in

الدليل الأمثل لمعالجة الملل

الملل هو الطريق الواسع باتّجاه الإدمان. انطلاقًا من الاستخدام المدمن للهواتف المحمولة، إلى مشاهدة التلفاز بكثرةٍ، حتّى إساءة استعمال أيّ من المقتنيات. وإذا كنت قد أدمنت بشكلٍ أو بآخرٍ واحدةً أو أكثر من الأشياء السابقة، فالملل هو الذي يثير ذلك على الأرجح. فمن الأفضل أن تملأ حياتك بما هو إيجابيٌّ، لأنّ خلال فترة الركود المملّة (لا تشمل فترات الاسترخاء)، يتولّد شعور بعدم الرغبة لعمل شيءٍ.

وإن أظهرت مللك للآخرين، فهذا يعني أنّك عجزت عن العثور عن أيّ نشاطٍ تشغل نفسك به.

الملل محبِط، و هو الكآبة بعينها. إن شعرت بالاكتئاب، فأنت تشعر حتمًا بالملل. وإن لم تكن تشعر بالكآبة والإحباط، وأُصبت بالملل، فربما سيكون كآبةً، لأن الملل من أعراض الاكتئاب. الملل هو نقصٌ عامٌ في اهتمامك بالبيئة المحيطة بك. وهو نقصٌ بكلّ ما يجعل الحياة تستحق العيش! ومن أجل العبارة البسيطة الرنانة “أشعر بالملل“، التي هي بالحقيقة سوداويةٌ عند التفكير بمعانيها.

الملل هو الاستسلام. عندما تُظهِر الملل فأنت قد عجزت عن إيجاد ما تشغل نفسك به، بعد أن دققت مليًّا في محيطك، ونظرت في خياراتك، توصلت في النهاية إلى عدم الاهتمام. هذا ليس مظهرًا لشخصٍ قويٍّ، مرنٍ ومثيرٍ للاهتمام مثلك.

ما الذي يسبّب الملل؟

يبدو لنا الملل بأنه شيءٌ يمكننا السيطرة عليه أو تجنّبه، لكن لمَ نتعرّض له؟

كأغلب الأشياء: إنّه ينتج عادةً عن نقصٍ في التحضير والإعداد. إن لم تتعلم السباحة ستذهب حيث يأخذك مجرى النهر، وأحيانًا مجرى الحياة الافتراضي يكون مملًّا! لقد وجدت أنّك إن أردت حياةً عظيمةً عليك أن تطارد الوقت بنشاطٍ.

يمكننا تجنب الملل ومعالجته بوضع قائمةٍ دفاعيةٍ ضدّه. البقاء نشيطين هي خطوةٌ فعّالةٌ في الاتجاه الصحيح، لكنّه يدفعنا إلى سلوكٍ مناقضٍ! عندما يفكر الناس بمعالجة حالةٍ من الملل، ما أوّل ما يخطر في بالهم؟

  • سأشاهد عرضًا (سلوك غير فعال).
  • سأتفقد الفيسبوك (سلوك غير فعال).
  • سأتناول رقائق البطاطس المقلية (سلوك غير فعال).

يلجأ غالبية الأشخاص بفعل الغريزة عندما يشعرون بالملل إلى تسلية أنفسهم بإحدى الطرق السلبية، وذلك سوءٌ في اختيار العلاج، لكن رغبتنا الاعتيادية تنحصر غالبًا بالأشياء الاستهلاكية عند الشعور بالملل، وفي الحقيقة نادرًا ما نفكر بخياراتٍ أخرى. أنت تشعر بالملل؟ إذن، سلِّ نفسك!

تسلية نفسك بالبضائع الاستهلاكية مسلٍّ، لكنه مؤقت التأثير، لأنه لا يعالج السبب الأساسي للملل.

الحركة الدفاعية الأولى ضد الملل: تجنّب الحلول الأولية

نستطيع منع الملل ومعالجته بتنظيم قائمةٍ دفاعيةٍ. ويجب ألا تحتوي هذه القائمة على وسائل تقليديةٍ ورخيصةٍ لإصلاح الملل. فنحن لا نريد التخلص من الملل بشكلٍ مؤقتٍ، لا نريد فقط قتل الملل بمقاومتنا له بشكلٍ عامٍّ. تحتوي القائمة الدفاعية على وسائل تحسّن من حياتنا. لأنها تستمر بإعطائنا رضاً وفوائدَ حتى بعد الانتهاء منها.

لنشرح الفرق بين الحلول عن طريق الأمثلة:

فوائد مشاهدة التلفاز (حلٌ سريعٌ):

  • الآن: جاذبٌ تمامًا، مسلٍّ، مضحكٌ، قويٌّ، ممتعٌ، مثيرٌ (يعتمد على الأسلوب).
  • لاحقًا: تشيد بالبرنامج أمام الأصدقاء، إمكانية إجراء محادثاتٍ مع الآخرين عنه.

فوائد ممارسة التمارين: (حلٌّ بطيءٌ):

  • الآن: يتحرر هرمون الأندورفين لتحسين المزاج وتخفيض الضغط، شعورٌ بالرضا.
  • لاحقًا: شعورٌ بالرضا، تزيد جاذبيتك عند النظر في المرآة، عقلٌ وجسمٌ أكثر صحةً، يزيد القوة والقدرة على التحمّل، وستكون المحرّك الأساسي بين رفاقك.

كلٌّ من النشاطَين مفيدٌ على المدى القريب والبعيد، لكن لممارسة التمارين فوائدُ أهمّ بكثيرٍ على المدى البعيد من الفوائد الفورية. بينما لمشاهدة التلفاز آثارٌ إيجابيةٌ سريعةٌ ومؤقتّةٌ، ولذلك تكون شائعةً أكثر ولكن في غالبية الأحيان ليس لها فوائد مستقبليةٌ بعد انتهاء العرض.

من السهل أن نخدع أنفسنا بأن نعتقد أنّ تلك الحلول الزائفة هي ما نرغب بفعله.

بالتأكيد، الحل الناجع هو تقديم الفوائد بعد انتهاء النشاط الذي نقوم به، ويجب نوعًا ما أن يحسّن حياة الشخص.

لنرى الطريقة التي يؤثر بها على حياة الإنسان: سنقارن شخصًا يمارس التمرينات مقابل شخصٍ آخر يشاهد التلفاز عند الشعور بالملل. بعد فترةٍ زمنيةٍ، الأول يستغلّ وقته لتحسين حياته. ويمكنه القيام بنشاطاتٍ جسميةٍ وممتعةٍ بنفس الوقت كرقص الروك، أو تسلّق الجبال، أو الرياضة. يستطيع النظر إلى نفسه في المرآة ويبتسم، حيث يرى كم أصبح مظهره أفضل. كما يمكنه التباهي بـ “درجة الكمال” التي وصلها (يمكن أن يجعله هذا ضعيفًا، لكنّه حرّ في أن يجرّب). يمكنه الشعور بالرضا عن العمل الذي بذله في الصالة الرياضية. بينما الشخص الذي يشاهد التلفاز يملك فقط الأفكار والذكريات التي كوّنها من البرنامج الذي شاهده. الشخص الذي يمارس التمرينات غيّر في حياته لكنّ الثاني بقي كما هو.

علاج الملل يختبئ في لعبة الكاندي كراش!

غالبية ألعاب الفيديو تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على عملية التقدم، المستويات، نقاط التجربة، وهلمَّ جرًا. والتأكيد على التقدّم ليس حكرًا على الألعاب.

تنمية الشخصية هي إحدى أهمّ جوانب السرد القصصي. يُحبَط المشاهد إن كانت الشخصية تنهي الفيلم بنفس الطريقة التي بدأت به. ذلك يحفز فكرة أنّ “ما الهدف من كل ذلك؟“. من أكثر أفلامي المفضّلة فيلم “التقدم بالعمر” (coming of age)، حيث التقدم هو النقطة الأساسية فيه.

العلاج الحقيقي للملل هو تقديم المزيد من الأشياء ذات الجودة العالية للدماغ ومكافآتٍ تتعلق بالحياة الحقيقية.

لمَ تعتقد أنّي أجد تلك الألعاب والأفلام والبرامج جاذبةً للغاية؟

لأنها تحاكي الواقع!

عند النظر لمسيرة حياة الإنسان، نرى التطوّر حقيقةً واقعةً، وهو حقيقةٌ في سبيل السعادة.

من السهل علينا أن نخدع أنفسنا ونتخيّل أنّنا نريد القيام بنشاطٍ معيّنٍ. لأن هذا من مكافآت العقل أثناء العمل. حيث يتعرّف الدماغ على المكافآت عند ممارستها، لكنها لا تحلّ الشيفرة دائمًا في تحقيق الجودة والرغبة طويلة الأمد بتلك المكافأة. الماديات كالطعام، والمخدرات، والخمر مؤثراتٌ مباشرةٌ على الدماغ.

تشعر بالملل؟ عليك بمكافأة عقلك!

لدينا ثلاثة مستويات من الجوائز التي يستمتع بها الدماغ عند الشعور بالملل:

1-الماديات/الطعام/المواد الكيميائية: من السهل جدًّا الحصول عليها، فوريةٌ، مكافأةٌ قويةٌ (لكنّ المكافأة تزول بزوال المؤثّر، وتتطلب حلًا آخرًا عندما يطفو الملل من جديد على السطح).

2- تسلية الكسالى: سهلةٌ في الحصول عليها، متوسطة القوة (لكن تأثير المكافأة يتضاءل بشكلٍ ملحوظٍ عند زوال المؤثر، وتتطلّب إجراءً آخرًا للتخلّص من الملل).

3- أحداث الحياة الحقيقية: صعبة الحصول، جائزةٌ ضعيفةٌ في الإرضاء (لكنّ تأثيرها يتضاعف مع مرور الوقت، يتمّ بناؤه مع كلّ تكرارٍ للعملية، ويرافقك لاحقًا).

العلاج الحقيقي للملل في إعطاء الدماغ ما يناسبه من الميزات والحياة الحقيقية. نلاحظ أن التقدم هو إحدى أفضل المكافآت الحقيقية سهلة المنال. التقدم في الحياة الحقيقية ذو تأثيرٍ أبطأ من لعبة كاندي كراش، لكنّه لا يزول عند زوال المؤثّر (عندما تضع هاتفك المحمول جانبًا).

ما الهدف من أن تعيش كامل حياتك دون تطوير الذات، وألّا يكون لأفعالك أيّ أثرٍ على شخصيتك وعلى الآخرين؟ نحتاج لأن نشعر بالإنجاز وبما نقدّمه لأنفسنا وتجاربنا. فكثيرًا ما يشعر الخاملون بالملل من الحياة.

وصلتَ للقمّة؟ ابحث عن قمّةٍ أخرى تتسلّقها!

عند وصولك لأكثر أحلامك جموحًا فذلك يسرق منك بشكلٍ مؤقّتٍ إحساسك بالتقدّم.

“أعتقد أنّ على الجميع أن يصبحوا أغنياء ومشهورين ويقوموا بكلّ ما يحبّون، وعندها يدركون بأنّ ذلك ليس هو الحلّ”.

جيم كاري

يتوقع الأشخاص أنّ عند وصولهم للقمة سيحصلون حتمًا على السعادة، لكن السبب الرئيسي لعدم تحقّق ذلك، وبأن النقود لا تصنع السعادة، هو أنّ التقدم الحقيقي يتوقف. لا حدودًا للتقدم في بعض الأماكن، مثل الثروة، لكن وبشكلٍ هامٍّ الرضا الذي تحصل عليه إن ازدادت ثروتك من 86 بليون دولار إلى 87 بليون دولار، ليس بذات القيمة مع صعود ثروتك من 10 ألاف دولار إلى 100 ألف دولار.

القائمة الدفاعيّة لتجنّب الملل

أعتقد أنّ على الجميع تجهيز قائمةٍ دفاعيةٍ، على أن تكون هذه القائمة بشكلٍ أساسيٍّ مليئةً بالخطط المفيدة لتحقيق التقدم، كلّما شعرت بالملل، تستطيع الرجوع لتلك القائمة واختيار ما يرفع مزاجك. ليس بالضرورة أن تلجأ فقط لإحدى هذه الحلول، لكنها تضمن لك عدم لجوئك إلى إحدى وسائل التسلية رخيصة الثمن كاستخدام الفيسبوك أو مشاهدة التلفاز. يخلق لك البرنامج التلفزيوني حالةً عشوائيةً من الملل لكن لا تشعر بالذنب إن شاهدت التلفاز في بعض الأحيان.

ولمساعدتك في انتقاء نشاطات لقائمتك الدفاعية أقدّم تجربتي:

  • السفر: مشاهدة الأماكن، المشي، المغامرات، التنزّه، الاستكشاف في الطهي.
  • القراءة: ما هو غير خياليٍّ لتوسيع المنظور في التفكير، وما هو خياليٌّ لأتعلم كيف يُكتَب (أريد أن أكتب القصص الخيالية يومًا ما) وأن أستمر في التخيّل.
  • ممارسة التمرينات: من أجل صحةٍ جيدةٍ وقوامٍ جميلٍ ولعقلٍ سليمٍ ومن أجل الانتظام.
  • تكوين أصدقاء: اعثر على أصدقاء واخرج معهم، اذهب معهم إلى مناسباتٍ، لا تعزل نفسك، تجديد طاقتك واجبٌ عليك. قم بتلك النشاطات مع الآخرين.
  • اعمل: قم بأشياء ذات معنىً واستخدم إبداعك الخاص عبر الكتابة أو الوسائل الأخرى. لا تجعل عملك فاقدًا للنضارة. ابحث عن التفرّد والأفكار الخلّاقة التي تميّزك وتجعلك سعيدًا. تمتّع بحسّ الفكاهة!
  • ترقّب الأفلام والبرامج التلفزيونية ذات الجودة العالية: هذا ليس مضيعةً للوقت (شرط عدم المبالغة في ذلك). شاهد بانتباهٍ طيلة الوقت. راقب حركة الكاميرا، الزوايا، الموسيقا، المؤثّرات الخاصّة، واقعيّة الحوار، بناء الفكاهة، والزمن.
  • تعلّم ومارس موهبةً ما: البيانو، الكتابة، الدعابات، كرة السلة، رياضة أخرى.
  • تأمّل: تعلّم كيف تسترخي وتريح عقلك، خلاياك وجسمك. وافهم معنى التركيز!
  • العب: ألعاب الطاولة لا بأس بها!
  • التفكير بطريقة العصف الذهني: يمكن للأفكار تغيير مجرى حياتك. احلم! فكّر! كن حيًّا! حلّ المشاكل! كن متيقظًا للمشاكل الضخمة من حولك!
  • قدّر قيمة الطبيعة: كلّ جلوسٍ في مكانٍ ما له تفاصيل ساحرةٌ. اتبع أحاسيسك.
  • أعطِ: ابحث عن طريقةٍ لمساعدة الأشخاص من حولك، أو اخرج عن نمطيتك لتصنع يومًا مميّزًا لأحدهم.

كيف لي أن أشعر بالملل مع وجود كلّ تلك النشاطات لأقوم بها؟ نظّم قائمتك الخاصة وجرب! أقترح تخزين ذلك في الملاحظات على هاتفك المحمول فتبقى دائمًا معك. تستطيع أيضًا تصنيف النشاطات إن كانت فردية أو جماعية.

فلنخفف الملل! ولنستمتع بالحياة!

ترجمة فريق وندرلاست، مقال من تأليف: ستيفن غويز.

تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة فريق وندرلاست

مشروع يعمل على الدفاع عن أفكار ومبادئ الحرية، ويشجع على العمل والإنتاج والتحصيل المعرفي البنّاء. نحنُ نُقدم مرجعا معرفيا ينمو باستمرار، يشمل مواد ومقالات عن الحرية الفردية والملكية الخاصة، السوق الحرة وأخلاقيات السلم وعدم الاعتداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

العادات العشر للأشخاص المنطقيين

العلاقة بين الثقافة و الفقر