in ,

فعالية المؤسسات؛ المغرب في مرآة بولندا

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2018-12-14 10:27:43Z | |

“حكيم” هو بائعُ سمكٍ مغربي له قناة على اليوتوب وصفحة على فيسبوك يحاول فيهما نقلَ أجواء السوق الأولية لبيع السمك والخاصة بالمهنيين حيثُ تُعقد المعاملات بين الصياديين والموزعين؛ فينقل الأسعار وأنواع الأسماك المتوفرة وينبه المستهلكين إلى ما قد يكون فرصة للغش والاحتيال مثل التشابه بين بعض الأنواع -التي يمكن أن يقدمها التجار- في الشكل، والاختلاف الشاسع في الطعم والجودة والثمن الحقيقي؛ مستغلين هوة المعلومات بينهم وبين المستهلك، فما كان من زملائه إلا مضايقته والتشويش عليه عندما يقوم بالتصوير وكان ذلك باستمرار ولا يكفون عن خلق مشكلات بينه وبين المسؤولين عن سير السوق وتنظيمها بدعوى الإضرار بهم.

يحوز تجار السمك على بطاقة مهنية تخول لهم الدخول إلى السوق دون غيرهم فالوظيفة هنا متوفرة بشكل حصري ولا يمكن اعتبارها سوقًا مفتوحة وحرة الولوج، مما يجعل فرص التواطؤ في السعر وتثبيته والتحايل في البيع عالية جدًا بل إنها ممارسات شائعة في الواقع.

يعمد أصحاب سيارات الأجرة في المغرب إلى تخصيص المناطق الجغرافية وتمييز السيارات بناء عليها سواء باللون أو مكان الرخصة المكتوب عليها، وعليه؛ لا يحق لسائق في منطقة غير منطقته أن يقل أشخاصًا بداعي مخالفة القواعد وإن فعل فسيتعرض للاعتداء اللفظي والجسدي، وعن حالة رصدتها شخصيًا مرتبطة بهذه القاعدة؛ بين مسار (أ) إلى (ب) هناك طلب كبير عليه في المقابل طلب منخفض على المسار (أ) إلى (د) ويصل ثمن الأخير لضعف ثمن الأول فما يفعله سائقو تلك المدينة هو الالتزام بعرض خدمة النقل بالمسار الثاني فقط الذي يتضمن النقطة (ب). أنت في هذه الحالة مرغم على دفع ضعف المبلغ للوصول إلى الوجهة (ب) وقلة قليلة من يَسمح له الكورتي (وهو اسم يطلق على من ينظم المحطة) بخوض المسار الأول والنتيجة طوابير طويلة جدًا تضجر فيها أو تدفع ضعف المبلغ رغمًا عنك.

إن الممارسات المذكورة لا علاقة لها بالسوق ولا بالمنافسة للأسف وهذه الاتحادات المهنية هي أشبه بمافيا وليس فقط في هذه المهن بل جل المهن تقريبًا. ويزيد من تأزم وضع المستهلك التمثيلية البرلمانية للغرف المهنية، إذ  يمكنهم الضغط للحفاظ على مصالحهم وهم يشكلون شريحة انتخابية مهمة تعمل الأحزاب السياسية على استمالتهم ونيل رضاهم.

هذا ما يسمى التنظيم المهني (Professional Regulation) وهناك نظريتان أساسيتان تناقشان جدواه وضرورته، الأولى هي نظرية المصلحة العامة (Public Interest Theory) والثانية هي نظرية المصلحة الخاصة (Private Interest Theory).

يعطي الاقتصادي البريطاني أرثر تعريفًا أشبه بالتبرير لنظرية المصلحة العامة فهي التنظيم الذي يسنه السياسيون الخيِّرون من أجل تصحيح فشل السوق وضمان جودة المنتجات وتحسين الرفاهية العامة.

على الرغم من أن التعريف ينطوي على عبارات تشي بسبب مصائبها مثل افتراض “السياسيين الخيرين” وبساطة القرار السياسي في خلق التنظيم إذ ينبع من الجانب الخيِّر فيهم ونواياهم، إضافة إلى افتراض فشل السوق وأن وصفة علاجها هي السياسة؛ وسبق أن أشرنا إلى العيب النظري والتجريبي للفكرة في مقال سابق، والأمر لا يقتصر على هذا التعريف بل إن الفكرتين المذكورتين هما أساس النظرية بأكملها على اختلاف صيغ التعريفات، ويضيفون سببًا آخرًا هو عدم تناسق المعلومات في السوق؛ فلا يستطيع المستهلك تقييم جودة الخدمة أو المنتج المقدم، ووفقًا لجورج أكرلوف -الذي ألَّف ورقة شهيرة عند دعاة التنظيم نشرت عامَ 1970 م وهي (سوق الليمون)- نتيجةً لعدم تناسق المعلومات يميل المستهلك إلى دفع متوسط سعر السوق ما بين السلع المنخفضة والعالية الجودة ولا يبيع البائع في هذه الحالة إلا السلع المنخفضة ومع الوقت سيُدفَع حاملو السلع الجيدة إلى خارج السوق ولهذا ينبغي تنظيم السوق وضمان الجودة للمستهلكين والأسعار العادلة للمنتجين.

في المقابل؛ هناك نظرية المصلحة الخاصة التي أثر في مضمونها ميلتون فريدمان وترى بأن التنظيم المهني من شأنه عدم حماية المستهلكين من المهنيين غير الأكفاء وغير النزيهين وتؤدي إلى انخفاض المعروض المهني الذي يقترن بأسعار غير تنافسية (أي لا تخضع لقانون العرض والطلب) بل محددة سلفًا من قبل المهنيين فإنشاء حواجز حول السوق لا يمكن أن يصب في مصلحة المستهلكين، وتعود جذور هذه النظرية إلى ما قبل فريدمان على الرغم من أنه أثر فيها من خلال أبحاثه المعاصرة لكن سبق لآدم سميث أن تنبه إلى الموضوع بحكم أن آفات التنظيم تظهر حتى في العصور الوسطى عندما كانت المهن مغلقة الولوج.

لم تترجم التجاربُ الدوافعَ النظرية للمصلحة العامة في حماية المستهلك والمهنيين، بالمقابل؛ وفرت نظرية المصلحة الخاصة البديل للدول التي ظهرت فيها أعراض غير مرغوب فيها عند تنظيم المهن؛ فاتجهت بعضها إلى الـ deregulation وتفكيك التنظيمات واستقينا المثال من دولة بولندا التي كانت تميل قوانينها المهنية للنظرية الأولى عند نهاية الثمانينيات مع ما يسمى قانون Wilczek ومطلع التسعينيات قبل أن تبدأ عملية التفكيك مع الألفية الجديدة بمجهود وأداء مؤسسي قوي لمجلس المنافسة وحماية المستهلك المعروف اختصارا باسم UOKiK.

كانت مهنة التوثيق في بولندا محاطةً بضوابط قانونية منها -مثلًا- تحديد أسعار الخدمات القانونية ونسب الربح في العقود وفترة التدريب والامتحان المهني الذي يكون على مسؤولية موثقين محترفين، هذا النوع من غلق المهنة أنتجَ بيئة خصبة للاتحاد المهني بغية مضاعفة الأرباح على حساب المستهلك عبر سن نظام داخلي يضبط عمل هؤلاء الموثقين في اتجاه استغلال هذه الوضعية، منها جعل الأسعار القصوى أسعارًا ثابتة ونفس الأمر للنسب ولا يجوز لأي موثق النزول عنها، كما جعل الامتحانُ بسبب التنظيم الموكل للموثقين نفسهم المحسوبيةَ أمرًا سائدًا في الولوج إلى المهنة ففي عام 1998 م فُحصَت بياناتُ المقبولين في الامتحانات فخلُصت إلى أن نحو النصف منهم تجمعهم علاقة قرابة مع الموثقين المعتمدين ولا تقف هذه المحسوبية عند الولوج فقط بل حتى عند مرحلة التدريب.

اتهم مجلس المنافسة وحماية المستهلك هذا الاتحاد المهني بإنشاء قواعد ضد مبدأ المنافسة؛ لكن الإجابة كانت غريبة فقد برروا أنهم ليسوا بمقاولين كي يلاحقهم المجلس أو يدعي خرق هذا المبدأ؛ فرُفعَت دعوى من طرف هذا الأخير ضدهم واحتجوا بالحجة المذكورة وأضافوا أن الدستور البولندي يضمن الحق للمهنيين بالتنظيم الذاتي وأن القانون الداخلي هو نوع من ذلك؛ فحكمت المحكمة لصالح الاتحاد لكن مجلس المنافسة طعن عند المحكمة العليا التي ألغت الحكم وأرجعت القضية للمحكمة وهذه المرة حكمت لصالح المجلس.

في عام 2003 تم إعداد مشروع قانون ينص بأن وزير العدل هو من سيكون مسؤولًا عن امتحانات الولوج إلى المهنة ونزع الاختصاص من الموثقين، وأتاح لبعض أصحاب المهن القانونية اجتيازَ الامتحان ومباشرة عملهم في حالة الاجتياز دون تدريب، أثار مشكلات سياسية كبيرة بسبب اعتراض الغرفة المهنية وادعت أنه غيرُ دستوري وسيساهم في خفض جودة الخدمات القانونية وقدوقع صراع طويل لا داعيَ لاستعراضه ولا يمكنه فهمه بشكل واقعي إلا باستعارة نهج مدرسة الخيار العام، بالنتيجة؛ أخرت المجادلات صدور القانون إلى عام 2005 الذي مر من عنق الزجاجة حيث نال أغلبية ضئيلة جدًا.

لم يكف المجلس عن هذا؛ فنشر تقريرًا يهاجم فيه القانون الداخلي لهذه المهنة كونه يتضمن بنودًا أخرى معرقلة فيما يتعلق بفتح المكاتب إذ ينص المكتب الإقليمي للموثقين بضرورة التأشير على المقرات بداعي المزاحمة والتأثير على مداخيل الزملاء في المهنة، كانت الخطوات المتبعة لرفع الضوابط المعرقلة على هذه المهنة بين عامي 1991 و2013 الأثر الإيجابي على المهنيين الجدد إذ زادت من نزاهة الامتحانات وقللت من ابتزاز المشرفين على التدريب وعلى كلفة فتح مكاتب وحرية فتحها في المكان المناسب له، فلا أحد يريد الإضرار بنفسه وإذا رأى احتمالية نقص عدد الزبائن في حالة المجاورة مع مكتب آخر إلى حدِّ جعل الأرباح ضئيلة فقد لا يلجأ إلى ذلك لغاية الربح والحفاظ على رابطة الزمالة وحتى إن افترضنا أنه غبي وأنشأ مكتبًا هناك فسيتحول الأمر في الغالب لتجربة سيئة مع اختيار المقرات تتناقلها ألسن الزملاء وباعثًا على عدم تكرار الأمر، ثم إنه لن يستمر في التجربة فسرعان ما سيكتشف خطأه، أشادت المفوضية الأوربية بإصلاحات بولندا في هذا المجال إذ تغير متوسط سن الممتهنين من 40ــ45 إلى 30ــ35 كما أصبحت كلفة الخدمات القانونية أقل بسبب جعل البيئة المهنية أكثر تنافسية وأهم شيء هو أن العقوبات والجرائم المرتبطة بممارسة المهنة لم تعرف تزايدًا؛ الأمر الذي يحرج حجة تدهور جودة الخدمات وتعزيز السلوك الانتهازي بسبب قلة الضوابط على الولوج والتخفيف من سلطة الاتحاد المهني الذي يسن القانون الداخلي وما يسمى أخلاقيات المهنة، دون أن ننسى الفضل لمؤسسة مجلس المنافسة التي قامت بعمل جبار من خلال رفع دعاوى قضائية ونشر تقارير للعموم من أجل تسليط الضوء على هذه الممارسات مما يجعلها قضايا متداولة على المستوى الشعبي والسياسي.

لم يكن وضع مهنة سائقي سيارة الأجرة أفضل حالًا؛ فكانت هناك تنظيمات تعيق الولوج والمنافسة؛ وكانت الامتحانات المهنية تتطلب السجل العدلي والخبرة واجتياز امتحان عن طوبوغرافيا المدينة، فضلًا عن قوانين تحدد الأسعار وعدد السيارات الممكنة بداعي التلوث والازدحام وعدم السماح بالعمل خارج المنطقة المحددة لك، لم تكن تصورات المجتمع البولندي عن هؤلاء المهنيين جيدة فهم أشبه بالمحتالين يستغلون أدنى فرصة للنصب عليك؛ وقد حاولت السلطات المحلية في بعض المدن تنظيم المهنة أكثر وألزمت السائقين بوضع المعلومات الشخصية بشكل مرئي ومتاح للراكب لكن الأمر لم يتحسن، لم يغفل مجلس المنافسة عن هذه الممارسات وانتقد قوانين الولوج كونها تتيح التواطؤ في الأسعار واقترح بدل فصل مناطق، توحيدها ورفع الحد المفروض على عدد السيارات الممكنة، حاول السائقون الضغط بمختلف الأشكال على السلطات البلدية لعدم فتح الولوج للسوق أو إسقاط الاختبارات واستغلوا تنظيم اليورو في عام 2012 بالبلد ليهددوا بالتوقف عن العمل في ابتزاز كبير احتجاجًا على مشروع القانون الذي سينضم المهنة ويفكك بيئة ممارستها السلبية، تنازل القانون عن بعض المقتضيات كاستبعاد الامتحان والتدريب وسمحت للبلديات ذات الـ 100 ألف نسمة أو أكثر بحرية اتخاذ هذا الإجراء لكن ألزم رفع القيد على عدد السيارات الممكنة.

للإشارة إلى أنه قبل عملية الإصلاح كان عدد السيارات في تناقص قبل أن يأخذ في الاستقرار مع دخولها حيز التنفيذ وفي تقرير للمفوضية الأوروبية في عام 2013 أشار إلى أن متوسط سعر الخدمة أخذ في الانخفاض، في عام 2014 لوحظت مفارقة عجيبة هي أن المدن التي حافظت على شروط المهنة كما في السابق سجلت شكاوى أكثر بالنسبة لكل 1000 سائق مقابل المدن التي ألغت الشروط؛ مما يحرج أيضًا حجة أن التخفيف من هذه الشروط قد يزيد من المتطفلين وأصحاب السلوك السيئ بالمهنة.

كما هو واضح في التجربة البولندية التي اخترنا منها المثال بمهنتين؛ فقد أدى مجلس المنافسة دورًا كبيرًا وأبان عن فعاليته وهنا يُكشف تميز الطرح المؤسساتي فلا يكفي تبني توجه اقتصادي قادر على خلق النمو بل يتوقف الأمر أيضًا على دور المؤسسات سواء الرسمية أو غير الرسمية وهذا غالباً ما يفرق بين دول قد يتبنون نفس التوجه لكن يحصلون على نتائج مختلفة.

فلا يكفي أن تنشئ سوقًا اقتصادية بل يجب أن تكون سوقًا فعالة وهنا يكمن دور القانون الذي يعتبر محفزًا بتنظيمه لقواعد اللعبة ووضوحها كالأمن العقاري وحماية الملكية والأمن التعاقدي بضمان إنفاذ العقد وعدم التملص والوفاء بالالتزامات والمساطر القضائية غير المكلفة والمساواة القانونية أمام المحاكم؛ وغالبًا ما يختصر هذا في (سيادة القانون- Rule of Law) ودأبنا في المغرب على استخدام مصطلح دولة الحق والقانون الذي لا يختلف معناه تقريبًا وهو مشروع وليس واقعًا، فالدرس المستفاد من سرد الأمثلة ليس نوع الأفكار التي تخلق الازدهار بقدر ما هو مدى فعالية المؤسسات في خلقه.

يتعرض المؤسساتيون لهذا النوع من الأسئلة في تحليلهم يقول أحد رواد هذا الاتجاه (دوغلاس نورث):

”كيف تتعاملون مع أصحاب المنافع المكتسبة الذين يريدون منع الإصلاحات؟ من الواضح أن هذا السؤال هو السؤال المحوري في كيفية التعامل، إن الطريقة الوحيدة التي ستتبعونها في التعامل معهم هي أن تعرفوا ما يكفي من المعلومات عن المؤسسات القائمة ـ والمنظمات التي تدعمها ـ التي تعارض الإصلاح ومن ثم فإنكم ستكونون قادرين على فهم الدرجة أو المستوى الذي تستطيعون عنده أن تغيروا الطريقة التي تؤدى بها اللعبة، وهذا يتطلب توفر معرفة جوهرية لا بالمؤسسات فحسب، بل وبالمنظمات القائمة ومصالحها، إضافةً إلى معرفة طريقة عمل النظام السياسي في البلاد”

عند الحديث عن التنمية غالبًا ما يُتَجَاهل السؤال عن المؤسسات؛ ألم نتأخر في إنشاء مجلس المنافسة الذي لم يرَ النور إلا في عام 2008؟ وحتى يومنا هذا وعلى الرغم من الارتقاء بمهام المجلس الدستورية في عام 2011؛ لا يزال يتمتع بأداء هزيل، فإذا دخلت إلى خانة الأبحاث والدراسات بموقعه لن تجد إلا البياض (ولا حتى دراسة واحدة) ليبقى تحرير الاقتصاد مرهونًا بعيب وظيفي في مؤسساته وهيكلي في بنيته الاقتصادية.


  • بواسطة: Samir EL Abadi
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة Samir EL Abadi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الحرية الاقتصادية – 2: سيادة القانون

الحرية الاقتصادية – 3: حجم الحكومة