in

مدرسة فرانكفورت – الجزء الرابع

ماركوزه الأب الروحي ومؤسس اليسار الجديد

لم يصل عمل كلّ هؤلاء المساهمون الكبار المنتمين لمدرسة فرانكفورت الفكرية لشيﺀٍ مما عمله هربرت ماركوزه الذي يُعتبر مؤسس “اليسار الجديد”.

التحق ماركوزه بمدرسة فرانكفورت عام 1933، وأصبح بسرعةٍ قائدًا للحركة.  بعد انتقاله للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية حصل على الجنسية، ثم تم تشغيله في مكتب فرانكلين روزفلت لمعلومات الحرب ليخلق بروباغاندا معادية للنازية، مع أنه كان ماركسيًا.

عمل أيضًا في مكتب الخدمات الاستراتيجية (التي أقامتها وكالة الـ سي آي إيه)، وعمل أيضًا في وزارة الخارجية حيث عمل ليمنع الولايات المتحدة من إبعاد ألمانيا عن الديمقراطية الاشتراكية. درس في جامعة كولومبيا ثم هارفارد ثم برانديز ثم أخيرًا في جامعة كاليفورنيا.

بلغ أوجه في اكتساب الشهرة عام 1955، مع نشر كتابه إيروس والحضارة، عرض هذا الكتاب بكل بساطة فكرة فيلهلم رايش القائلة بأن التحرر الجنسي هو أفضل طريقةٍ لعلاج أمراض المجتمع النفسية.

شجع ماركوزه على تعدد الشركاﺀ الجنسيين، وقال أنها حاجة الناس للانتفاض ضد الحضارة الغربية، ولتحرير أنفسهم من القمع الجنسي الذي تخلقه في محاولةٍ واضحةٍ لتفكيك الأسرة التقليدية أو النووية التي عُرفت بها أمريكا والجنس البشري عامةً.

 

كان ماركوزه أكثر أفراد مدرسة فرانكفورت دهاءً ومراوغةً وأقواهم من ناحية الترويج للفكر. كانت نظريته بخلق مجموعاتٍ من الضحايا تأخذ مكان البروليتاريا الجديدة مدمجة بنظرية هوركهايمر النقدية، وهذه النظرية أصبحت أساسيةً في التعليم العالي حيث أصبحت قاعدة للحركة ما بعد البنيوية، ودراسات الجنس، ودراسات المثليين، والمتحولين جنسيا.

لقد اشتهر ماركوزه بشكلٍ واسعٍ في الستينيات من طرف الحركة الطلابية. توجب على ماركوزه إيجاد طريقة لتحدي المعارضة، ووجد ذلك فيما سمّاه “التسامح القمعي”، وفي عام 1965 كتب ماركوزه مقالًا بهذا الاسم وذكر فيه:

“إن التسامح لا يمكن أن يكون جيدًا إلا إن سمح للأفكار غير المهيمنة بالازدهار، وأن ازدهار الأفكار غير المهيمنة لا يكون ممكنًا إلا إن قُمعت الأفكار المهيمنة”.

ستجدون هنا نموذجًا لعارضةٍ برؤيةٍ مقلوبةٍ للحرية، والتي أصبح يتبناها العديد من الطلاب اليوم. في هذا المقال، يشرح ماركوزه أن حرية التعبير والتكتم هي أوهامٌ طالما أن المجتمع لم يتوافق مع الماركسية المثالية، وطالما أن هذا صحيح فيجب إذًا قمع حرية التعبير، ويجب عدم التسامح مع هذه الأفكار الأخرى.

بعبارةٍ أخرى، إن خالفت ماركوزه الرأي يجب أن يتم إسكاتك بالقوة، فإذا طالبت بخفض الضرائب مثلًا أو منع تدخل الحكومة في الحياة الشخصية فيجب أن تُقمع ويتم إسكاتك بالقوة.

بالنسبة لهم إذا سُمِح بحرية التعبير وأُعطيت منصةٌ للأفكار غير الماركسية، فإن اللحظة الهيجيلية العظيمة للوصول إلى نهاية التاريخ ستظل بعيدةً عن متناولهم. ولهذا السبب يرون بأنهم يحتاجون إلى اعتمادٍ على قمعٍ كامل النطاق على الأقل حتى وصول نهاية التاريخ، كما كتب ماركوزه:

“يشمل هذا إزالة حرية التعبير والتسامح، ومنع تجمع الجماعات والحركات التي تعزز السياسات العدوانية، والتسلح، والشوفينية، والتمييز على أساس العرق والدين، أو التي تعارض توسيع الخدمات العامة، والضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية… وعلاوةً على ذلك، فإن استعادة حرية الفكر قد يستلزم قيودًا صارمةً وجديدةً على التعاليم والممارسات في المؤسسات التعليمية التي تعمل بطرقها ومفاهيمها لحصر العقل داخل مؤسسةٍ كونيةٍ للخطاب والسلوك، وبالتالي استبعاد البداهة تقييم عقلاني للبدائل.

وإلى الحد الذي تنطوي فيه حرية الفكر على النضال ضد اللاإنسانية، فإن استعادة مثل هذه الحرية ستعني أيضًا عدم التسامح تجاه البحث العلمي لمصلحة “الروادع” القاتلة على التحمل البشري غير الطبيعي في ظل الظروف اللاإنسانية”.

قال ماركوزه بأنه يجب القضاء على الحرية بعبارةٍ أخرى، ويرى أن هذه الحرية ليست حقيقيةً بل فقط عذر كبير للقمع والاستبداد والدولة الشمولية.

أو كما قال ماركوزه بصراحة مميزة أنه “يجب علينا أن ندفع بإلغاء العقيدة الليبرالية للمناقشة الحرة والمتساوية يجب علينا أن نكون ناشطين غير متسامحين”.

أدى هذا الأمر إلى تغيير النقاش السياسي، وجعله يخدم مصلحته هو وحلفاؤه. لقد أصبحت هذه الشمولية ممارسةً عاديةً في الأحياء الجامعية، وفي الإعلام، وفي هوليود نفس الأشياء الذي أرادت مدرسة فرانكفورت التحكم فيها.

استغلوا المادة الأولى من الدستور الأمريكي التي تنص على حرية التعبير على مختلف الأفكار، والتي استغلوها لنشر أفكارهم من خلالها، ويحاولون الآن قمع نفس الأشخاص الذين يستفيدون منها أيضًا.

 

كان كلٌّ من ماركس وماركوزه خلفاء في التقليد الطويل للفكر اليساري الهيغيلي الذي عارض كلّ جانبٍ من جوانب صعود نظرية “دعه يمر.. دعه يعمل” الليبرالية، والتي غيرت الحياة التجارية في القرن التاسع عشر. كانت وجهة النظر الهيغلية هي أن ما نُسمّيه الحرية بالنسبة للأشخاص العاديين كان قناعًا اجتماعيًا لسردٍ تاريخيٍّ الذي كان قاتمًا ومخيمًا. كانت القوى غير الشخصية في التاريخ تعمل في خلق الصراعات والصدامات والحروب بين المجاميع الاجتماعية على نطاقٍ واسعٍ. قد تبدو السوق الحرة (والحرية عمومًا) وكأنها إيقاع متناسق، لكن من الوهم تغطية الاستغلال الفظيع الذي قد لا يدركه العمال والفلاحون بشكلٍ مباشرٍ، ولكن يمكن أن يكتشفه المثقفون المتنورون.

كلما قرأت أكثر أدركت أن المشكلة الحقيقية حسب ماركوز تنحدر من كلمةٍ واحدةٍ: الرأسمالية. وطالما بقي ذلك على قيد الحياة، فإن الجماهير ستفتقر إلى التمييز الصحيح لرؤية ومعرفة ما هو صحيح. في هذه الحالة، فإن التسامح لن يوفر سوى فرصًا لإدامة الشر.

يمتد التسامح إلى سياساتٍ وشروطٍ وأنماط سلوكٍ لا ينبغي التسامح معها، لأنها تعوق إن لم تكن تدمر فرص خلق وجود بدون خوفٍ وبؤسٍ.

من أجل وصول ماركوزه لهدفه لم يجعل الأمر متعلقًا بالاقتصاد فقط بل جعل الأمر يتعلق بالسلطة والقوة، يدور كلّ شيء بالنسبة إلى ما بعد الحداثيين ورواد مدرسة فرانكفورت حول السلطة والقوة، وهذا هو سبب كونهم خطيرين للغاية، لأنك إذا كنت منخرطًا مع شخصٍ لا يؤمن إلا بالقوة، فإن دافعهم الوحيد دائمًا هو اكتساب كلّ القوة لهم.

بالنسبة لهم لا يوجد منطقٌ، أو تحقيقٌ، أو تفاوضٌ، أو حوارٌ، ولا يوجد اجتماعٌ للعقول والتوافق، بل توجد هناك فقط السلطة والقوة.

وندرلاست، إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

اقرأ الأجزاء السابقة للسلسلة بالضغط هنا

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مدرسة فرانكفورت – الجزء الثالث

مدرسة فرانكفورت – الجزء الخامس