسة الجديدة والإبداعية.

إذا كان بإمكان أي من هذه الشركات ارتداء “قبعة القرصان السوداء”، فإن الذين يرغبون في استخدام السلطة التنظيمية للحكومة يعيقون المنافسة في السوق؛ الخطأ ليس في السوق الحرة، بل في التدخلات الحكومية والوكالات التنظيمية، والتي يديرها أولئك الذين يفترضون أنهم يعرفوا ما هو أفضل للناس من هؤلاء الناس بأنفسهم، التي دائمًا ما تقع أنشطتها التي لا مفر منها تقريبًا ضحيةً لتصميمات الشركات الكبيرة التي أنشئت تلك الوكالات لتنظيمها.

إضافةً إلى ذلك، يجب ألا يغيب عن الأذهان الأغراض ذات المصلحة الذاتية لأولئك الذين يعيشون على الوكالات الحكومية من مثل إدارة الغذاء والدواء FDA ومركز مكافحة الأمراض واتقائها CDC؛ وفي الواقع، فإن استجابتهم الأخيرة لمحاولات تقديم أساليب وإجراءات خارج نطاق سيطرتهم التنظيمية الضائقة تبرهن على رغبتهم في عدم السماح بإضعاف الهياكل المؤسسية التي تبرر بها سلطتهم ومواقفهم ومداخلهم داخل المتاهة الحكومية من البيروقراطية.

إسهال في الدولار وعجز في الميزانية

إن الاضطرابات الاقتصادية الواسعة النطاق التي يسببها فيروس كورونا تجلب مرةً أخرى العلاجات بالاقتصاد الكلي في شكل سياسات نقدية ومالية “ناشطة”. في يوم الأحد الموافق 15 مارس/آذار، في الأمس قبل افتتاح أسواق الأوراق المالية في الولايات المتحدة صباح اليوم التالي، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أنه سيشتري 500 مليار دولار من سندات الخزانة الحكومية و200 مليار دولار من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري في الأسابيع والأشهر المقبلة، إضافة ثلاثة أرباع تريليون دولار إضافي للنظام المصرفي الأمريكي. ويقترن ذلك بقرار مجلس الاحتياطي الفدرالي بخفض سعر الفائدة المعياري لنافذة الحسم Benchmark discount window interest rate (المعدل الذي يفرضه الاحتياطي الفيدرالي على البنوك الأعضاء للإقراض قصير الأجل) إلى 0.25%، بعبارةٍ أخرى، إلى الصفر تقريبًا.

في الوقت نفسه، أقر الكونغرس، ووقع الرئيس على مشروعي إنفاق طارئَين لمواجهة الآثار المالية السلبية لفيروس كورونا، أي نفقات حكومية إضافية تصل إلى ما يقرب من 60 مليار دولار، وربما حتى المزيد في المستقبل. في الأشهر الخمسة الأولى من السنة المالية الحالية للحكومة الفيدرالية (أكتوبر/تشرين الأول 2019 – فبراير/شباط 2020) ، عانى العم سام بالفعل من عجز في الميزانية قدره 625 مليار دولار، مع توقع أن العجز للسنة المالية الكاملة التي ستنتهي في 30 سبتمبر/أيلول 2020 سيكون أكثر من 1 تريليون دولار قبل هذه الإضافات الجديدة للإنفاق الحكومي.

من المفترض أن تحفز سياسة “الأموال السهلة” التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي على زيادة استثمارات القطاع الخاص والاقتراض المرتبط بها لزيادة الإنتاج والتوظيف، ويهدف الإنفاق الحكومي الإضافي للعجز في الميزانية لزيادة الطلب لإنشاء مبيعات استهلاكية وغيرها من المبيعات لزيادة هوامش الربح كوسيلةٍ للحفاظ على الإنتاج والوظائف أو زيادتها.

يأتي الإنتاج الناجح قبل الاستهلاك المنسق

يُعتبر كلُّ هذا سياساتٍ “كينزيةً” نمطيةً مصممةً لإخراج الاقتصاد من الركود الناجم عن تراجع “الطلب الكلي”، ولكن ما يجب معرفته هو أن آثار الاقتصاد العالمي من فيروس كورونا تُظهِر لنا منطق وواقع قانون ساي الاقتصادي، الذي سمي على اسم الاقتصادي الفرنسي في القرن التاسع عشر جان بابتيست ساي (1767-1832)؛ في النهاية، لا يوجد استهلاك بدون إنتاج، وبالتالي، لا يوجد طلبٌ أو شيءٌ للطلب عليه، بدون عرضٍ.

إذا كنت ترغب في تناول الطعام، فيجب عليك أن تزرع المحصول أولًا وتنتظر حتى ينضج لحصده في مرحلةٍ ما في المستقبل، وإذا كنت تريد سترةً صوفية، يجب عليك أولًا تربية الأغنام، وانتظار نمو صوفها، ثم قص صوف الأغنام، وبعدها تصنّعها بكل المدخلات ذات الصلة في السترة التي ترغب في ارتدائها، وإذا كنت تريد أن يكون لديك شيئًا ما لكي تقوم بالكتابة، حسنًا، ربما يكون من الأفضل قراءة بيان ليونارد ريد الشهير في مقاله، “أنا، قلم رصاص”.

إذا انخفض الإنتاج، فإن القدرة على الاستهلاك المباشر أو بيع للآخرين ما  أنتجته، سيؤدي لانخفاض ما قد يكون لديهم للبيع أيضًا. في الصين أولًا، ويحدث الآن في عددٍ متزايد من بلدان أوروبا، أُخبِر الناس أو أمرتهم حكوماتهم بالبقاء في منازلهم ليبتعدوا عن بعضهم كوسيلةٍ للحدّ من انتشار الفيروس.

إلى الحد الذي تتباطأ فيه المصانع أو تغلق بسبب تلقي القوى العاملة تعليماتٍ من الحكومات أو أصحاب العمل بعدم القدوم للعمل لمكافحة انتشار الفيروس، فإن النواتج الفردية لتلك الشركات تنخفض أو تتوقف؛ وبالتالي، في المجموع، ينخفض ​​عرض الناتج ككل، وهو مجرد إحصاء يضيف جميع النواتج الفردية التي تنتجها الشركات والمؤسسات الفردية.

لا يمكن للحكومات أن تطلب من الناس الحد من نشاطهم وتواجدهم في مكان العمل لوقف انتشار الفيروس، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على نفقاتهم القائمة على الدخل عن نواتج اقتصاداتهم الوطنية. إن عملية هلع الشراء التي شوهدت في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة تؤدي لإخلاء المخزونات من السلع المتاحة في متاجر البيع بالتجزئة، ويعتمد تجديدها كل يوم وكل أسبوع على استمرار الإنتاج وإعادة توجيهه مما يعكس الأنماط النسبية الأكبر من الطلب الاستهلاكي لما يعرف على نطاق واسع بأنه “أساسيات” و”ضرورات” في جو الأزمة الحالية.

إن زيادة الدولار أو الإنفاق الاسمي من خلال زيادة في العجز الحكومي لا تفعل شيئًا “لتحفيز” الحفاظ على الإنتاج والعمالة إذا ما عُزِل العمال، والمصانع معطلةٌ جزئيًا أو كليًا، وبالتالي لا يمكن للسلع القادمة في أنماط الطلب المعتادة أو المتغيرة التفكير في ما تنفقه الحكومة من المليارات من الدولارات الإضافية.

وبالمثل، فإن الجاذبية المفترضة لمعدلات الفائدة الصفرية لا يمكن أن تولد إنفاقًا استثماريًا إضافيًا حقيقيًا عندما تكون إمدادات العمالة المتاحة وعوامل الإنتاج الأخرى على الهامش بسبب “البعد الاجتماعي” الذي يقيد مشاركة الناس في السوق.

الأسواق المالية بدون سعر فائدة لتوجيهها

لا ينبغي لنا أيضًا أن نغفل حقيقة أن الأسواق المالية، بسبب سياسة الاحتياطي الفيدرالي في السنوات الأخيرة والسياسات التي أُعلِن عنها مؤخرًا من خفض سعر الفائدة وشراء سندات، تعمل بدون نظام أسعار كامل. يُقصد أن تكون أسعار الفائدة المحددَ الزمني للاقتراض واستثمار الموارد النادرة عبر الزمن من المقرضين الراغبين في التخلي عن استخدام مدخراتهم لفترة من الوقت.

لهذا تعني معدلات الفائدة الصفرية أو القريبة من الصفر إما أنه لا أحد يرغب في الاقتراض مقابل أي شيء وبالتالي فإن الطلب على الاستثمار هو صفر، أو أن الاقتصاد غارقٌ في المدخرات إلى الحدّ الذي يجعل المدخرات الحقيقية في الاقتصاد أكثر من الطلب الاستثماري المشبع بالكامل لاستخدام هذه المدخرات للإنتاج المستقبلي، وبالتالي فإن صفقات الادخار تتاجر بسعرٍ صفري. لا يمكن افتراض أنه لا يمكن محاسبة أيٍّ من هذه الظروف، أي أنه يا إما أنه لا وجود لطلبٍ استثماريٍّ من أي نوع على المدخرات الحقيقية المتاحة أو أن هناك الكثير من المدخرات بحيث لا يوجد طلبٌ استثماريٌّ، مهما كانت الحاجة غير المربحة غير راضية عن نقص المدخرات.

بالطبع، نحن لا نعرف تمامًا ما هي أسعار الفائدة في السوق، أي التي يجب أن تكون في الظروف “العادية” أو في حالة الأزمات القائمة على الفيروسات كما هو الحال في الوقت الحاضر، لأن التوسع النقدي والائتماني وتحديد أسعار الفائدة والتلاعب الاحتياطي الفيدرالي بها يمنعنا من معرفة ما هي المدخرات الحقيقية التي قد تكون موجودة في الاقتصاد وما هي طلبات الاستثمار المربحة القائمة على السوق الفعلية للاقتراض بمعدلات الفائدة التي تشكلها وتحدّدها بتفاعل قوى العرض والطلب المحررة من تدخل البنك المركزي.

To Kill Markets Is the Worst Possible Plan


  • ترجمة: محمد مطيع.
  • تدقيق: رأفت فياض.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فيلم Creation للمخرج جون أَميِل

هل فعلًا يمكن للدعم الحكومي إنشاء بيئة ابتكارية؟