in ,

معضلة الملك

قراءة في كتاب النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة لصامويل هنتنغتون

مصطلح معضلة الملك (The King’s dilemma) هو مصطلح صاغه المفكر السياسي صامويل هنتنغتون في كتابه: النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة، وهو يظهر من خلال هذا المصطلح كيف أن المشكلة الأساسية التي تواجه الأنظمة الملكية هي كيفية جعلها متحررة دون فقدان السيطرة.

وبالنسبة لهذا المفكر السياسي، فإن الملك أمام خيارين للحفاظ على سلطته: إما عبر الاستمرار في تحديث المجتمع و جعله مجتمعًا متقدمًا عن طريق الدكتاتورية التنويرية التي أشار لها توماس هوبز، وإما عبر تحويل الملك لملكيته إلى ملكية دستورية أو برلمانية حيث يسود الملك ولكنه لا يحكم.

بالنسبة إلى هنتنغتون، فإن الخيارات الكاملة للملك عند الوقوع في هذه المعضلة هو أن يحاول الحفاظ على سلطته من خلال الاستمرار في التحديث رغم أن القمع يبقى ضروريًا للحفاظ على السيطرة، أو أن يحول نظامه الملكي إلى ملكية دستورية حيث “يسود الملك لكنه لا يحكم“.

و لتوضيح ما يحاول هنتغتون شرحه في كتابه حول موضوع معضلة الملك أكثر، سأحاول طرح الأفكار والأمثلة التي أشار إليها.

يرى هنتغتون أن الأنظمة السياسية تورطت في معضلة أساسية من ناحية أن مركزية السلطة في الملكية كانت ضرورية لتعزيز الإصلاح الاجتماعي والحضاري والاقتصادي. ومن ناحية أخرى، جعلت هذه المركزية امتداد رقعة السلطة في النظام التقليدي لاستيعاب الجماعات الجديدة التي أنتجتها العصرنة أمرًا صعبًا، أو مستحيلًا.

ومشاركة هذه الجماعات في العمل السياسي لا تحدث على ما يبدو إلا على حساب الملكية.

هذه مشكلة ذات شأن هام بالنسبة للملك والأسئلة التي طرحها هنتغتون حول هذه الإشكالية هي التالية:
هل يكون الملك ضحية لإنجازاته؟ هل يستطيع أن يفلت من معضلة النجاح مقابل البقاء؟ و بتعبير أكثر شمولًا، هل توجد وسائل تؤمّن حدوث إتقال تتدنى فيه نسبة التمزيق عوضا عن أن تتزايد، بدءًا من السلطة المركزية الضرورية من أجل تجديد السياسة، وصولًا إلى السلطة التوسيعية الضرورية من أجل استيعاب الجماعة؟

و للإجابة على هذه الأسئلة أعطى هنتغتون ثلاث خطط استراتيجية ممكنة للملك للخروج من هذه المعضلة: أن يحاول تقليص دور السلطة الملكية، أو ينهي هذا الدور، ويدفع بالتحرك نحو ملكية دستورية عصرية تكون السلطة فيها من حق الشعب والأحزاب و المجالس البرلمانية. أو أن يبادر إلى بذل جهد واع من أجل جمع السلطتين الملكية والشعبية في نظام سياسي واحد، أو أن يحافظ على الملكية بإعتبارها المصدر الرئيسي للسلطة في النظام السياسي ويبذل جهده لتقليص التأثيرات التنازعية عليها بسبب انتشار الوعي السياسي.

و أعطى بعض الأمثلة الأساسية حول هذا الأمر من خلال تحليل النظام الأفغانستان و النظام الملكي المغربي فيقول:

“الملكيات التقليدية التي وُجِدَت في النصف الثاني من القرن العشرين كان معظمها تقريبا أنظمة ذات مستوى عال من المركزية. وهناك استثناءات بارزان فقط: أفغانستان حيث كانت التعددية القبلية موجودة منذ فترة طويلة مع تفكك السلطة، والمغرب حيث أوجد الاستعمار تجربة حزبية فريدة بين الملكيات التي تحكم.”

ويتمم بالقول :

“المشكلة التي تبرز باستمرار في أية محاولة لتأسيس التعايش بين الشرعيتين الملكية والشعبية تتعلق بالمسؤولية المزدوجة التي تقع على عاتق رئيس الوزراء ومجلسه تجاه الملك و البرلمان. في الواقع وفي كافة الملكيات الحاكمة فعليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ظلت مسؤولية رئيس الوزراء بالدرجة الأولى تجاه الملك لا تجاه البرلمان.

الأحزاب السياسية ضعيفة في الملكيات التقليدية. حين تعرضت الملكيات للاستعمار، كانت الملكية نفسها، كما حدث في مراكش وبوغندا، تحل محل الأحزاب السياسية أو تنافسها لتشكل محورا للمشاعر الوطنية وحيث توجد أحزاب سياسية في الأنظمة الملكية، فإن الأحزاب تكون غالبا أكثر بقليل من زمر برلمانية تفتقد لأي دعم جماهيري منظم ذي معنى”.

و يتحول بعد هذا لإعطاء مثال من المغرب حول كيفية قيام السلطة الملكية بالجمع بين المركزية الملكية والعصرية بعد الحرب العالمية الثانية إذ يقول:

“أبرز محاولة جرت للجمع بين مصادر السلطة الملكية والعصرية بعد الحرب العالمية الثانية جرت في المغرب. فبفضل التجربة الاستعمارية، تمكن المغرب من تطوير أحزاب سياسية أكثر أهمية من تلك التي نشأت في معظم الملكيات الحاكمة. كان الحزب المهيمن في مرحلة الاستقلال عام 1956 هو حزب الاستقلال الذي تم إنشاءه عام 1943، والذي قدم العون للملك بصفته مؤسسا لاستقلال المغرب. في الواقع، لم يكن النظام السياسي في المغرب -كما وصفه زعيم سياسي- ” ملكية تقليدية و اقطاعية و مطلقة “، ولم يكن أيضا ملكة دستورية حديثة يقوم فيها العرش بدور رمزي فقط. لكنه كان نوعا من “الملكية المطلقة، التي ترتكز على تقوية دور الإسلام، بتعهد ومسؤولية الملك الشخصية”.

يؤدي الإصلاح بالتأكيد إلى إلحاق الأذى بالمصالح المكتسبة لملاكي الأراضي والتجار والرسميين، و رفض فسح المجال أمام مشاركة العامة في الحكم يؤدي إلى إثارة عداوة الليبراليين.

فتعيين رجال عصريين في البيروقراطية أمر ضروري بالفعل للإصلاح، وهو وسيلة أساسية تمكن الملك من تقليل اعتماده على النخبة التقليدية في البيروقراطية.

قد يحاول الملك أخيرا صون سلطته بالاستمرار في العصرنة، لكن بتكييف الضغط الضروري لكي يبقى أولئك المحافظون الرافضون للإصلاح وأولئك الليبراليون الرافضون للنظام الملكي تحت سيطرته. كانت شرعية الملك تستند في الأصل إلى تقبل المجتمع بأسره للمبادئ التقليدية للسلطة. لكن مع تقدم عملية العصرنة، بدأت الفئات الجديدة الناتجة عنها برفض هذه المبادئ، وأصبحت الفئات القديمة بعيدة عن الملكية بسبب توجهاتها السياسية.

تؤدي العصرنة إلى تفتت دعم الطبقات التقليدية، وينتج في الطبقات الجديدة أعداء أكثر من الأصدقاء. من الضروري سياسيًا أن يقسّم الملك البيروقراطية، وأن يقوم بانقلاب سريع في في المناصب العالية بتعيين الأعداء في مراكز تحتاج إلى الكفاءة وتعيين المؤثرين في المراكز المهمة مما يقلص من فعالية البيروقراطية باعتبارها قوة معصرنة.

يمكن إلى حد ما قياس نجاح الملك في عصرنة بلاده بحجم وفعالية قوى الشرطة الضرورية لصون هذه العملية. الإصلاح و القمع واجهتان لمركزية السلطة وللفشل في توسيع رقعة المشاركة السياسية.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق: شهاب البرقاوي

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المعجزة الاقتصادية الإستونية

الأزمة البترولية ونظام النفط العالمي