in

البنوك المركزية: السبب الرئيسي للأزمات المالية والاقتصادية (الجزء الثاني)

قبل متابعتك قراءة المقال في جزئه الثاني، المرجو قراءة الجزء الأول بالضغط هنا.

في مؤتمر شرفي بمناسبة عيد ميلاد ميلتون فريدمان الـ90 في سنة 2002 قام بن برنانك Ben Bernanke رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي الأمريكي بإلقاء خطاب بهذه المناسبة، وقال:

“فيما يتعلق بالكساد العظيم… نحن من قمنا بذلك، نحن آسفون جدًّا… لن نفعل ذلك مرةً أخرى”.

يُحدد سعر الفائدة في السوق الحرة فقط من خلال “الأفضلية الزمنية” Time-Preference لجميع الأفراد الذين يشكلون اقتصاد السوق.

جوهر القروض هو أن “المال الحالي” (الأموال التي يمكن استخدامها في الوقت الحاضر) يُستبدَل من أجل “سلعةٍ مستقبليةٍ”، سندات دين لا يمكن استخدامها إلا في مرحلةٍ ما في المستقبل. وبما أن الناس يفضلون المال في الوقت الحالي على الحصول على نفس القدر من المال في وقتٍ ما في المستقبل، فإن الاحتمال الحالي يحصل دائمًا على علاوةٍ في السوق في المستقبل وهذا القسط هو سعر الفائدة ويختلف ارتفاعه وفقًا لدرجة تفضيل الناس للحاضر أو للمستقبل أي درجة تفضيلاتهم الزمنية.

الأفضلية الزمنية للأشخاص تحدد إلى أيّ مدىً سيوفر الناس ويستثمرون مقارنةً بالمقدار الذي سيستهلكونه، إذا تراجعت التفضيلات الزمنية للأشخاص، أي إذا كانت درجة تفضيلهم للحاضر على مدى السقوط في المستقبل، فسيميل الناس إلى استهلاكٍ أقل الآن وتوفيرٍ أكبر واستثمارٍ أكثر. في نفس الوقت وللسبب نفسه فإن معدل الفائدة ومعدل خصم الوقت سوف يسقط أيضًا.

يأتي النمو الاقتصادي إلى حدٍّ كبيرٍ نتيجةً لانخفاض معدلات تفضيل الوقت، مما يؤدي إلى زيادةٍ في نسبة الادّخار والاستثمار مقابل الاستهلاك وكذلك إلى انخفاض معدل الفائدة.

ولكن ما الذي يحدث عندما ينخفض معدل الفائدة ليس بسبب انخفاض التفضيلات الزمنية وزيادة المدخرات، ولكن انخفاضه بسبب التدخل الحكومي الذي يعزز توسيع الائتمان المصرفي؟ وبعبارةٍ أخرى، إذا انخفض معدل الفائدة بشكلٍ مصطنعٍ، بسبب التدخل الحكومي وليس بشكلٍ طبيعيٍّ كنتيجةٍ للتغيرات في تقييم وتفضيلات الناس المستهلكين؟

ما يحدث هو مشكلةٌ كبيرةٌ بالنسبة لرجال الأعمال، فعند رؤيتهم لمعدل الفائدة ينخفض يتفاعلون كما هم دائمًا، ويجب أن يتفاعلوا مع التغيير في مؤشرات السوق فيقومون بالاستثمار أكثر في رأس المال وبضائع المنتجين. لأنه بالنسبة لهم الآن فالاستثمارات الخاصة في المشروعات الطويلة والمستهلكة للوقت والتي كانت تبدو غير مربحةٍ في السابق أصبحت تبدو مربحةً الآن بسبب انخفاض سعر الفائدة.

وباختصار فإن رجال الأعمال يتفاعلون كما سيتفاعلون إذا زادت المدخرات بشكلٍ حقيقيٍّ، فهم يوسعون استثماراتهم في المعدات المتينة، والسلع الرأسمالية، والمواد الخام الصناعية، والبناء مقارنةً بإنتاجهم المباشر للسلع الاستهلاكية.

وتقترض الشركات بسعادةٍ الأموال المصرفية الموسعة الجديدة التي تأتي إليها بأسعار فائدةٍ أرخص، فهم يستخدمون المال للاستثمار في السلع الرأسمالية، وفي نهاية المطاف تُدفع هذه الأموال من خلال ارتفاع الإيجارات على الأراضي وارتفاع الأجور للعاملين في الصناعات السلع الرأسمالية، ويزيد الطلب المتزايد على الأعمال من تكاليف العمالة. لكن تعتقد الشركات أن بإمكانها دفع هذه التكاليف المرتفعة لأنها خُدِعت من تدخّل الحكومة والبنك في سوق القروض وعبثيتها مع إشارة سعر الفائدة في السوق.

يتم إغواء الشركات بسبب العبث الحكومي وتخفيض معدل الفائدة بصورةٍ اصطناعيةٍ، وتتصرف الشركات كما لو أن هناك المزيد من المدخرات المتاحة للاستثمار مما كانت عليه بالفعل.

بمجرد ما تتم تصفية الأموال المصرفية الجديدة بواسطة النظام، وقيام المستهلكين بإعادة تحديد نسبهم القديمة، يصبح من الواضح أنه لم يكن هناك ما يكفي من المدخرات لشراء جميع سلع المنتجين، وأن الأعمال التجارية استثمرت المدخرات المحدودة المتاحة بشكلٍ سيءٍ. ترى الشركات نفسها قد استثمرت مبالغَ كبيرةً في السلع الرأسمالية ولم تستثمر في المنتجات الاستهلاكية.

وبالتالي تؤدي هذه الطفرة التضخمية إلى تشوهاتٍ في نظام الأسعار والإنتاج، بحيث تُرفع أسعار العمالة والمواد الخام في صناعات السلع الرأسمالية خلال فترة الازدهار الوهمية المرتفعة إلى أن تصبح مربحةً بمجرد أن يعيد المستهلكون تأكيد تفضيلاتهم السابقة للاستهلاك/الاستثمار.

عندها يُشاهد الكساد على أنه المرحلة الضرورية والصحية التي يوقف بها اقتصاد السوق الاستثمارات السيئة وغير السليمة لطفرة الازدهار، ويعيد تأسيس تلك النسب بين الاستهلاك والاستثمار التي يرغب فيها المستهلكون بالفعل.

ستكون فترات الازدهار قصيرة الأجل إذا كان التوسع الائتماني للبنك وما تلاه من دفع معدل الفائدة أقل من مستوى السوق الحرة، لكن الإشكال هو أن التوسع الائتماني ليس طلقةً واحدةً، بل يتقدم ولا يعطي المستهلكين الفرصة لإعادة تثبيت نسبهم المفضلة من الاستهلاك والادخار، ولا يسمح أبدًا بارتفاع التكاليف في صناعات السلع الرأسمالية للحاق بالارتفاع التضخمي في الأسعار، ويقوم السياسيون عبر البنك المركزي بالحفاظ على الازدهار الوهمي لتأجيل التعثر والكساد الذي لا مفر منه عن طريق جرعاتٍ متكررةٍ من الائتمان المصرفي، الشيء الذي يؤدي بانهيارٍ كاملٍ للاقتصاد.

هنا جاء الاقتصادي الكبير لودفيغ فون ميزس للوم الحكومة وبنكها المركزي على الدورة التضخمية التي تخلقها عن طريق التوسع الائتماني، أعطى حلولًا لما يجب اتخاذه من قرارات عند حدوث هذا الركود وما يجب على الحكومة القيام به في هذه الأثناء لمعالجة الكساد.

صحيح أن هذا سيؤدي حتمًا بالطفرة التضخمية فجأةً إلى نهايتها، وسيبدأ الركود المحتوم أو الكساد، لكن كلما طال انتظار الحكومة لهذا، كانت التعديلات الضرورية أسوأ. وكلما أسرعنا في إعادة التكيف مع الكساد كان ذلك أفضل، وهذا يعني أيضًا أنه يجب ألا تحاول الحكومة مطلقًا دعم مواقف الأعمال التجارية غير السليمة، ويجب ألا تنقذ أو تقرض المال لشركات الأعمال التي تقع في ورطة، لأن القيام بهذا سيؤدي ببساطةٍ إلى إطالة المعاناة وتحويل مرحلة الركود البسيط والسريع إلى كسادٍ طويل الأمد ومزمِنٍ.

يجب ألا تحاول الحكومة أبدًا دعم معدلات الأجور أو أسعار سلع المنتجين، فإن القيام بهذا سيؤدي إلى إطالة أمد عملية تعديل الكساد وتأخيرها إلى أجلٍ غير مُسمّى، التي ستؤدي إلى فترةٍ غير محدودةٍ من الكساد والبطالة في صناعات السلع الرأسمالية الحيوية.

يجب ألا تحاول الحكومة أن توسع التضخم مرةً أخرى من أجل الخروج من الكساد حتى لو نجح هذا التضخم فلن يؤدي إلا إلى زرع المزيد من المشاكل في وقتٍ لاحقٍ، يجب ألا تفعل الحكومة شيئًا لتشجيع الاستهلاك ويجب ألا تزيد نفقاتها، لأن ذلك سيزيد من نسبة الاستهلاك/الاستثمار الاجتماعي.

في الواقع خفض ميزانية الحكومة سيؤدي إلى تحسين النسبة، فما يحتاجه الاقتصاد ليس المزيد من الإنفاق الاستهلاكي ولكن المزيد من الادخار، لكي تتحقق من بعض الاستثمارات المفرطة للطفرة الازدهارية الوهمية.

وهذا ما حدث بشكلٍ مماثلٍ في أزمة سنة 2008 التي لا يتوقف اليساريون ومعارضو الرأسمالية واقتصاد السوق بلوم هذا الأخير على سبب حدوثها.

هذا ما يجب على الحكومة القيام به وفقًا لتحليل ميزس للكساد، وهو ألَا تفعل شيئًا على الإطلاق.

يجب من خلال نظرةٍ اقتصاديةٍ صحيةٍ، إنهاء الكساد بأسرع ما يمكن، وللقيام بذلك يجب أن تحافظ الحكومة على سياسة عدم التدخل الاقتصادية. أيّ شيءٍ ستفعله الحكومة سوف يؤدي إلى تأخير وعرقلة عملية تعديل السوق لنفسه، وكلما قل تدخلها تمّ تسريع قيام السوق بتعديل نفسه، وينتج عن ذلك تعافي الاقتصاد من الكساد.

وهكذا، فإن الوصفة الميزسية للكساد هي عكس الكينيزية تمامًا فيجب على الحكومة أن تُبقي أيديها بعيدةً كلّ البعد عن الاقتصاد، وأن تحصر نفسها في إيقاف تضخمها وتخفيض ميزانيتها الخاصة.


مصادر ومراجع:

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البنوك المركزية: السبب الرئيسي للأزمات المالية والاقتصادية (الجزء الأول)

مدرسة فرانكفورت – الجزء الأول