in

ضخ الأموال في الاقتصاد والتضخم: الفرق بين الحقيقي والاسمي

إن عكسَ “الحقيقي” في الاقتصاد ليس “مزيفًا”؛ إذ تشير كلمة “حقيقي” إلى السلع بينما يشير العكس “الاسمي- Nominal” إلى المبالغ بالدولار مثل الأسعار. لنفترض أنك تكسب 10 دولارات لقص حديقة جارك ثم تأخذ 10 دولارات إلى المخبز لشراء كعكة شوكولاته، فإن دخلك الاسمي هو 10 دولارات أما دخلك الحقيقي هو كعكة شوكولاته واحدة. كانت النفقات الاسمية لجارك 10 دولارات، إلا أن التكلفة الحقيقية لهم في “قص الحديقة” هي أنهم ما كانوا سيشترونه بعشرة دولارات لو لم يوظفوك؛ حصل الخباز على 10 دولارات في الدخل الاسمي بينما دخله الحقيقي هو القوة الشرائية لتلك الدولارات العشرة، بمعنى آخر؛ أي شيء قادر على شرائه بالعشرة دولارات المتوفرة لديه.

حين التحدث من منظور اقتصادي، فإن الأجور الاسمية هي مبلغ ضخم بالدولار؛ لكنّ الأجور الحقيقية هي جميع السلع الاستهلاكية التي يشتريها الناس بالدولار الذي يتلقونه مقابل عملهم وينطبق هذا التمييز على المنتجين أيضًا؛ يشمل الإنفاق الاستثماري الاسمي جميع مشتريات عوامل الإنتاج ويشمل الاستثمار الحقيقي جميع عوامل الإنتاج التي تُشترى. تتوافق التغييرات -عادةً- في متغير اسمي ومتغيره الحقيقي؛ فإذا زاد دخلك الاسمي عنى ذلك -عادة- أن دخلك الحقيقي يزيد أيضًا وإذا ربحت المزيد من المال عنى ذلك تمكُّنك من شراء المزيد من السلع؛ ولكن ليست الحال هكذا دائمًا.

يصبح مفهومي الحقيقي والاسمي مفكك عندما يتغير شيء آخر؛ لنفترض أن دخلك الاسمي يزيد بـ 10%، وتزيد أسعار جميع السلع التي تشتريها أيضًا بنحو 10٪، لم يتغير دخلك الحقيقي في هذه الحالة وقد يكون لديك المزيد من المال؛ لكنّك لا تستطيع أن تشتري بأموالك عددًا أكبر من السلع.

في الواقع؛ يمكن أن تزيد الدخول الاسمية في بعض الأحيان بينما تنخفض الدخول الحقيقية. يمكن أن يحدث هذا على نطاق واسع عندما يكون لدينا “تضخم“؛ إذا زاد العرض النقدي تزداد الدخول الاسمية مع تدفق الأموال الجديدة في الاقتصاد، فيزيد المستخدمون الأوائل للمال الجديد من استهلاكهم للسلع الموجودة قبل ارتفاع الأسعار، مما يقلل من مخزون الدخل الحقيقي لأي شخص آخر. هكذا تزداد دخولهم الاسمية في وقت ما، وكذلك أسعار السلع بشكل عام، إلا أن دخولهم الحقيقية تنخفض.

يمكننا مناقشة الادخار الحقيقي والاسمي أيضًا: الادخار الاسمي طوال فترة زمنية معينة هو الفرق بين الدخل الاسمي والإنفاق الاستهلاكي الاسمي، أما الادخار الحقيقي هو جميع السلع المخصصة لاستهلاك لاحق. يشمل هذا جميع الأدوات والآلات ووجبات العشاء المجمدة والنبيذ في القبو، طالما أن هذه الأشياء لا تُستهلَك أو تُستخدَم للتمتع في الوقت الحالي.

يواجه المدخرون والمقترضون بعضهم بعضًا في أسواق القروض. ما يحدث في عملية الإقراض من الناحية الاسمية هو أن المدخر يقرض المقترض مبلغًا معينًا من المال الحالي، ويتعهد المقترض بدفعه في المستقبل بالإضافة إلى الفائدة على القرض. تتبع الموارد الحقيقية المالَ في الأوقات العادية ولا يسلِّم المدخر الأموال فقط، ولكنه بذلك يتخلى عن مطالبته بالسلع الحالية، ولا يتلقى المقترض المال فحسب، بل أيضًا القدرة على شراء السلع في الوقت الحالي.

عندما تزيد البنوك المركزية من عرض النقود، فإنها تفعل ذلك من خلال أسواق القروض، إذ إن الوسطاء الماليين هم أول من يتلقى النقود الجديدة ثم ينفقوها. تبدو الأموال الجديدة مثل المدخرات الإضافية، بينما هي في الواقع ليست كذلك!

الآن يمكننا استخدام كلمة “وهمية”؛ بمعنى ما، فإن الأموال الجديدة هي “ادخار مزيف” مزيف لأنه يحملنا على الظن أن هناك زيادة في المدخرات الحقيقية، بينما في الحقيقة يكون هناك بالفعل انخفاض في المدخرات الحقيقية. في الوقت نفسه، هناك زيادة في الاقتراض الاسمي والاستهلاك الاسمي والاستثمار الاسمي والأجور الاسمية – كل شيء اسمي يزداد. يبدو الواقع الأساسي، في ترتيب الاستهلاك والسلع الرأسمالية، مختلفًا تمامًا.

بعد التوسع الائتماني المصطنع يزداد الاستهلاك الحقيقي على المدى القصير ولكنّ الاستثمار الحقيقي ينخفض، كما تنخفض الأجور الحقيقية مع مرور الوقت، بعد توقف الاستهلاك المفرط للسلع الحالية في الاقتصاد.

إن التمييز بين الادخار الفعلي والادخار المزيف أمرٌ مهم. يؤدي الادخار الفعلي إلى النمو الاقتصادي؛ حين يخصص الناس الموارد للمستقبل فإنهم ينتجون أكثر ويوفرون مستقبلًا أكثر ازدهارًا بينما يؤدي الادخار المزيف إلى الخراب؛ قد يعزز هذا المتغيرات الاسمية فترةً قصيرةً، ولكن المتغيرات الحقيقية هي التي تهيّء الاقتصاد للانهيار.

المصدر:  دورة اقتصادية من طرف مؤسسة التعليم الاقتصادي Foundation for Economic Education


  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

#عن_الحرية: سبينوزا وإشكالية الحرية

#عن_الحرية: كيف ساهم لودفيج فون ميزس في إنشاء أكبر شركة خاصة في العالم