in

الطريق إلى العبودية: ما الماضي إلا تمهيد

نصائح هايك لكي نمنع التاريخ من تكرير نفسه

تختلف الأحداث المعاصرة عن التاريخ، في أننا لا نعرف النتائج التي ستسفر عنها، ولكن بينما يمضي التاريخ في مساره، فإنه لا يكون تاريخاً بالنسبة لنا، إنه يقودنا إلى أرضٍ مجهولة.

 

غير أنه رغم أنّ التاريخ لا يعيد نفسه تماماً قط، ولأنه ليس هناك أي تطورٍ محتوم، فإننا يجب أن نتعلم بقدر ما من الماضي لتجنب تكرار نفس العملية، ولا يحتاج المرء لأن يكون نبياً لكي يكون على وعي بالأخطار الوشيكة الوقوع.

إنّ فهم العوامل الإقتصادية والسياسية للحربيين العالميتين غير كافٍ؛ لأن هايك لم يحد منظوره الإقتصادي بالأحداث التي عاصرها فقط، بل شرح أيضاً بإيجاز أسس الليبرالية وكيف أنّ المسار السياسي الحديث كان مهدداً بعدم تطبيق جميع مراحل التقدم التي مرت بالقرن التاسع عشر.

لقد عززت الإنتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الإشتراكيون القوميون التأكيد على أن النظام الشمولي لا يمكن أن يحدث هنا.

ولكن علينا أن لا ننسى أنّ احتمالية حدوث شيء كهذا في ألمانيا كانت تبدو قبل الحرب العالمية الثانية ب 15 عام محض خيال، ليس فقط في نظر تسعة أعشار الألمان أنفسهم، بل حتى في نظر المراقب الأجنبي الأشد عداءاً أيضاً.

يأخذ هايك القارىء في رحلةٍ تاريخية تقتفي أثر بزوغ السوق الحر بالتوازي مع نشوء الأنظمة الشمولية، وبالطبع لم يكن هذا الهدف الرئيسي لهايك ليؤلف الكتاب.

ألح هايك على أن هدف الكتاب لم يكن لتخطيط برنامج تفصيلي لنظام مرغوب فيه للمجتمع مستقبلا، كما أنه لم يوضح تصوره الخاص عن المجتمع المثالي، إلا أنه حذر القارىء من تجنب أنواع من الحكومات مهما كلف الأمر، وفي الفصل الأخير يلخص هدفه بإيجاز: لا تدع التاريخ يكرر نفسه.

إضافة إلى ذلك فإن الكتاب يترك طابعاً إيجابياً لدى القارىء إذا ما تعلم الدرس من الماضي، ويغدو أحياناً محبطا ًومخيباً للآمال عندما تحدث وبنبرة المتشائم المبررة عن كيفية وصول الأنظمة الشمولية للسلطة وتدميرها للإقتصاد واضطهادها للشعوب، إلا أنّ الكتاب بجوهره منارة للأمل إذا ما فهمناه بالشكل الصحيح يُضيء طريق المستقبل نحو الحرية كما يقول هايك:

 ” إنّ لطريقة استخدامنا للفرصة التي ستتاح لنا أهمية كبيرة، ولكن مهما فعلنا، فإنه لن يكون إلا بداية لعملية جديدة طويلة ومتعبة، نأمل جميعاً أن نخلق بها تدريجياً عالماً مختلفاً للغاية عن ذلك الذي عرفناه خلال ربع القرن الأخير “

يتابع هايك:

” الشيء المهم الآن هو أن نصل إلى اتفاق على مبادىء معينة، ونحرر أنفسنا من بعض الأخطاء التي حكمتنا في الماضي القريب “

إنّ أقصى أمل لدى هايك بأن يعي كل قارىء أهمية دوره الذي يلعبه كفرد، لأن الأفراد أعظم تهديد في وجه الشموليين والجمعيين في العالم، ولطالما كان الأفراد شوكة في خاصرة الدولة لمنعها من الإعتداء الشامل على السلطة منذ مطلع التاريخ، حيث أوضح بأنّ الفاشية هي نتيجة حتمية للتنامي المتزايد لسيطرة الدولة وفي هذا تحذير مروع للأمريكيين والبريطانيين الذين ينتظرون دائماً الحكومة لتوفر لهم مخرجاً من المصاعب والأزمات الإقتصادية التي تعاني منها.

يقول هايك في كتابه:

” إذا كان علينا أن نبني عالماً أفضل، فلا بد أن تكون لدينا الشجاعة لكي نصنع بداية جديدة، حتى وإن كان ذلك يعني بعض التراجع من أجل وثبة أفضل، إن أولئك الذين يؤمنون بالإتجاهات الحتمية ليسوا هم الذين يظهرون هذه الشجاعة، ولا أولئك الذين يبشرون بنظام جديد هو ليس أكثر من إبراز للإتجاهات في الأربعين عاماً الماضية، والذين لا يمكنهم أن يفكروا في أي شيء أفضل من محاكاة هتلر “

يتحدث هايك أيضاً عن التخطيط، حيث يصل للحقيقة المألوفة على أنه كلما ازداد تخطيط الدولة أصبح تخطيط الفرد أكثر صعوبة، فلا تستطيع الحكومة مطلقاً أن تكون حيادية في ظل التخطيط المركزي، في المجتمع المخطط يقوم القانون بتحديد مالذي يبقى اعتباطياً وعشوائياً لكافة الأهداف، ويعطي الحق للسلطة الفلانية في فعل ما تشاء، وكل ما تفعله هذه السلطة سيكون بالتالي شرعياً إلا أنه غير خاضع  لحكم القانون بالتأكيد، وبهذه الطريقة تقوم الديموقراطية ببناء أكبر وأشمل استبداد يمكن أن يخطر ببالنا.

أما في ظل نظام المنافسة فإننا نطلق الطاقات الخلاقة لدى الأفراد، نخلق ظروفاً محببة للتطوير وليس لتطوير التخطيط.

في النهاية ننصح الجميع بقراءة الكتاب، وتعلم الدرس من هايك، إذا ما أردنا مستقبلاً مختلفاً.

معلومات عن مؤلف الكتاب:

فريديرك هايك، عالم اقتصاد معروف على الصعيد العالمي، نمساوي المولد، مدير المعهد النمساوي لأبحاث الإقتصاد، أمضى نصف حياته بعد البلوغ في النمسا، ونصفها الآخر في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وعين استاذاً للعلوم الاقتصادية في جامعة لندن.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة قتيبه عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آبل تصنع التاريخ: أصبحت أول شركة أمريكية في العالم تبلُغ قيمتها 1 ترليون دولار

قراءة مبسطة لكتاب ثنائية الجسد الملكي – إرنست كانتوروفيتش