in

مدرسة فرانكفورت – الجزء الأول

مدرسة فرانكفورت ونشوء اليسار الجديد

لقد ظهر هذا المصطلح بطريقةٍ غير رسميةٍ ليصف المفكرين المنتسبين أو المرتبطين بمؤسسة فرانكفورت للبحوث العلمية في جامعة غوته في مدينة فرانكفورت الألمانية في فترة ما بين الحربين العالميتين.

كان عمل هؤلاء المفكرين بين انتقاد الرأسمالية والاشتراكية السوفيتية معًا، بحيث كانت مهمتهم محاولة علاج القصور الذي بدا لهم في الماركسية الكلاسيكية ووسيلتها لتغيير المجتمع.

فقد واجه الماركسيون مشكلةً كبيرةً مع نهاية العقد الأول من القرن العشرين، حيث لم تندلع الثورة الماركسية العالمية المنتظرة كما كانوا يعتقدون، كما كانت التجربة السوفياتية أيضًا فاشلة بدرجةٍ كبيرةٍ بسبب القمع و الجوع والضحايا التي نتجت، هنا تبين بأن النبوءة الماركسية الديالكتيكية المادية خاطئةٌ، لكن هذا لم يكن كافيًا لتخلي المفكرين الماركسيين عن الثورة العالمية، فأخذوا يبحثون عن وسيلةٍ أخرى من أجل الوصول للغاية المشتركة.

هنا أتى دور أنطونيو غرامشي وجورج لوكاش

 

أنطونيو غرامشي الإيطالي كان فيلسوفًا اشتراكيًّا يرى بأن تدمير المجتمع شرطٌ قبليٌّ ضروريٌّ يجب أن يتحقق للوصول للماركسية العالمية. ويرى بأن الماركسية لم تفز لأن الرجال ضعاف، والرجال ضعاف نتيجة المجتمع الرأسمالي.

وبنى جورج لوكاش على أفكار غرامشي، فقرر أن الديالكتيكية الماركسية المادية لم تكن أداةً للتنبؤ بالمستقبل بل أداةً لتدمير المجتمع نفسه، فرأى أن تدمير الوضع الاجتماعي الحالي في عقول الناس كافٍ لتحقيق الماركسية.

كانت وجهة نظر لوكاش مؤثرةً لدرجة أنه أصبح وزير الثقافة في هنغاريا لفترة، حيث بدأ يدفع ببرنامج تربيةٍ جنسيةٍ متطرفٍ وينبذ الأخلاق. في ذلك المنصب، حاول أن يطبق فكره التدميري بحيث يقول:

“لقد رأيت أن تدمير المجتمع هو الحل الأوحد والوحيد لقلبٍ عالميٍّ للقيم، لا يمكن أن يحدث دون قتل القيم القديمة وخلق الثوريين لقيمٍ جديدةٍ”

فكان رد فعل الشعب الهنغاري بالتخلص منه.

يعتبر معظم الدارسين أنه كان المؤسس للماركسية الغربية في مقابل فلسفة الاتحاد السوفياتي. ترك هذا لوكاش دون عملٍ، لكن ليس لمدةٍ طويلةٍ.

ظهر آنذاك وجهٌ جديدٌ على الساحة، وهو فيليكس فايل Felix weil، وهو رجل أعمال من فرانكفورت ألمانيا متأثر بأفكار ماركس. رأى أن المشكلة التي تمنع تطبيق الاشتراكية هي أن الناس لم تحبها بالأساس.

كان طموحه خلق فضاءٍ جامعيٍّ تلتقي فيه الأعضاء الأكاديمية البارزة لمتابعة البحوث في الفكر الماركسي، وتجسد ذلك أولًا في ما يُسمّى حلقة “الأسبوع الأول والثاني للعمل الماركسي”، غير أنّ هذه المحاولات لم تكلل بالنجاح العملي، مما دفع بأصحاب الفكرة إلى البحث عن هيكلٍ يتخذ شكل المؤسسة يجسد المشروع فعليًا، وتحولت الرغبة إلى مشروعٍ مستقبليٍّ، فاقترحت عليه مجموعةٌ من أصدقائه، ومن بينهم فريديريك بولوك بتأسيس معهدٍ دائمٍ من أجل القيام بهذه الدراسات الماركسية والسياسية السوسيولوجية، وتكللت هذه المحاولات العديدة بالنجاح، وكانت خلاصتها حصول المعهد على الصفة الرسمية في سنة 1923 بموجب مرسوم من وزارة التعليم قضى بإلحاقه ضمن جامعة فرانكفورت، فوقع الاختيار لرئاستها على أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة فيينا كارل غرونبرغ، الذي يُعتبر من أبرز زعماء المدرسة الماركسية، وبذلك انخرطت المدرسة في التنظير الماركسي والتزمت بالخط الاشتراكي الذي يعول في رؤيته على المادية التاريخية وفي ممارسته الثورية.

أتى فايل، بفيلسوف ماركسي اسمه ماكس هوركهايمر. أصبح هوركهايمر منذ سنة 1931 الرئيس الجديد لمدرسة فرانكفورت. وبدأت المدرسة في طرق عهدٍ جديدٍ مغايرٍ للسابق، وكانت لديه فكرة الانفتاح على مدارس علم الاجتماع المختلفة والاطلاع على الفلسفة الكانطية الجديدة، والعلوم الإنسانية المعاصرة، كعلم النفس.

و في هذه السنوات التحق أيضًا الألماني هربارت ماركوز، الذي كان له نزوعًا فلسفيًّا نحو دمج مباحث الاقتصاد بمباحث علم النفس، من خلال تقديم مقاربة يجمع فيها بين الماركسية والفرويدية، ثم الفيلسوف تيودور أدورنو الذي أضاف أبحاثًا نقديةً ودراساتٍ خاصةً في مجال الجمال والفن والموسيقى..

أتى هوركايمر بنظريةٍ ستجسد كل الفلسفة التي يعتمدها رفاقه في مهمتهم لتدمير المجتمع والثقافة باستعمال الدياليكتيكية الماركسية وسُمّيت هذه النظرية بـ:

 

النظرية النقدية

 

ظهرت النظرية النقدية كردّ فعلٍ على المثالية الألمانية والوضعية التجريبية التي كانت تدرس الظواهر الاجتماعية دراسةً علميةً موضوعيةً، فالنظرية النقدية هي قراءةٌ نقديةٌ للعقل الجدلي ليس بالطريقة الكانطية بل بطريقةٍ ماركسيةٍ جدليةٍ.

تجسدت هذه النظرية في عدة ميادين كالفلسفة، وعلم الاجتماع، والسياسة، والفن، والنقد الأدبي. مهمتها هي انتقاد كلّ شيﺀٍ، والسعي لتمزيق النسيج المجتمعي عبر استعمال كلّ العلوم الاجتماعية. لقد كانت تقوم بنقدٍ لا متناهٍ للوضع الاجتماعي الحالي، وتحفز الناس من أجل التمرد على القواعد والأشياﺀ الطبيعية في المجتمع.

يقول هوركهايمر في شرحه للنظرية النقدية:

“الشك في كل ما هو أفضل مفيدٌ، ومناسبٌ، ومنتِجٌ، وقيّمٌ كما هم مفهمون في الوضع الحالي”.

إذًا إن أحببتم شيئًا معينًا أكثر من آخر، أو ظننتم أن شيئًا أكثر إفادةً من شيءٍ آخر، فأنتم تتحدثون بالنيابة عن الوضع الحالي.

الفكرة الحقيقة كانت هي جعل المجتمع لا يعمل على الإطلاق من خلال القضاﺀ على معاني كل الأشياء بالأساس. النظرية النقدية لا تخلق أو تنتج بل مهمتها هي التدمير فقط، وكما قال هوركهايمر بنفسه:

“فوق كلّ شيﺀٍ، النظرية النقدية لا إنجازات لها لتدعم بها نفسها”.

فهم هوركايمر، ومعه فلاسفة فرانكفورت الماركسية على أنها العلم النقدي للمجتمع. وبالتالي، فمهمة الفلسفة هي متابعة العملية النقدية.

اتفق هوركهايمر ورفاقه جميعًا من مدرسة فرانكفورت على وضع النظرية النقدية كفكرةٍ مركزيةٍ لهم، أي بالأساس أن علينا انتقاد المجتمع كله دون توقفٍ، وتشويه كلّ نواحي المجتمع، وقتل جميع المفاهيم التقليدية.

ووضح ماركوزه (الذي يُعتبر بمثابة أب اليسار الجديد) ذلك بشكلٍ جيدٍ عندما قال:

“سيكون الإنسان محقًا حين يتكلم عن ثورةٍ ثقافيةٍ، بما أن الاعتراض موجهٌ ضد المؤسسة الاجتماعية بأكملها بما في ذلك أخلاق المجتمع الحالي… الطريق الذي يجب أن نسلكه هو طريق تفكيكٍ سريعٍ ينتشر في كل النواحي”.

سواء كان الأمر متعلقًا بالجنس، أو الميول الجنسي، أو الأسرة، أو العرق، أو الثقافة، أو الدين؛ يجب أن تصبح كل جوانب هوية الفرد محط السؤال والنقد بحسب النظرية النقدية ويجب أن يُطعن في كلّ ما هو عادي وكل المعايير في المجتمع.

وندرلاست، إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض


باقي أجزاء المقال:

https://www.wonderlustmag.com/632/the-frankfurt-school-part-02/

 

https://www.wonderlustmag.com/639/the-frankfurt-school-part-03/

 

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

-1 Points
Upvote Downvote

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

البنوك المركزية: السبب الرئيسي للأزمات المالية والاقتصادية (الجزء الثاني)

مدرسة فرانكفورت – الجزء الثاني