in

هل فعلًا يمكن للدعم الحكومي إنشاء بيئة ابتكارية؟

ظهرَ مؤخرًا في المغرب -وبالتوازي مع تصريحات أحد الوزراء بتصنيع الكمامات وأجهزة التنفس- انطباعٌ عامٌ بأن الدولة يجب أن تدعم المشاريع والابتكارات وبأنه لن يمكن لهذه الابتكارات أن تتم إلا من خلال دعمها. نجد نفس الأمر في الغرب بخصوص مسألة الدعم، غير أن النتيجة المأمولة مختلفة؛ فإذا كان في حالتنا كدولة نامية هو قيام بيئة ابتكارية غير موجودة لدينا، ففي الدول المتقدمة هو أن معيار الربح المطبق في السوق لا يمكن أن يحكم جدوى الابتكارات وفائدتها؛ لأنه يهدر الكثير من فرص الابتكار التي يمكن أن تكون ذات فائدة، المسألةُ هُنا أشبه بحالة إعادة تخصيص الموارد وتوزيعها على مجالات الابتكار- على فرض أن السوق الحرة فاشلة في توزيع الموارد.

باختصار؛ هناك محاولة لتعويض السوق ببيروقراطية حكومية أي أن يحل التمويل الحكومي بدلًا من التمويل الخاص وأن يحل تفضيل البيروقراطيين لمنتج أو مجال معين بدلًا من تفضيلات المستهلكين وأن تحل المكافئة الحكومية بدل مكافأة السوق في المنافسة.

هناك شخصية اقتصادية وراء هذه الفكرة وتتمتع بصدى إعلامي كبير وهي ماريانا مازيكاتو Mariana Mazzucato؛ مما أتاح ترويج هذه الفكرة على المستوى الشعبي والمرجح استثمارها سياسيًا بعد أزمة كورونا، من الممكن أن تكون بعض المجالات -فعلًا- لم تأخذ حقها لكن يجب -دائمًا- أن نحكم على أي سياسة حكومية من منطلق النتائج لا النوايا.

تطرح فكرة دعم الابتكار عدة مشكلات أولها مشكلة المعرفة، وحجةُ الاقتصادي فريدريك هايك على المستوى النظري جدُّ قوية في هذا الخصوص. وتكمن المشكلة الثانية في النتائج التجريبية لسياسات دعم الابتكار في البلدان التي نهجتها مع التركيز على البلدان التي تتمتع بجهاز حكومي عالي الكفاءة (ألمانيا والسويد). والمشكلة الثالثة هي تشويه نظام الحوافز وهو نقطة ضعف نظرية أخرى زيادة على المشكلة الأولى التي تظهر بالفكرة.

فالسؤال الذي يتفرع عن المشكلة الأولى هو: ماذا يمكن أن يعرف البيروقراطي عن السوق؟ وهل يستطيع الإحاطة به؟ خصوصًا إذا ما عرفنا أن القيمة هي أساس تفضيلات الأفراد وأن الظواهر الاقتصادية هي ذاتية وتنبع من تجارب فردية مع المنتجات وهذه التفضيلات عرضة للتغير مع الزمن، قد تعطيك الإحصائيات معلومات عن السوق ولكن فقط بمثابة محصلة لتصرفاتٍ اقتصادية فردية، وذلك على المستوى الكمي فقط وليس على المستوى النوعي (أي على مستوى القيمة) الذي يحدد جدوى المُنتَج بالنسبة للمستهلك قبل التصرف النهائي. وبالتالي، نحن دائمًا متأخرون بخطوة عن معرفة تفضيلات الأفراد التي تتسم بالتعقيد البالغ، حتى اليوم بدأت علوم الاقتصاد تدخل كعلم الأعصاب في محاولة لكشف المزيد عن العوامل التي تتحكم بالظواهر الاقتصادية.

لا يختلف منطق مسألة الابتكار؛ فإذا كانت مشكلةٌ اقتصادية مرتبطة بالابتكار فهي مشكلة اكتشاف القيمة وليس عدد الاختراعات أو مجالها وعليه؛ سيكون سياق معالجة هذه المشكلة هو السوق، لا مكاتب البنايات الحكومية؛ لأن السوق هي التي تحكمها عملية الاكتشاف -بالتعبير النمساوي- وليس مكتب السيد الوزير.

أضف أن سياسات الدعم قائمة على افتراض آخر غير الافتراض المتعلق بفكرة أن “السوق تفشل والحكومة تصحح” وهو أن الدعم يساعد في نشر المعرفة وإعادة توليدها ولكن هذا يعتمد على نشرها وتسويقها ما يُعَدّ الوسيلة الأنجع هي الاستغلال التجاري ولا يكون هذا إلا بتطابق الاختراع مع الموارد المالية والإدارية المناسبة التي تنجح في التسويق والاستغلال وعلى الاستعداد لتحمل المخاطر العالية، ففي حالة الفشل تقع الكلفة بالأساس على المُبادِر لكن من الغبن تحمل فشل في مشروع من دعم حكومي لأن التكلفة تقعُ على عاتق الجميع وهي الحالة الواردة غالبًا بحكم أن الحكومة تتمتع بقصور في المطابقة بناء على وسائلها ومعلوماتها التي لا يمكن أن تحل محل السوق، وأظن أنه يكفي من التوسع في هذه النقطة والإسهاب في الجانب النظري المتعلق بها.

النقطة الثانية هي تجارب الدول في سياسات الصناعية والابتكارية و نرجع مرة أخرى لماريانا مازيكاتو التي ألفت كتابًا في عام 2013 تدعي فيه قدرة الدولة على أن تكون رائدة في الابتكار وليس فقط في دعمه، وتقدم أمثلة بطابع قصصي عن بعض الاختراعات التي خرجت من القطاع الحكومي الأمريكي وليس من القطاع الخاص، وهنا تقع ماريانا في خلط بين الاختراع Invention والابتكار innovation الأول يعني اختراع شيء جديد كيفما كان نوعه بينما الابتكار هو استثمار الاختراع وتحويله لمنتج ذو فائدة قد يساهم في تغيير السلوك وفي التفاعلات الاقتصادية والمجتمعية، وهناك سنويًا ربما قائمة بالاختراعات المضحكة التي لا طائل منها ومع ذلك ينطبق عليها وصف اختراع، فالآيفون مثلًا قيمته هي نتيجة عملية اكتشاف في السوق وليس في المختبر.

فضلًا عن بعض الأخطاء في السرد القصصي لتلك الاختراعات التي استشهدت بها ماريانا؛ حسب مراجعة كتابها التي أنجزها كريستيان ساندستروم -أحد الاقتصاديين الشباب- فقد كان كتابها يتجاهل تحديد المساهمة الحقيقية للحكومة في ميدان الابتكار، ثم إن الطريقة التي تحاول الدولة أن تساهم بها في دعم المشاريع تكون إما بالقروض التفضيلية أو المنح، وهناك طرائق غير مباشر كالتخفيضات الضريبية وغالبًا ما يتم انتقاء الشركات لاعتبارات مختلفة؛ ففي أمريكا وألمانيا وإيطاليا كانت برامج حاضنات الأعمال تدعمها الحكومة بقصد الاستمرارية في السوق. قورنت هذه البرامج مع الشركات غير المدعومة، وقد كانت النتائج متباينة غير أن المتوسط هو أن النوع الأول لا يقدم أداء أفضل مما يقدمه النوع الثاني.

هنالك أمرٌ آخر هو أن الدعم من شأنه تعزيز سلوك انتهازي للشركات بعد مغريات الدعم وستستبدل استهداف المال الخاص للتمويل بالمال العام؛ الأمر الذي يجعلها تستمر لكن دون إلزام بتحسين الإنتاجية أو الابتكار و تصبح “subsidy entrepreneurs”، أضف أن القروض التي كانت تعطى في ألمانيا تمت دراستها في عام 2018 وظهر أنها لم تكن تذهب للشركات المستحقة حسب المعايير بل للشركات التي يمتلك أصحابها روابط شخصية مع الموظفين في المرافق المضطلعة بمهمة تقديم القروض، يعني الفساد في مجتمع على درجة عالية من أخلاقيات العمل والثقة في المؤسسات، فما بالك في بلدان أقل من ألمانيا! *

وسبق لجوش ليرنر Joshua Lerner  أن ألّف كتابَ “Boulevard of Broken Dreams” فيه الكثير من الأمثلة التجريبية، فلا داعي لسرد كل حالة على حدة وخلص بالعبارة الآتية:

” مقابل كل تدخل حكومي فعّال هناك العشرات -بل وحتى المئات- من الإخفاقات حيث لم يؤتِ الإنفاق العام الضخم أي ثمرة”.

و هذا سيؤدي بنا للفت الانتباه إلى عيب نظري وتجريبي لفرضية “فشل السوق” وهي افتراض أن السياسة أو التدخل الحكومي يصحح ما تفشل فيه السوق على الرغم من أن التجربة لا تدعم الافتراض ونظريًا غير منطقي لأنه يفترض أن التدخل هو ¨ناجح¨ دائمًا و كأنه مسلمة، فكيف إذا رُبِط فشل الأسواق بالتدخل الحكومي؟ أو على الأقل بعد تجارب أدت إلى نتائج غير مرغوب فيها أن يتم تبني عبارة فشل السياسات العامة “Policy failure” أسوة بالعبارة المرددة: فشل السوق “Market Failure”؛ لكن الاعتقاد ما زال سائدٌ لأسباب غير مفهومة من الناحية العلمية.

النقطة الثالثة هي تشويه الحوافز والمعلومات في السوق؛ يجب أن يفهم الجميع نقطة رئيسة في الاقتصاد، هي أنه مرتبط بالتصور الذي ذُكر في أدبيات “المدرسة النمساوية” وهو أن الخطأ وانهيار بعض الشركات نتيجة أخطائها في السوق هو أمرٌ عادي وطبيعي جدًا؛ لأنه يعتبر امتدادًا للسلوك الإنساني. فغالبًا ما يكون أصحاب التدخل الحكومي مدفوعين بتصورات مثالية للاقتصاد وبأن أي انهيار هو عيب يجب ألا يقع في الأصل، إن معضلة المعلومات وتشتتها جزء من السوق ويكون سوءُ التقدير أحيانًا نابعًا منها وهناك الكثير من الشركات انهارت أو تدهورت بسبب استثمار خاطئ كحالِ شركة نيتاندو Nintendo على سبيل المثال.

 فما هي الضمانة التي يمكن أن تكون لدينا بأن الفاعل الحكومي لن يسري عليه ما يسري على الفاعلين الخواص على الرغم من أنهم مجندون بإمكانيات كبيرة ويعانون من معضلة المعلومات عن السوق وبالتالي فأن تكون لنا حكومة تنتقي مشاريع معينة أو تدعم مقاولات بعينها ينطوي على عيب نظري زيادة على أن تكلفة الفشل سيتكبد عناءَها جميع دافعي الضرائب.

نقطة أخرى هي مشكلة الحوافز؛ فبالإضافة إلى مثال ألمانيا، شجعت القروض الحكومية على انحراف العديد من الشركات وتشويه الحافز الاقتصادي لديها؛ إذ أسفرت عن سلوك انتهازي كما وقع في إسبانيا عندما دعمت الحكومة الابتكار في مجال الطاقات المتجددة لكن أسفر ذلك عن خلق فقاعة في هذه المشاريع إلى الحد الذي أصبحت عنده الحكومة غير قادرة على مواكبتها فاضطرت لوقف الدعم.

ثم إن حافز الحكومات يثير إشكالًا؛ فغالبًا ما يتجه السياسيون لاستثمار هذا الدعم لمصالح انتخابية ويفضلون النتائج القصيرة الأمد على تلك الطويلة (التفضيل الزمني).

نحن فعلًا دولة تحتاج إلى الابتكار وإقلاع اقتصادي ونفخر إذا كان لنا بحث علمي متطور ولكن دائمًا السؤال يجب أن يكون: كيف؟ وهل الكيفية مجربة؟ وما كلفتها؟ فعادة ما يمكن للسياسيين استثمار هذه المشاعر والرغبات انتخابيًا ويتفننون في إظهار نوايا سياساتهم الطيبة سواء تعلق الأمر بالحمائية أو الدعم الحكومي لكن النتائج دائمًا ما تكون محبطة بسبب عيب مزمن في العمل الحكومي عندما يكون الأمر متعلقٌ بالتدخل في الاقتصاد.

https://bit.ly/3baR7w5 *


  • بواسطة: Samir EL Abadi
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة Samir EL Abadi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قتل الأسواق: أسوأ خطة ممكنة!

فيلم The Way back