in

البنوك المركزية: السبب الرئيسي للأزمات المالية والاقتصادية (الجزء الأول)

[bs-quote quote=”لن تتمكن البنوك أبدًا من توسيع الائتمان لولا تدخل الحكومة وتشجيعها” style=”style-17″ align=”center” author_name=”موراي روثبارد”][/bs-quote]

نسمع دائمًا بمغالطةٍ شائعةٍ في النقاش الاقتصادي والسياسي، والتي تقول بأن نظام اقتصاد السوق الحر أثبت فشله، وكان سبب الأزمات الاقتصادية التي مرت بها العديد من الدول، لكن ما لا يعلمه أصحاب هذه المغالطة أنهم بعيدون كلّ البعد عن الإشارة إلى السبب الفعلي لهذه الأزمات المالية، التي سبّبها تدخل الحكومة في الاقتصاد من خلال البنك المركزي وفي هذا المقال سأحاول شرح هذا الأمر بطريقةٍ مبسطةٍ لكي يتمكن الجميع من فهم هذه المشاكل الاقتصادية.

تُعتبر الأزمة أو الركود في علم الاقتصاد فصلًا عاديًّا و طبيعيًّا في الدورة الاقتصادية، وعن طريق آليات السوق الحرة تعود الأمور إلى مجراها، وتعالج السوق التحديات والعوائق التي تشكلت، لكن الإشكال الكبير يوجد عندما تتدخل الدولة في الاقتصاد، وتحوّل هذا الركود البسيط إلى ركودٍ حادٍ يستمر لسنواتٍ عديدةٍ، ويخلق مشاكلَ أكبر. عانت أمريكا تحت نظام الاحتياطي الفيدرالي المركزي من أكثر الأزمات المالية والبنكية صعوبةً في تاريخها.

قبل تأسيس الاحتياطي الفيدرالي، كانت البنوك تعالج الذعر والمخاوف البنكية من الأزمات بنفسها، وتقوم بهذا على سبيل المثال من خلال اتحاداتٍ من المصارف الخاصة Urban Consortiums of Private Banks تُسمّى Clearinghouse.

إذا بدأت عند بنكٍ أو بعض البنوك مخاوفٌ في مدينةٍ ما تقوم Clearinghouse بالإعلان عن تعليق/إيقاف المدفوعات المالية مما يعني أنه لن تكون الودائع قابلةً للتحويل إلى نقدٍ مؤقتًا.

وبعد هذا تقوم البنوك الأكبر حجمًا والأقوى بأخذ زمام المبادرة لحل المشكلة، أولًا بتحديد أن البنوك التي كانت تحت هجمات التهديد متمكنةٌ وقادرةٌ على السداد، وثانيًا تقوم بإقراض الأموال النقدية للبنوك التي تحتاج ل سحب سحوبات.

تضر البنوك المركزية الناس والاقتصاد أكثر مما تفيدهم، وتقريبًا تمتلك جميع دول العالم اليوم بنكًا مركزيًا. تقوم البنوك التجارية بتقديم خدمةٍ ضروريةٍ في اقتصادات السوق، لكن حين تقوم الحكومة بخلق بنكٍ مركزيٍّ، فهذا يدمر عمل البنوك. الشيء الذي يؤثر بالدرجة الأولى على الاقتصاد والمواطنين.

في نظام السوق الحرة، تتعامل البنوك على حساب القانون الاقتصادي الشهير: العرض والطلب، ويتغير سعر الفائدة حسب السوق.

تلعب البنوك فقط دور المنسق بين خطط الناس (المدخرين والمستهلكين)، وهذا التنسيق مهمٌّ لأن لهذه الأموال علاقةً وطيدةً مع الدورة الاقتصادية، في أيٍّ من الأوقات يكون لدينا قدرٌ محدودٌ من المنتجات والخدمات في الاقتصاد، وإن لم يكن هناك تنسيق بين خططنا فلن تكون هناك أيّ سبيلٍ لمعرفة أيّ مشروعٍ نستطيع أن نعمله.

لقد تبين أن اختيار المشاريع التي يبدأها المستثمرون يتأثر كثيرا بسعر الفائدة (مدى غلاء اقتراض المال). في السوق الحرة تُحدّد أسعار الفائدة عن طريق التوازن بين المدخرين والمستهلكين، كلما زاد عدد المدخرين، زاد قدر التمويل المتوفر الذي يمكن اقتراضه، وكلما انخفض سعر الفائدة وقلّ عدد المدخرين، قلّ عدد التمويل المتوفر الذي يمكن اقتراضه وارتفع سعر الفائدة.

فحينما يكون الإقراض غاليًا، تكون المشاريع الأكثر أمانًا فقط من تتلقى التمويل، وعندما يصبح الإقراض رخيصًا يصبح بإمكان المستثمرين أن يبدؤوا مشاريع بعيدة المدى أو تتميز بمجازفةٍ أكثر. لكن عندما تتدخل الحكومة عن طريق البنك المركزي، فسعر الفائدة لا يعود يمثّل العلاقة الحقيقية بين المدخرين والمستهلكين.

في الحقيقة، ما تقوم به البنوك المركزية هو تخفيض سعر الفائدة عن قصدٍ في كثير من الأحيان لتساعد على تحفيز الاقتصاد. وتفعل هذا عبر خلق مالٍ جديدٍ تحقن الاقتصاد به، وبعد فترةٍ قصيرةٍ حين ينخفض سعر الفائدة عبر تدخل البنك المركزي يكون هناك ازدهارٌ زائفٌ، وهنا تقوم البنوك بخلق ما يُسمّى بـ Boom and Bust cycle، وهذا ما كان يدعو له الاقتصادي كينز والذي سبب مشاكلَ اقتصاديةً متفاقمةً للعديد من الدول، وهذا أيضًا ما يطبقه دومًا السياسيون الذين يريدون أن يبقوا في الرئاسة لمدةٍ أطول.

ما يحدث بسبب هذا التدخل هو أن البنوك تشرع في إقراض قدرٍ أكبر من المال في الحين الذي تبدأ فيه الشركات مشاريع جديدة وبعيدة المدى خلال توسعها. وللأسف يتبين أن العديد من هذه القروض تُعتبر استثماراتٍ سيئةً (لأنها زائفة)، وقد كان مقدرًا لهذا الازدهار أن يُعكس منذ البداية لينتهي بأزمة.

يحدث هذا، لأن عكس اقتصاد السوق الذي لا يقوم فيه شخصٌ مدخرٌ بالاستهلاك، ويدع شخصًا آخر يقوم بهذا، فعند تدخل البنك المركزي لخفض سعر الفائدة ونشر العديد من القروض يصبح الجميع مستهلكين في نفس الوقت. وهذا ما يسميه الاقتصادي الكبير لودفيج فون ميزس بـ الاستهلاك الزائد Over-Consumption.

مثال لتوضيح الاستهلاك الزائد:

 

إذا ظنّ بنّاءٌ ما بأن لديه 10000 طوبةٍ، وبدأ مشروع بناءٍ جديد في حين أن لديه في الحقيقة 1000 طوبةٍ فقط فسيكون قدره الفشل ثم سيكون هنالك انهيار لا يمكن تجنبه حين سيبدأ الطوب في النفاد منه. هذا ما يحدث بالضبط حينما تقوم البنوك المركزية بخفض سعر الفائدة بشكلٍ مُصطنع.

إن نظرنا لقدر المدخرات في الاقتصاد، فسنعلم أن عدد القروض التي أُعطيَت يفوق الحد، وتلك المشاريع الزائدة محكومٌ عليها بالفشل منذ البداية، وحين تمر الاقتصادات بسقوطٍ بعد تلك الازدهارات المصطنعة Artificiel booms تكون النتيجة الوحيدة هي الانهيار Bust.

يجب أن تفلس كلّ تلك المشاريع المحكوم عليها بالفشل، ويجب أن تُصفّى القروض السيئة، بمعنى أن مرحلة الكساد في دورة العمل تُعتبر مرحلةً خرجت من طفرة الازدهار التوسعية السابقة، ولا بد أن تخرج منها، إنه التضخم السابق الذي يجعل مرحلة الكساد ضروريةً فيمكننا أن نرى على سبيل المثال أن الكساد هو العملية التي يتكيف من خلالها اقتصاد السوق ويزيل التجاوزات وتشوهات الطفرة الازدهار التضخمية السابقة ويعيد تأسيس حالةٍ اقتصاديةٍ سليمةٍ.

الكساد هو ردُّ فعلٍ غير سارٍّ، ولكنه ضروريٌّ لتشوهات وتجاوزات طفرة الازدهار السابقة، لكن للأسف لا تحب البنوك المركزية بالسماح بحدوث هذا، وما تفعله في الغالب هو طباعة المزيد من المال وتخفيض سعر الفائدة أكثر، ونتيجة هذا هو إضافة الوقود للنار وجعل الانهيار الاقتصادي أسوء، وهذا ما حدث بالضبط سنة 1929 وسنة 2008.

يلوم البعض اقتصاد السوق الحر على هذه الأزمات باعتبار البنوك شركاتٍ خاصةً، لكن ما يحدث فعلًا هو كما ذكرنا سابقًا لن تستطيع البنوك أبدًا توسيع الائتمانات المصرفية إذا لم يكن هذا عن طريق تدخل الحكومة وتشجيعها، فإذا كانت البنوك في نظام سوق حرة تنافسية حقًا، فإن أيّ توسعٍ في الائتمان من جانب أحد البنوك سوف ينتج تراكمٌ سريعٌ لديون ذلك البنك عند منافسيه، وسيدعو منافسو البنك المتوسع بسرعةٍ من أجل استرداده نقدًا.

بمعنى أن منافسي البنك سيطالبون باستبدالها بالذهب أو بالنقود بنفس الطريقة التي يقوم بها الأجانب، باستثناء أن العملية أسرع بكثيرٍ، وأنها ستقضي على أيّ تضخمٍ أوليٍّ في المهد قبل البدء به. يمكن للبنوك أن تتوسع بشكلٍ مريحٍ فقط عندما يوجد بنكٌ مركزيٌّ، أو بنكٌ حكوميٌّ، يتمتع باحتكار الأعمال الحكومية، بحيث يتمتع بموقعٍ ذي امتيازٍ تفرضه الحكومة على النظام المصرفي بأكمله. فالبنك المركزي يكتسب سيطرته على النظام المصرفي من خلال بعض التدابير الحكومية مثل: التزاماته الخاصة للمناقصات القانونية لجميع الديون، والمستحقات الضريبية تمنح البنك المركزي احتكار مسألة الأوراق النقدية من خلال التأثير المباشر للبنوك على استخدام البنك المركزي كعميلٍ لديه للحفاظ على احتياطياته النقدية.

لا تشتكي البنوك من هذا التدخل، لأن إنشاء البنوك المركزية هو الذي يجعل التوسع الائتماني المصرفي طويل الأجل ممكنًا لهم، لأن توسع أوراق البنك المركزي يوفر احتياطاتٍ نقديةً إضافيةً للنظام المصرفي بأكمله ويسمح لجميع البنوك التجارية بتوسيع ائتمانها معًا.

تعمل البنوك المركزية مثل كارتل مصرفيٍّ إلزاميٍّ مريحٍ لتوسيع التزامات البنوك، وباتت البنوك الآن قادرةً على التوسع في قاعدةٍ نقديةٍ أكبر في شكل أوراق نقدية للبنوك المركزية.

وهكذا نرى الآن أخيرًا أن دورة الأعمال التجارية قد نشأت ليس بسبب إخفاقاتٍ غامضةٍ لاقتصاد السوق الحر بل العكس تمامًا، حدث هذا عن طريق التدخل المنظم من جانب الحكومة في عملية السوق. التدخل الحكومي يجلب التوسع المصرفي والتضخم، وعندما يصل التضخم إلى نهايته، يبدأ الكساد اللاحق.

ويؤكد التاريخ والأمثلة على هذا، فنجد فقط أنه بعد ما أُسِّس البنك المركزي أصبحت البنوك قادرةً على التوسع لأيّ فترةٍ من الوقت، وبدأت دورة الأعمال هذه جارية في العالم فقد حصل توسع الائتمان المصرفي في جميع أنحاء العالم الغربي خلال سنة 1920، بسبب الفشل الرئيسي للعالم الغربي في العودة إلى معيار الذهب الحقيقي (المال المدعوم بالذهب Gold Standard) بعد الحرب العالمية الأولى، وبالتالي أعطى مجالًا أكبر للسياسات التضخمية من قبل البنوك المركزية الحكومية بحيث تم توفير كمياتٍ ضخمةٍ من المال وائتمانٍ رخيصٍ في العشرينيات، مما أدى إلى توسعٍ سريعٍ وخلق فقاعة ازدهارٍ وهميةٍ.

بعد هذا قام الاحتياطي الفيدرالي باعتماد سياسةٍ نقديةٍ صارمةٍ في سنة 1929، مما أدى إلى حدوث ركودٍ اقتصاديٍّ قوي القرار الذي قام به المجلس الاحتياطي الاتحادي من أجل رفع سعر الفائدة في عامي 1928 و1929 في محاولةٍ للحد من المضاربة في أسواق الأوراق المالية. أدى هذا الإجراء إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة. ولأن معايير الذهب الدولية ربطت أسعار الفائدة والسياسات النقدية بين الدول المشاركة فإن إجراءات بنك الاحتياطي الفدرالي أدت إلى الركود الاقتصادي في الدول حول العالم. وكرر مجلس الاحتياطي الاتحادي هذا الخطأ عند الاستجابة للأزمة المالية الدولية في عام 1931.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

يُتبع… انتظروا الجزء الثاني من المقال.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأيفون الذي في جيبك قيمته بالملايين

البنوك المركزية: السبب الرئيسي للأزمات المالية والاقتصادية (الجزء الثاني)