in

مدرسة فرانكفورت – الجزء السابع / الأخير

بعض السياسات الجامعية المتأثرة بفلسفة مدرسة فرانكفورت

أصبحنا نجد في الجامعات العديد من السياسات التي أثرت بشكلٍ كبيرٍ على نوعية الدراسة، والكفاءة الطلابية، وقمع الأفكار، وحرية التعبير والعدالة. يرفض اليساريون مبادئ الحضارة الغربية: أفكار ومُثُل الحرية الفردية، حرية التعبير، وأهمية الملكية الخاصة، ومؤسسات الخطاب المفتوح والديمقراطي.

التمييز الإيجابي Affirmative Action

 

يعتبر التمييز الإيجابي سياسةً قامت العديد من الجامعات الأمريكية بتطبيقها، وهذه السياسة تأخذ بعين الاعتبار مسألة العرق والخلفية العرقية للطالب عند الانضمام لها.

تعمل جامعة تكساس بمقتضاها، وتقول:

“إن ما يقارب 40% من سكان تكساس هم أفارقة ومكسيكيون، لذلك من المهم جدًّا لنا في كلية الحقوق أن يكون لدينا مجتمعٌ طلابيٌّ متنوعٌ، وبالتالي، لن نأخذ بعين الاعتبار مسألة الدرجات ونتائج اختبارات القبول فقط، وإنما التركيبة السكانية للصفوف بما في ذلك الجانب العرقي و الإثني”.

يعني أنه لم يعد مهمًّا بالنسبة للجامعة كفاءة الطالب ودرجاته العلمية، بل أصبحت تأخذ بعين الاعتبار مسائل تتعلق بالعرق والإثنية للطلاب، وبالضبط للأقليات، وهذا يُعتبر بشكلٍ واضحٍ عنصريةً وفعلًا غير عادلٍ للطلبة الآخرين. سأذكر مثالًا حدث من قبل لطالبة معينة ورفعت دعوى على الجامعة بسبب هذا التمييز.

رُفِضت طالبة اسمها هوبوود من الالتحاق بجامعة تكساس رغم أنها تفوقت في النقاط على منافسيها الآخرين، وسبب رفضها من الدخول للجامعة أنها بيضاء، فلو كانت من الأقليات لقُبلت، ونعلم أنه من خلال فلسفة اليسار الجديد يُعتَبر البيض أغلبيةً وظالمين عكس الأقليات المظلومين، فقامت الطالبة هوبوود برفع دعوى قضائية على الجامعة. وصلت الإحصائيات للمحكمة، ووجد أن بعض الأفارقة والمكسيكيين الذين كانت لديهم نفس درجة هوبوود قد قُبلوا في الجامعة، وهي لم تُقبل فقط بسبب خلفيتها العرقية.

يرى المدافعون عن التمييز الإيجابي بأنه من العدل القيام بهذا الأمر لأن بعض الأقليات لا يجدون نفس الإمكانيات التي تتوفر للبيض في الدراسة، لأنهم أغنياء يلتحقون بمدارسَ جيدةٍ، ولهذا سيتمكنون من تحقيق معدلاتٍ جيدةٍ من أجل القبول، بعكس الأقليات، لهذا يجب على الجميع التدخل لمساعدتهم، حتى لو كان هذا بطريقةٍ غير عادلةٍ، وتُنتج ضررًا للآخرين .

للإجابة على هذا الأمر يجب أن نرى إحصائيات فيما إذا كان جميع البيض أغنياء فعلًا كما يدعي اليساريون الجدد، إذا كان العكس فهذه الحجة باطلةٌ، وهذه هي العنصرية الحقيقية، وفعلًا ليس جميع البيض أغنياء، ومن منتهى التفاهة أن تُصبغ مجموعةٌ بنفس الصفات. يُعتبر تحديد القبول الجامعي استنادًا على عوامل لا يستطيع الناس السيطرة عليها أو اختيارها أمرًا ظالمًا بشكلٍ تامٍ.

حجج الدفاع عن هذا التمييز

– تصحيح الاختلافات Corrective: الخلفية التعليمية مثل نوع المدرسة التي يرتادها الطالب.

-الحجة التعويضية Compensatory: التعويض عن الإساءات والأخطاء الماضية مثل العبودية التي كانت تحدث في الماضي للسود.

– التنوع  Diversity: من أجل تعزيز الخبرة التعليمية لجميع الطلاب، الهدف الاجتماعي أي تحقيق وتطبيق الصالح العام في حال وُجِد تنوعٌ عرقيٌّ و إثنيٌّ في الهيئة الطلابية.

للرد على هذه الحجج يجب أن نرى:

– هل من العادل على الطالبة هوبوود أن تقدم تضحية وتدفع التعويضات عن الظلم دون أن يكون لها أي ضلوعٍ بالأمر؟ لا علاقة للطالبة بتاريخ العبودية، ولم يكن لها فعلٌ مباشرٌ على القضية.

-الرد على التنوع، إذا لم تكن من أصحاب النفعية، فستوافق على أنه قد تم انتهاك حق الفرد وحق الطالبة من أجل الصالح العام، ألا نستحق أن يتم تقييمنا وفقًا لتميزنا ومآثرنا وإنجازاتنا وعملنا الجدّي الفردي عوض تقييمنا وفقًا لخلفياتنا العرقية، والدينية، والإثنية ؟

يرى البعض بما أن هارفارد مدرسةٌ خاصةٌ فيمكن لها اختيار ما تريد من معايير، لكن هذا لا يعني أن ما قامت به هو الفعل الصحيح. لأنه كمثالٍ على جامعة تكساس، وللحقوق نفسها التي تطبق التمييز الإيجابي، فقد رُفعت قضيةٌ ضدها في الخمسينيات بسبب كونها لا تقبل الزنوج، فقامت برفع رسالةٍ بنفس المقتضى أنه لا توجد شركة محاماةٍ توظف أمريكيين أفارقة، بنفس المنطق سنعتبر أن ما قامت به الجامعة طبيعيٌّ وصحيحٌ. وتكون الحجة هي بالرسالة الاجتماعية والصالح العام التي تسعى له الجامعة، وأيضًا قامت هارفارد بمنع اليهود من الالتحاق لها في الثلاثينيات، وسيتم تبرير هذا التمييز الإيجابي بنفس المنطق والحجج.
ما يدعو له الليبرتاريون في صراعهم الفكري مع هذه الفلسفة، هو أنهم يرون بأنه يجب فصل العدالة عن الاستحقاق الأخلاقي، على أن العدالة لا تتعلق بمكافأة وتكريم الفضيلة أو الاستحقاق الأخلاقي.

لأنه من شأن ربط العدالة بالاستحقاق الأخلاقي Desert أو الفضيلة أن يؤدي إلى الابتعاد عن الحرية وعن احترام الناس ككائناتٍ حرةٍ وفرديةٍ.

نرى أن اليسار يقوم أيضًا بنشر العنصرية من خلال التعامل مع الأشخاص على خلفياتهم العرقية، والدينية، والإثنية، وليس التعامل مع الفرد على أنه كائنٌ مستقلٌ حرٌّ.

https://www.wonderlustmag.com/627/the-frankfurt-school-part-01/

العدوان الجزئي – Micro Aggression

العدوان الجزئي هو الإهانة العفوية لأيّ مجموعةٍ من الأقليات التي ذكرناها من قبل، وقد صاغ هذا المصطلح الطبيبُ النفسي وأستاذ جامعة هارفارد تشستر م. بيرس في عام 1970.

بحيث أصبح اليوم في أمريكا وبعض الدول الغربية التي تتبنى مثل هذه السياسة تعاني بشكلٍ كبيرٍ من تراجع في حرية التعبير، لأن المصطلح أخذ بُعدًا كبيرًا إلى حدٍّ منع أيّ تواصلٍ شخصيٍّ، أو عفوية مع الآخرين، وأصبح ينتج مشاكل كبيرةً في المجتمعات الغربية.

قام عالما اجتماع بدراسةٍ تُظهر كيف أن فكرة العدوان الجزئي تؤدي إلى ثقافة الضحية، يقول عالم النفس والاجتماع جوناثان هايدت بأن ثقافة الضحية هذه تقلل القدرة على التعامل الشخصية البسيطة، وتخلق مجتمعًا من الصراع الأخلاقي المستمر والمكثف، حيث يتنافس الناس للعب دور الضحايا أو كمدافعين عن الضحايا.

مثال لتطبيق هذه السياسة في جامعات أمريكية

 

قامت جامعة يال الأمريكية التي تُعرف بأكثر الحرم الجامعية التي تخلق جدلًا بهذا الموضوع ، في سنة 2015 في حفل الهالويين بمنع الطلاب من لبس أيّ لباسٍ يتعلق بثقافةٍ غير ثقافتهم، لأن هذا يُعتبر حسبهم بالاستيلاء الثقافي Cultural Appropriation، وتم فرض العديد من القوانين على الهالويين الذي يُعتبر عيدًا للنشاط والفرح بين الطلاب وأعضاء المجتمع، ما حدث هو أن أستاذة مُحاضرة بجامعة يال تُسمى Erika Christakis قامت بتوجيه رسالة بريد إلكتروني إلى طلاب الجامعة حول دور حرية التعبير في الجامعات، بحيث كان ردًّا على قرار الجامعة ومبادئها التوجيهية تحديد نوع لباس عيد هالويينة، وزعمت أنه من منظورٍ تنمويٍّ قد يرغب الطلاب في النظر فيما إذا كان يجب على المسؤوليين تقديم التوجيه لطلاب الجامعات فيما يتعلق بملابس عيد الهالوين، أو ما إذا كان ينبغي السماح للطلاب باللباس بأنفسهم.

الإجابة من الطلاب كانت عكس ما توقعه الجميع تمامًا، فقد قام الطلاب بمظاهراتٍ، ووقّع 700 طالبٍ عريضةً تدين رسالة إيريكا وتصفها بالعنصرية. بعدها ذهب الطلاب إلى مكان إقامتها مع عائلتها وبدؤوا بالاحتجاج وكتابة رسائل ساخرةٍ ومهينةٍ على الجدران والأرضية، وعند خروج زوجها العالِم والبروفسيور الكبير في المدرسة للتحدث معهم بطريقةٍ حضاريةٍ ردًّا على أفعالهم، بدؤوا بنعته بالعنصرية والمطالبة بإقالته من العمل، وبعد العديد من المشاكل التي وقعت قامت إيريكا بالاستقالة من عملها كأستاذة في الجامعة، كما استقال زوجها من عمله كمديرٍ لفرع جامعة يال.

ستجدون مصادر تحت المقال بتوثيق فيديو لجميع ما تم ذكره في سلسلة مدرسة فرانكفورت  وأمثلة أخرى تفسر ما يحدث داخل الجامعات التي تبنت فلسفة مدرسة فرانكفورت و ما بعد الحداثة.

وندرلاست، إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

اقرأ الأجزاء السابقة للسلسلة بالضغط هنا

مصادر ومراجع:

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عوامل ومظاهر التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لإسرائيل (الجزء الثاني)

تركيا: من الحرية إلى الاستبداد – الجزء الأول