in

مراجعة كتاب: الحب السائل – زيجمونت باومان

”أَعطِنا، يا حبّ، فَيْضَكَ كلَّه لنخوض
حرب العاطفيين الشريفةَ، فالمناخ ملائم،
والشمس تشحذ في الصباح سلاحنا،
يا حبُّ لا هدفٌ لنا إلا الهزيمةَ في
حروبك.. فانتصرْ أَنت انتصرْ، واسمعْ
مديحك من ضحاياكَ: انتصر سَلِمَتْ
يداك وَعدْ إلينا خاسرين… وسالما

– محمود درويش

“الحُب” ذلك الشعور الذي سلب عقول العاشقين محاولين فهمه واستيعابه؛ لكن متلذّذين في نفس الوقت بما يخلفه من هيام وتعلّق بالمحبوب، فلطالما كان الحب غير قابل للتحديد والتعريف مهما اجتهدت العقولُ في تحليله، حتى باتت محاولةُ حدِّ الحب جهلاً به، فلا سبيل لحدِّ مالا حدَّ له.

لكن؛ عن أيِّ حب نتحدث؟ عن حبِّ كافكا لميلينا؛ شوقه وحنينه إليها، وعن روحه التي نزفت دماً في ورق رسائله؟ أم نتحدث عن جنون نيتشه بلو سالومي واستكانتها له؟ أنتحدث مجملاً عن الحب الصلبةِ جذورُه، ذلك الحب العميق الشاسع، الذي تَكشَّف عن ثراء معانيه الغموضُ والحيرة؟

الحب الذي سنكتشفه برفقة زيجمونت باومان في كتابه “الحب السائل” هو حبٌّ غير الحب الذي عهِدناه؛ حبٌّ يتناقض مع ما قد خوَّلته لنا عقولنا وأحاسيسنا، حتَّى اختلطت بنا التعاريف وصرنا نحوم في دوامةٍ من التساؤلات عن ماهية الحب في عصرنا الحاضر. أحقّاً نعيش الآن ذلك الحبَّ الصلب؟ أم هي فقط علاقات افتراضية سلبت منا المعنى الحقيقي للحب في زمن العولمة والثورة التكنولوجية؟

عند قرائتك للحب السائل سيأخذك عالمُ الاجتماع البولندي زيجمونت باومان معه في رحلة على مركب زمننا، ليطفو بك على أمواج الحداثة السائلة ويرمي بك لهول العاصفة التي كسرت صلابة الحب وجعلت من ميوعته حبّاً قابلاً للتحديد والتجديد ويرسو بنا بين الفينة والأخرى على جزر الحب الخالص والخالي من الشوائب.

الكتاب من أربعة فصول تبدأ من الخاص إلى العام؛ إذ يستهل باومان «شذراته الفكرية المتفرقة» بالوقوع في الحب والخروج منه: يطرح لنا الحب والموت بوصفهما الشخصيتان الرئيستان في القصة، «فالحب والموت لهما أوان، ولايدري المرء حتى يأتيان. ومتى حانت ساعتهما، فإنهما يأتيان بُغتةً، يُبعثان من العدم ليقتحما مشاغلنا اليومية». ومن هنا يرسم لنا العصر الحديث السائل نوع علاقات الحب «العلاقات السببية» والتي نربط فيها بين أسباب تجارِبنا الفارطة مع تجربتنا الحالية للتنبؤ بالأحداث وتجنب الفشل في العلاقة، فهذا الوهم بالتعلّم، وهم تعلّمِ فن الحب والوفرة في تجارب الحب، ينحو بنا فقط إلى هشاشة العلاقة وزوالها.

أين نحن من ذلك الحب الرومانتيكي المُنفتِح على القدَر والمسلِّم لتقلُّبه وتغيُّره المفاجئ، الذي لا يمكن معرفته مسبقاً حتّى نتنبَّأ لما يخبِّئه لنا. «إذا الحب أومأ إليكم فاتبعوه حتّى وإن كانت مسالكه وعرة وكثيرة المزالق. وإذا الحب لفّكم بجناحيه فاطمئنوا إليه، حتّى وإن جرحتكم النّصال المخبوءة تحت قوادمه.» [النبي – جبران خليل جبران] الحب الذي يجمع ما بين شعورين متناقضين من الخوف إلى الفرح ليُشكَّل مزيجاً مغرياًّ ليس بيدينا إلا الخضوع له والاستسلام لنشوته، دون تشويش أنفسنا بتبديد قلقه، «فالحب مرهونٌ بمستقبل غير مضمون». فقد انقضى للأسف عهد الحب الرومانتيكي الذي يقوم على مقولة «تعاهدنا على ألاَّ يفرَّقنا إلاَّ الموت»، ليُستبعد الحب عن عرشه ويفقد قدسيته؛ فالنزعة الاستهلاكية للعلاقات والاِتّساع الكبير للتجارب تاه بلفظ الحبّ ليعرف بدوره سيولة في الدلالة أفرغت من حمولته القيميَّة حتّى يُطلق على العلاقة الجنسية التي تمّت في ليلة واحدة بـ “ممارسة الحب”.

لا يمكننا التحدث عن الحب دون التطرق إلى الرغبة؛ فهما شقيقان لكن مقاصدهما متعارضة، فالرغبة اشتهاءٌ للاِستهلاك والإشباع الفوري، ليس لها حوافز سوى حضور ذات أخرى وتجريدِها من آخريتها بالإغواء والوعود الجاهلة، ممارسة السادية عليها وربما إدماج الشعور بالشفقة في تحقيق الرغبة، وفور تذوقها، يليه الاِنصراف منها بعد التخلص من النفايات. أما الحب فهو الرعاية والحماية والإيواء والنزعة الملكية والسعي إلى الخلود عكس الرغبة «فالحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، وأما الرغبة بطبيعتها فتهرب من قيود الحب» «وإذا كانت الرغبة تدمّر نفسها بنفسها، فإن الحب يديم نفسه بنفسه». اِرتقى باومان بدلالة الرغبة إلى تشبيهها بنموذج التسوق؛ حيث تشتهي تلك المواد والسلع الاستهلاكية التي تشبع رغباتك فوراً وبشكل سلس دون وعود كما تفعل بالمثل “بطاقات الاِئتمان”. «إن علاقة الحب التي تنظر إليها باعتبارها صفقة تجارية ليست علاجاً للأرق الذي تعانيه»؛ ففي زمن الإشباع الفوري، وعود الارتباط لا توفِّر لك الشعور بالأمان والطمأنينة في علاقة حب تنبني على الاستثمار، فأنت دائماً مهدّد بالاستغلال وقمع الاستقلال بالذات.

«فشل الحب هو في الغالب فشل التواصل». هناك انحرافين من أبناء الحب يتربصان بالغافل عن التواصل، الأول يتمثل في محاولة الإرضاء المتبادلة والحفاظ على هدوء العلاقة وراحتها اجتنابا للموضوعات المهمة التي تقتضي الحوار والنقاش رغم الشكوك والتساؤلات خوفاً من الاضطربات التي قد تؤدي بالعلاقة للأُفول وتهدم السكينة بين المحبوبين.

الانحراف الثاني هو الإفراط في الحب؛ هو الهيام الذي يوقظ جنونك وميولك للتملك والاستئثار بالحبيب وهو أيضاً الافتتان بالمعشوق الذي اختاره العاشق رفيقا له وحده «من بين جموع غفيرة مجهولة».

بعد ذلك يأتي التغير الذي يعيشه الحب فهو تغير مقبول من قبل العاشقين، ليكونا منفتحين على مغامرة المجهول وما سيقدمه لهما المستقبل، وهذا أعظم إغواءات الحب! وكل ما قد يتعرض طريقهما سيواجهانه بإعادة المحاولة لإنكار الفشل والانفصال الذي قد يهدّد علاقتهما والسير بها إلى اللامحدود الذي ينفي التنظيم ويستقبل الغموض والإثارة، «فأعظم الأمور لا يمكن تخطيطها، والاستعداد لها هو كل شيء».

سننجو مرة أخرى نحو نوع آخر من العلاقات السائلة: «علاقات الجيب العلوي» وتكمن عذوبتها في أنها عابرة ولن تتعبك في الاجتهاد لبلوغ المتعة فهي التجسيد الحقيقي للمتعة اللحظية والتخلص الفوري. وتقوم هذه العلاقات على شرطين: الأول أن تكون متيقناً واعياً أن هذه العلاقة لا تتأسس على الانجراف مع تيار الحب لأنها تخلو من الحب ولا تعترف « بالحب من النظرة الأولى» بينما يجب أن تتأسس على الاستثمار والمصلحة.

أما الشرط الثاني فهو بقاؤك متقيّظاً لانقلاب المصلحة ضدك وفقدان الأمور سيطرتَها «لا تدعها تسقط من جيبك العلوي، فهو مكانها الطبيعي»، والجأ إلى الانتقال والمرور عند شعورك باللاأمان لأنه سيمنحك كل ألوان اللذة؛ فما علاقات الجيب العلوي إلا التقاء للمصالح، ومن يبحث عن شريك لتجنب فظاعة الوحدة لن يجد في هذا النوع من العلاقات سوى فظاعة وهشاشة أشد.

يسلك غالباً هذا النوع من العلاقات إلى سبيل «المعاشرة من دون زواج» وهو ما طرحه باومان مبيناً أن مقاصدها متواضعة لأنها غير موثقة وخالية من العهود وقد تزول في أي لحظة؛ على عكس «المصاهرة» التي يتمثل مقصدها في جعل الرابطة مثل القرابة، لتقديس الحب وتوطيده وضمانه، «المصاهرة جسر يؤدي إلى بر الأمان الذي تمثله القرابة». لا ننكر أن هناك احتكاكات واختلافات تتخلل الصلة الحميمية؛ لكن بالصبر والإخلاص يمكن دائماً إنقاذ الحب لتحقيق التمازج المثالي للذوات الإنسانية.

من الحب الصلب إلى الحب السائل نسافر ذهاباً وإياباً؛ فحنينُنا للحب الحقيقي لا مفر منه؛ بَيد أن الحب السائل يحكمنا في زمن الآلة والتقنية الحديثة، وأبسطُ مثال على ذلك الدردشةُ على الإنترنت؛ وهي إن أمكن القول ملاذ للعديد من العلاقات الافتراضية التي استحوذت على زمننا؛ إذ تقوم الدردشة على تبادل الرسائل إلى مرحلة التعلق الذي هو مجرّد تعلق بالآلة ذاتها «لا يحضر الشخص المقصود في هذه العلاقة بوصفه كياناً، بل بوصفه امتداداً للآلة أو بوصفه أداةً لإرضاء إدمان الارتباط بالآلة» [ مجلة الدوحة العدد 143 – ص 6 ]؛ أي إن الارتباط هو فقط ارتباط بالآلة لا بالشخص.

هذه العلاقات التي تشغل العوالم الافتراضية تعد سفراً أكثر أماناً ومخاطرة وتوفر لك خصائص مثل التواري عن الأنظار، كما تحررك نهائياً من المكان؛ على عكس العلاقات الحية التي تطهّر تلك الصورة الافتراضية التي كونتها عن مراسلك فهي تكشف العيوب والخبايا عبر اللقاءات والمواقف. وإن ذكرنا اللقاءات فقد تأثرت بدورها بالآلة «اللقاء، في العلاقة اليوم، لا يتم إلا كي ينشغل كل طرف بهاتفه، المسمى ذكياً، عمن يجالسه. ذلك أن الارتباط بالآلة حل محل الارتباط بالإنسان، الذي غدا، في هذا النوع من الارتباط، مجرد أداة. إنه مكر الآلة، التي عوض أن تبقى مجرد أداة حولت مستعمليها إلى أدوات». [ مجلة الدوحة العدد 143 – ص 6 ].

قبل أن تصبح التقنية موجهاً للحياة ومحدداً لها، كان يقطر من لغة رسائل العشاق ولهٌ وعشق لا نهائيين، فمكنهم شغفهم الخلاّق من نقل الحب لسمو اللغة الشعرية للتعبير عن الشوق والحنين والمشاعر الهياجة التي تنتسب لخطاب الحب الصلب والقوي، كما كانت اللقاءات تدفئ بحميميتها أنفاس المحبوبين بتبادل للنظرات بشجاعة وجرأة مندفعة ليتواصل الحب وتتسرب الاعترافات وسط مشهد رومانتيكي. للأسف، هذا مشهد أصبح من النادر ظهوره؛ لكننا نلحظ كيف شاعت الارتباطات الرقمية التي كما تتولد بسرعة الآلة فإنها تتلاشى بالسرعة ذاتها، منذرة بصقيع برودها الذي يهدد حميمية العلاقات الإنسانية، « إنه “إنسان بلا صفات” إنسان الحداثة الباكرة الذي نضج حتى أصبح إنساناً بلا روابط».


تطرّق باومن للحب من شتى جوانبه فلا بد له من التطرق إلى الجنس، بوصف الرغبة الجنسية تلك الرغبة التي تستدعي ضرورة حضور إنسان آخر لتكتمل صورة الاتحاد في حياة إنسانية مشتركة لتحقق الحب. للجنس أيضاً سيولته خلف العلاقات العابرة التي ترتكز حول تحقيق الرغبة فقط. «وهكذا رأى إريك فروم أن الجنس لا يمكن أن يكون أداة التحام أصيل، وليس مجرد إحساس بالتحام عابر زائف يدمر نفسه بنفسه في النهاية إلا بفضل اقترانه بالحب؛ فمهما بلغت قدرة الجنس على توليد الاتحاد فإنما يستمدها من معية الحب».

بعد ذلك يمر الكاتب إلى الصورة الانتقالية للسيولة في شكلها العام منطلقاً من الجنس المرتبط بالتكاثر لإنتاج الأفراد وبناء المجتمع إلى الجنس المنفصل عن التكاثر الهادف لإشباع الرغبة فقط، ومن تلك العلاقات التراحمية إلى العلاقات التعاقدية وحتى من تلك التجمعات العائلية إلى جلسات لا عائلية خالية من التواصل الحي لانغماس كل فرد في عالمه الافتراضي الهش؛ وكذا من الاقتصاد الأخلاقي الذي يعتمد على حد الكفاف وكفالة الآخرين إلى اقتصاد العولمة القائم على العزلة والإنفراد، من قيمة الكرامة الإنسانية إلى قيمة البقاء حتى لو أهينت الكرامة، من حب الآخر إلى حب النفس، من البيئة المفتوحة للجميع إلى مدن الأشباح التي تفضل العزلة وعدم الإختلاط، من عالم واحد يحيا فيه الجميع حياة كريمة، إلى مجتمعات مفككة هشة سائلة، من الإنسان الحي إلى إنسان ميت، ولعدم انتماء هذا الجزء الأخير إلى الشروط التي ترّكز عليها المسابقة ارتأيت عدم الإطالة من مناقشته وتلخيصه بإيجاز.

بلغت مراجعتي نهايتها، ومع أنني أطلت في مناقشتي للأفكار الأساسية التي طُرحت في الكتاب، إلا أنني كنت مجبرة لأوفيَ هذا العمل العظيم حقه ويذوق كل قارئ لمراجعتي ولو قليلاُ من المتعة والاستفادة التي أنعم بها باومان علينا.

أنصح بقراءة هذا الكتاب بشدة لأنه يستحق كما أنه يستدعي أكثر من قراءة واحدة لدسامة مضمونه، ومن كمية الواقعية التي يناقشها في إطار الحب سيستفزك؛ لكنه سيساعدك كثيراً في الفرز بين علاقاتك والحذر مما تخبئه لنا هواتفنا النقالة أو الآلة بشكل عام، لا تدعها تغرقك في عوالم افتراضية لا نهاية لها، لتدمن الارتباطات الرقمية التي تنحصر في مثال التسوق وربما تجد نفسك في نفايات شبكة إلكترونية محذوفاً أو منفراً او ضائعاً، كمادة استهلاكية انتهت مدة صلاحيتها. واحرص على أن يكون حبك صلباً، خالصاً ومثمراً في عطائه؛ تلذذ بإحياءه وانتعش بنشوته في لقاءات حقيقية تزخر بالرومانسية والوعود الصادقة وووطّده بالمصاهرة إذا كنت تسعى للأبدية في الحب، وافتح قلبك وأنره بالحب لا بضوء العولمة؛ فقلوب العشاق مضيئة تتسع للنجوم والكواكب. فقط كن شجاعاً ومتواضعاً ليستقيم الحب: «كانت تعرف أن الحب يعني أن يهب كل واحد للآخر كل شيء. كل شيء: الكلمة الجوهرية. كل شيء، إذاً ليس فقط الحب الجسدي الذي وعدته به، إنما أيضاً الشجاعة، الشجاعة في الأمور العظيمة كما في الصغيرة» [ الجهل – ميلان كونديرا ص 84 ].

ملاحظة: لكل من سيقرأ الكتاب، لاحظت في طرح الكاتب لموضوع السيولة آراءً ربما تبدو بالمتضاربة وأحياناً بالمتناقضة، حتى تتوه فيما يدعمه وما يعارضه باومان؛ لكنّ هذا يرجع إلى أن أفكار الكتاب التي ربما ستبدو لك غير مرتبة بسبب أن باومان يعتبر كتابه كما ذكرت سابقاً «شذراتٍ فكرية متفرقة» تتخللها كثير من الفجوات والفراغات بقدر ما تتخللها كثير من الأجزاء المكتملة، لذا؛ تبقى صياغة التركيبة النهائية مهمة القراء.


  • إعداد: شيماء بلالة.
  • تدقيق: نور عبدو.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

شيماء بلالة

كتب بواسطة شيماء بلالة

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقتباسات فريديريك نيتشه

هل تحاول الصين الاستفادة من فوضى جائحة فيروس كورونا لفرض مصالحها الجيوسياسية بقوة أكبر في بحر الصين الجنوبي؟