in

الاقتصاد المؤسساتي

في النصف الأول من القرن العشرين اهتم عدد كبير من الاقتصاديين بشكل متزايد بمحاولة جعل الاقتصاد “علميًا صارمًا”. في نظرهم هذا التصميم الكمي للنماذج الذي اختُزِل فيه الرجال وأفعالهم إلى المتغيرات التابعة في سلسلة من المعادلات الرياضية جعل من الفرد مجرد مفاعل سلبي إلى قيود مختلفة في ساحة التبادل. فالمؤسسات السياسية والقانونية والاقتصادية المحيطة كانت ببساطة الخلفية التحليلية لخيارات تحديد الأشخاص المقيدين. إن كيفية ظهور هذه المؤسسات وتطويرها وكيفية تأثير أفكار الرجال وأفعالهم على هذه المؤسسات وتغييرها مع مرور الوقت لم تُناقَش على الإطلاق.

على الرغم من ذلك على مدى السنوات الثلاثين الماضية فقد طُوِّر ببطء مجالٌ يُسمّى الاقتصاد المؤسساتي الجديد يركز بشكل دقيق على التفاعل بين الإنسان والمؤسسات الاجتماعية. وقد كان دوغلاس سي. نورث، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993 من أبرز المساهمين في هذا المجال في كتاباته عن التاريخ الاقتصادي الأمريكي والأوروبي. في كتابه الأخير “فهم عملية التغيير الاقتصادي” شرح دوغلاس نورث أهمية المؤسسات لتحسين الحالة الإنسانية والصعوبات في تطوير النظريات والسياسات لتحسين المجتمع.

فهم عملية التغيير الاقتصادي

تتمثل نقطة انطلاق نورث في التأكيد على عدم اليقين المتأصل وعدم القدرة على التنبؤ بالعالم الذي يعيش فيه الإنسان وهو شرط يحول دون تطبيق نوع النماذج الرياضية الثابتة والحتمية التي تهيمن على معظم كتب الاقتصاد. لقد عملت الطريقة العلمية على عجائب في تمكين الإنسان من إتقان قوانين العالم المادي إلا أنه يعاني من أوجه قصور متأصلة عند تطبيقه عشوائيًا على الحالة البشرية.

يمتلك الإنسان صفات متميزة بشكل فريد عن أهداف الدراسات في الفيزياء والكيمياء: القصد والإبداع. فالإنسان يفكر ويتخيل ويخطط. يقدم هذا عنصرًا من عدم القدرة على التنبؤ غير الموجود في دراسة الطبيعة التي تعتبر فاقدة الوعي كما أن العمل الإنساني لا يسمح باحتمال إحصائي ثابت.

من خلال تكييف بعض المواضيع من علم النفس المعرفي يجادل نورث بأن الإنسان ليس أكثر منطقية في حل المشاكل. بعبارة أخرى يبدو أن العقل البشري قد تطور بطريقة تجعله يبحث عن النظام والعلاقات بين الأشياء والأحداث حتى عندما لا يوجد أيًا منها. ونتيجة لذلك يبحث الإنسان ذهنيًا عن الأنماط والعلاقات في العالم من أجل تحقيق كل من الوضوح ودرجة من اليقين الذي يمكن التنبؤ به.

هذا هو أصل أنظمة معتقدات الإنسان وأفكاره حول “كيفية عمل الأشياء” من الخرافات البدائية إلى النظريات الأكثر تعقيدًا حول طبيعة النظام الاجتماعي وعمله. تصبح هذه النظم الإيمانية منتشرة ومتحركة بين الأجيال في العادات والتقاليد والمؤسسات الثقافية الأخرى، وبالتالي فإن النظام المؤسساتي هو النتيجة التراكمية لأجيال من العقول المتفاعلة.

إن القواعد التي يعيش بها البشر كما يقول نورث قد ولدت نتيجة سعي الإنسان إلى التخفيف من عدم اليقين الاجتماعي. من خلال تقييد أفعاله الخاصة وأفعال الآخرين في مجتمعه من خلال القواعد والقيم والإجراءات التفاعلية التي تعرف وتحدد مدونات السلوك فضلًا عن المبررات المنطقية للشرعية والطاعة. يُظهر الإنسان درجات القدرة على التنبؤ على العمليات الاجتماعية والاقتصادية.

صُمِّمت بعض هذه القواعد والإجراءات المؤسساتية رسميًا من خلال التدوين القانوني والسياسي. لكن العدد الكبير إن لم يكن العدد الأكبر منها هي قواعد غير رسمية يتم تعلمها من خلال ولادتها واستمرارها في مجتمع معين، والتي غالبًا ما لا يُعبَّر عنها بشكل كامل.

يحدث التحول العظيم في التطور المجتمعي البشري حسب ما أوضحه نورث عندما تغيرت علاقات التبادل من الشخصية إلى غير شخصية، من القبيلة الصغيرة مع علاقاتها المباشرة إلى السوق الممتد الذي فُصل فيه الرجال حسب الزمان والمكان غير مرتبطين ببعضهم البعض، بحيث أصبح أكثر ترابطًا من خلال المعاملات النقدية.

بدأت المعتقدات والأفكار حول ما هو عادل وحق تتطور بطرق جعلت من الممكن على مدى قرون تطور مؤسسات اقتصاديات السوق الحديثة. يلخص نورث عددًا من هذه التحولات التاريخية في أوروبا الغربية لا سيما في الأعمال المصرفية وسندات الصرف والعقود التجارية التي مهدت الطريق لبداية النمو الاقتصادي والازدهار المتزايد في العالم الغربي خلال القرون الخمسة الأخيرة.

زيادة الاحترام المهم للملكية الخاصة، والقبول بالمنافسة المفتوحة غير المقيدة نسبيًا في السوق، والمزيد من الحرية الفردية في ظل حكم القانون المحايد والحدود على السلطة التنظيمية والضريبية للحكومات حررت الطاقات الإبداعية للرجال بشكل عام ورجال الأعمال. قام نورث أيضًا بإظهار الصرامة المتأصلة والفساد المحتمل الذي ينشأ عندما تُولّد المعتقدات والأفكار الخاطئة مؤسسات تضع قوة متزايدة في أيدي الحكومة سواءً في شكلها المتطرف في الاتحاد السوفييتي على سبيل المثال أو بشكلٍ أكثر اعتدالًا ولكن ليس أقل ضررًا من شكل دولة الرفاهية الحديثة.

ويقول نورث بأن المعضلة تكمن في أنه لا يتم تعلّم الدروس الصحيحة دائمًا من هذه التجارب التاريخية. كما يقول غالبًا ما يكون هناك الكثير من الضجيج في العمليات التاريخية. ليس من الواضح دائمًا ما هي الأسباب (التغيرات المؤسساتية والسياسية) التي أدت إلى التأثيرات (التغيرات في الرفاهية الاقتصادية، بما في ذلك درجات الحرية). علاوةً على ذلك فإن الكثير من المعلومات والتفسيرات حول التغييرات المؤسساتية والسياسية تأتي إلينا من خلال وسطاء فكريين وسياسيين لديهم أجنداتهم الخاصة وسوء فهمهم حول العمليات المجتمعية الفعلية في العمل.

ويحذر نورث من أن الخطر الحقيقي من كل هذا ليس فقط أن العديد من الدول التي لم تطور أبدًا المؤسسات المناسبة للسوق قد تفشل في القيام بذلك. لكن أيضًا أن الحرية والازدهار غير مضمونين إلى الأبد في أي مجتمع. بعبارة أخرى حتى المجتمعات الناجحة يمكن أن تتراجع وتتحلل وتعود إلى الركود الاقتصادي والطغيان السياسي بسبب صعود المعتقدات والأفكار التي تؤدي إلى تغيير مؤسساتي خاطئ. ويأمل الشمال أن يساعدنا الاقتصادُ المؤسساتي الجديد في رؤية أن هذا لا يحدث، ويمكن استخدامه لعكس بعض السياسات السيئة القائمة بالفعل.

من ماذا تتكون المؤسسات؟

تتكون المؤسسات من قواعد رسمية وقواعد غير رسمية. تتجلى القواعد الرسمية في الملكية الخاصة، والقوانين، والقواعد والأنظمة التي تضعها الحكومات، والاستقرار السياسي، والنظام القضائي المستقل، والحكومة الشفافة، والتنافسية، وأسواق حرة.

أما بالنسبة للقواعد غير الرسمية فتتكون من سلوكيات وأعراف وأخلاقيات، وهي مساوية في الأهمية لكنها أكثر صعوبة لنا إن أردنا محاكاتها وتحليلها. أما المكون الأخير فهو التطبيق الذي يتطلب طريقة لتنفيذ كل من القواعد الرسمية والأعراف غير رسمية.

سنعطي مثالًا طرحه دوغلاس نورث لشرح هذا، وهو مثال حول ميدان كرة القدم:

تُمارس كرة القدم وفق قواعد رسمية تحدد تصرفات اللاعبين، كما توجد أعرافًا منها مثلًا تحريم تعمد إصابة اللاعب المنافس و آليات تنفيذية تتمثل في حكام وحكام مساعدين يُناط بهم مسؤولية تطبيق القواعد الرسمية وغير الرسمية.

تختلف الطريقة التي تُمارس بها اللعبة فعليًا عن الهيكل الرسمي الذي وضع لها، إلى حد أنك إن نجحت في إصابة أهم لاعبي الخصم وأفلت من العقاب فمن المرجح أن تفوز بالمباراة. كذلك فإنه من الصعب جدًا تطبيق قواعد اللعبة بطريقة فعالة فالحكام لا يرون كل ما يحدث وقد يكونون منحازين أو مرتشين وقد لا تكون الأعراف قوية بما يكفي لحمل اللاعبين على الالتزام بمعايير الأمانة والشرف المرجوة.

يوحي كل هذا بوجود معضلة خطيرة في التحليل المؤسساتي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تطبيق النظرية المؤسساتية. وهي أن المؤسسات هي أفضل خيار لكنها بعيدة عن الكمال فيما يتعلق بالطريقة التي تحقق بها النتائج المرجوة، ولهذا يجب فهم كيف تعمل القواعد الرسمية و غير الرسمية وسبل التطبيق في أسواق معينة. لم تنجح في حالات وتخالف الغرض منها في حالات أخرى.

من أجل التغيير أولًا يجب فهم الطريق التي يعمل بها الاقتصاد الوطني، ولتحقيق هذا يجب فهم التفاعل البشري و قياس تكاليفه، وهذا ما يعرف بـ”تكلفة المعاملات”، وهي تكلفة قياس وتنفيذ العقود سواء كانت في الأسواق الرأسمالية أو سوق المنتجات أو الأنظمة السياسية.

فدون عملية القياس لن تفهموا المعوقات المؤسساتية التي تعترض طريق خفض تكاليف إجراء المعاملات.

مثال فنزويلا في التسعينيات وإفلاسها ولماذا لم يرد أحد شراء الأصول من الألمنيوم ومحطة كهرباء. أجاب دوغلاس نورث الرئيس الفنزويلي آنذاك بأن مشكلة عدم إرادة شخص ما لشرائها لأنها لا تساوي شيء، وهناك العديد من العوائق التي تعترض سبيل استخدامها والاستفادة منها.

كانت فنزويلا آنذاك تطبق نظام مكافأة نهاية خدمة يقضي بأنه من بين كل يومي عمل يقضيهما العامل في أحد المصانع يحق له الحصول على أجر يوم واحد إن استقال. وبناءً على هذا، إن استمر عامل في مصنع للفولاذ لمدة 10 او 15 عامًا ثم فُصل أو استقال فسيلزم صاحب المصنع بدفع ما يساوي أجر 4 أو 5 سنوات، وهذا فقط عائق واحد من بين العديد من العوائق للاستثمار والتجارة في فنزويلا.

قيمة الأصل لا تساوي ثمنه المباشر فقط، وإنما تتضمن أيضًا الأعباء المرتبطة بالأصل. إذن ما يجب فعله للنجاح هو تحسين الأداء وفهم العوائق القائمة. أولًا: الأهم هو فهم الموروث الثقافي القيم التاريخ والمؤسسات، عندها إن حاولت إجراء تغييرات ستفهم حدودها التدريجية لأنه لا يمكن إجراء تغيير كبير مرةً واحدةً، فهناك الكثير من أصحاب المنافع الذي يريدون حماية المؤسسات القائمة.

إذًا أولًا يجب فهم البنية الحالية للاقتصاد و لتكاليف المعاملات، ثانيًا: فهم الموروث الثقافي التاريخي وأن نعرف عوامل تحقيق نمو الانتاج والتي نعرفها بالفعل.

علاقة التقدم والنمو الاقتصادي بالمؤسسات

التنمية الاقتصادية هي إحدى ثمار إنتاجية أي اقتصاد لا أكثر ولا أقل. إن كان الاقتصاد منتجًا فسيصبح ثريًا، وإن لم يكن الاقتصاد منتجًا فسيصبح فقيرًا. وهكذا فما يجب أن نعرفه هو كيف ندفع الدول لتكون منتجة.

العوامل المؤدية للنمو الاقتصادي هي الإنتاجية، كما نعرف أيضًا نوعية المؤسسات التي تحقق ذلك النمو التي هي:

– حقوق ملكية محددة وواضحة توفر الحافز للناس ليصبحوا منتجين.

– نظام سياسي يرسي دعائم منظومة قانونية وقضائية تضمن تنفيذ العقود والاتفاقات بتكلفة منخفضة فلا يكفي أن تكون منتجًا بل يجب أن توفر الإطار المؤسساتي Institutional Framework لهذا.

للاستفادة من تلك الإنتاجية يتطلب وجود أطراف مستقلة تقوم على تنفيذ العقود والاتفاقات. ويجب أن يتم ذلك في مناخ متكافئ يوفر الفرص للجميع، وليس لقلة مختارة فحسب.

معرفة أسباب النمو الاقتصادي ليست إلا جزءًا من المعادلة، والجزء الآخر هو معرفة المؤسسات التي يجب توفيرها لتحقيق ذلك النمو، ويظل العامل الأهم هو معرفة كيف نوفر هذه المؤسسات؟

لماذا نحتاج إلى هذه النظرية؟

لم تُصمَّم النظرية التي وضعها علم الاقتصاد للتعريف بكيفية تحقيق النمو الاقتصادي، وضِعت النظرية التي نسميها النظرية الاقتصاية النيوكلاسيكية لشرح “طريقة عمل الأسواق المتقدمة و كيفية تحسين أداء تلك الأسواق”، ولكننا نواجه مشكلة مهمة وهي معرفة كيفية إنشاء أسواق فعالة. ليس فقط أسواق اقتصادية وإنما أسواق سياسية بالدرجة الأولى لأنها هي التي تضع وتنفذ القواعد الاقتصادية للعبة.

لذا إن لم تتوفر سياسة تحث على وضع قوانين حقوق ملكية ونظام قضائي فعالين فلن نحقق شيئًا.

تعاني نظريتنا الاقتصادية الحالية ثلاثة عيوبٍ:

  • أولًا – إنها غير احتكاكية: فإن نظرنا إلى افتراضات النظرية الاقتصادية سنجدها تفترض أن الأسواق تعمل جيدًا دون الحاجة لتكريس أي موارد لعملها كما تتجاهل دور الحكومات والمؤسسات فلا حاجة لها ويعرف الجميع كل شيء.
  • ثانيًا – الجمود: النظرية الاقتصادية الموروثة تهتم بأداء الاقتصاد في مرحلة زمنية معينة، وعليه فإن ما نستخلصه من دلالات من السياسة الاقتصادية لتلك المرحلة تعتبر تغيرات نهائية وثابتة ستؤدي إلى النتائج المرجوة دومًا. وهذا لا يفيد فنحن نعيش في عالم دائم الحركة والتغير وهو عالم يجب أن نتحلى فيه بفهم لعنصر الوقت وكذلك بوعي التاريخ فالماضي هو عماد الحاضر والمستقبل.
  • ثالثًا – إن الاقتصاد يفترض نفسه في عالم إرغوديكي Ergodic، العالم الإرغوديكي عالم يقوم على بنية أساسية ثابثة لذا فما علينا إلا العثور على تلك البنية الأساسية والبناء عليها مع حل أي مشكلات طارئة قد يسري هذا على علم الفيزياء الذي ورث عنه علم الاقتصاد تلك الفكرة. ففي علوم مثل الكيمياء أو الفيزياء أو علم الوراثة يمكن دائمًا العودة إلى الأصول لتحديد وحدة البناء الأساسية سواءً كان عنصرًا أو بروتونًا أو خلية عصبية أو وحدة وراثية، ثم البناء عليها لمواجهة أي مشاكل طارئة.

ليس لدينا شيئٌ كهذا في العلوم الاجتماعية، فكل المعضلات والأساسيات الخاصة بتلك العلوم موجودة في أدمغتنا فحسب لذا عند مواجهة مشاكل في عالم دائم التغير لا يجب علينا الاكتفاء بوضع التغيرات المتعلقة بالمشكلة موضع الحسبان وإنما أيضًا تنفيذ خطوة أصعب بكثير نواجه فيها معضلات جوهرية معقدة، وهي أننا ننشئ عوالم جديدة مستحدثة لم يكن لها وجود من قبل. لذا يُعدّ افتراض أن علم الاقتصاد إرغوديكي افتراضًا خاطئًا بكل بساطة.

المشاكل التي واجهها البشر خلال ثورة نيوليتيك ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد لا تشبه بالمرة المشاكل التي تلتها، وما أن نصل إلى الوقت الحاضر حتى نجد عالمًا مختلفًا تمامًا.

علينا مواصلة تعديل نظريتنا وفهمنا للعالم لأن الكثير من المشاكل التي نواجهها في العصر الحالي جديدة تمامٌا ولا توجد لها أصول تاريخية.

كيف نتغلب على هذا العيوب ؟

حل العيب الأول الوحيد يكون عن طريق المؤسسات.

حل العيب الثاني هو وضع الوقت وطريقة تعلم البشر مع مرور الزمن في الحسبان، فتبعية المسار هي تركة ثقافية موروثة من الماضي ونابعة من معتقدات ومؤسسات الماضي التي تميل إلى التحفظ الشديد كما تميل إلى توفير حماية تلقائية للهياكل القائمة.

إن أردتم تحسين الأداء المؤسساتي فعليكم فهم ثقافتكم وتاريخكم ومعتقداتكم ومؤسساتكم، وحينها يمكنكم تحديد كيف وإلى أي مدى يمكن تحسين الأداء بتعديل طريقة ممارسة اللعبة.

إذن فالجمود يتطلب فهمًا للتاريخ والماضي لتحديد وجهتكم، كما يتطلب الاهتمام بأهمية التعلم كعامل جوهري، فعليكم تعلم أكبر قدر ممكن عن طريقة عمل أنظمتكم لكي تفهموها وهذا سيؤدي إلى إمكانية التغيير.

أما النوايا أو المقاصد البشرية فتعني أن على المرء أن يسأل نفسه كيف يفهم الناس العالم من حولهم، علم الاقتصاد كما أؤمن هو نظرية عن حرية الاختيار ويجب فهم كيف يختار الناس مشكلة الاقتصاد التقليدي هي افتراضه أن الناس يعرفون كل شيء. يَعتبر افتراض العقلانية أن الناس على دراية كاملة ويعرفون كل البدائل ويتصرفون بناءً على حسابات منطقية صرفة ولكن الأهم والأكثر صعوبةً هو أن المعتقدات التي يعتنقها الناس تحدد نوع الحوافز التي يرون بأنها تصلح لهم.

حل العيب الثالث يكمن بأنه علينا الاهتمام بالتغيرات الجوهرية Fondamental changes على مر الزمن.

مثال أمريكا اللاتينية والتحول من عالم التبادل الشخصي إلى غير الشخصي

يُعد التحول من عالم التبادل الشخصي إلى غير الشخصي أكبر معضلة جوهرية تعانيها التنمية الاقتصادية في العالم، فقد استغرق الغرب من خمسة إلى ستة قرون حتى استطاع تدريجيًا تطوير المؤسسات التي مكنت من تحقيق عالم من التبادل غير الشخصي. ما يعني هو أنكم بحاجة إلى أسواقٍ رأسمالية، وتجارةٍ بعيد المدى، وتبادلٍ على المستوى العالمي، وتعاملٍ مع أشخاص لن تروهم ثانيةً، وكذلك إقامة المؤسسات التي تتيح هذا وتوفر الفائدة للأطراف المشاركة في هذه العملية.

التبادل الشخصي أمر طبيعي موروث جينيًا، على مدى ثلاثة أو أربعة ملايين عام، أما التبادل غير الشخصي فيتطلب تغييرًا جوهريًا لطريقة اللعب لتحقيق التعاون مع اشخاص لا نعرفهم، كما يتطلب أيضًا نظامًا سياسيًا يضع القواعد المشجعة لذلك التطور، ويحوي أيضًا آليات تنفيذية كالأنظمة القضائية والقانونية التي يمكنها تنفيذ العقود عبر الزمان والمكان لكي يمكن الاستفادة منها.

المؤسسات أنظمة محفزة لا أكثر ولا أقل. كونها أنظمة محفزة يجعل منها دليلا يوجه السلوك البشري فهي تحدد العقوبات والمكافآت لقاء القيام بأفعال معينة فعندما تكافئ العاملين المنتجين والمبدعين وتعاقب السلوكيات غير المنتجة وغير المبدعة حينها تصبح المؤسسات فعالة وهذا ما نحتاجه.

المصادر والمراجع:

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منحنى لافر: كيف يؤدي رفع الضرائب إلى تقليل عائداتها؟

الرأسمالية هي الطريق الأساسي للأخلاق