in

الحرية الاقتصادية: سياسات التقدم الدائم والازدهار

لبناء عالم أفضل، يجب أن نتحلى بالشجاعة لبداية جديدة؛ يجب أن نزيل العقبات الآتية من حماقة الإنسان التي تعوق مسارنا مؤخرًا وإطلاق الطاقة الإبداعية للأفراد؛ يجب أن نهيئ الظروف المواتية للتقدم بدلاً من “التخطيط للتقدم” … المبدأُ التوجيهيُّ في أية محاولة لخلق عالم من الأفراد الأحرار يجب أن يكون هو: سياسة الحرية للفرد هي السياسة التقدمية الوحيدة الأحق.
– فريدريك هايك

باعتبار قيمة الحرية الاقتصادية مكونًا حيويًا لكرامة الإنسان والاستقلالية والتمكين الشخصي فإنها تعد غايةً بحد ذاتها، وعلى نفس القدر من الأهمية، توفر الحرية الاقتصادية صيغة مثبتة للتقدم والنجاح الاقتصادي.

نحن نعلم من البيانات التي نجمعها لبناء مؤشر الحرية الاقتصادية أن لكل جانب من أبعاد الحرية الاقتصادية تأثير كبير في النمو الاقتصادي والازدهار. تميل السياسات التي تسمح بحرية أكبر في أي من المجالات المقاسة إلى تحفيز النمو، الذي هو بدوره عنصر أساسي لتوليد المزيد من الفرص أمام الناس للعمل، وبالتالي الحد من الفقر وبناء ازدهار دائم.

لكن الحرية الاقتصادية ليست نظامًا واحدًا، وفي كثير من النواحي هي عدم وجود نظام واحد مسيطر. على مدى السنوات الـ 25 الماضية، أظهر المؤشر أن الحرية الاقتصادية ليست أيديولوجية دوغماتية وإنما تمثل فلسفة ترفض الدوغمائية وتتبنى استراتيجيات متنافسة ومتنوعة للتقدم الاقتصادي. في كل عام، يقدم المؤشر دليلاً مقنعًا على أن السياسات التي فشلنا في تنفيذها ليس ما يعوق النمو الاقتصادي؛ وإنما السياسات المريعة التي تضعها حكوماتنا في كثير من الأحيان.

إن المؤمنين بالحرية الاقتصادية يؤمنون بحق الأفراد في أن يقرروا بأنفسهم كيفية توجيه حياتهم. الفائدة الإضافية من وجهة نظر المجتمع هي القوة المثبتة للأفراد الذين يوجهون أنفسهم، سواء كانوا يعملون بمفردهم أو يعملون معًا في جمعيات أو شركات، لخلق السلع والخدمات التي تستجيب بشكل أفضل لاحتياجات ورغبات مواطنيهم.

لا توجد دولة توفر الحرية الكاملة لمواطنيها، وتلك التي تسمح بمستويات عالية من الحرية لديها معتقدات مختلفة عن جوانب تلك الحرية الأكثر أهمية. وهذا يتفق مع طبيعة الحرية التي تسمح للأفراد والمجتمعات بصياغة مساراتهم الفريدة للازدهار.

خلال الإصدارات السابقة من المؤشر، استكشفنا عديدًا من الجوانب الحاسمة للعلاقات بين الأفراد والحكومات وركزنا في قياس الحرية الاقتصادية على مجموعة شاملة ولكنها بعيدة كل البعد عن مجموعة من المجالات السياسة التي تعمل فيها الحكومات عادةً، للأفضل أو الأسوأ. ومع ذلك؛ فإن مفهوم الحرية بطبيعته يقاوم تعريفًا ضيقًا ويبدو أن كل عام يجلب تحديات جديدة من الذين يسعون إلى فرض آرائهم الخاصة على الإجراءات الاقتصادية للآخرين أو السيطرة عليها.

مع ظهور تهديدات جديدة للحرية الاقتصادية حول العالم، ستستمر تعريفاتنا ومنهجياتنا في التطور حتى نتمكن من تقديم صورة حقيقية قدر الإمكان لحالة الحرية الاقتصادية حول العالم.

اقرأ أيضا: قضية مُلحة لمزيد من الحرية الاقتصادية!

تعريف الحرية الاقتصادية

تتعلق الحرية الاقتصادية في جوهرها بالاستقلالية الفردية، وتهتم أساسًا بحرية الاختيار التي يتمتع بها الأفراد في الحصول على السلع والموارد الاقتصادية واستخدامها. إن الافتراض الأساسي للذين يفضلون الحرية الاقتصادية هو أن الأفراد يعرفون احتياجاتهم ورغباتهم على أفضل وجه وأن الحياة الموجهة ذاتيًا و المسترشدة بفلسفات الشخص وأولوياته بدلاً من تلك الخاصة بالحكومة أو النخبة التكنوقراطية، هي أساس وجود مرضٍ. ينبع الاستقلال واحترام الذات من القدرة والمسؤولية لرعاية الذات والأسرة، ويساهمون بشكل لا يقدر بثمن في كرامة الإنسان والمساواة.

لا يمكن اعتبار الاستقلال الذاتي الفردي مطلقًا عند العيش في مجتمعات كما نفعل اليوم. يعتبر العديد من الأفراد أن رفاهية عائلاتهم ومجتمعاتهم متساوية في الأهمية بالنسبة لهم، وقد تنتهي الحقوق الشخصية التي يتمتع بها شخص واحد عند عتبة جاره. القراراتُ والأنشطة التي لها تأثير أو تأثير محتمل على الآخرين مقيدةٌ بشكل صحيح بالمعايير المجتمعية، وفي أكثر المجالات حاسمة يكون ذلك من خلال القوانين أو اللوائح الحكومية.

في اقتصاد السوق، تعتبر المعايير المجتمعية -وليس القوانين واللوائح الحكومية- هي المنظم الأساسي للسلوك. فتنمو هذه المعايير عضويًا من المجتمع نفسه، مما يعكس تاريخها وثقافتها وخبرة الأجيال التي تتعلم كيف تعيش معًا. يوجهون فهمنا للأخلاقيات وآداب العلاقات الشخصية والمهنية وأذواق المستهلكين. تعكس النظم السياسية الديمقراطية في أفضل حالاتها المعاييرَ المجتمعية في قوانينها وأنظمتها، ولكن حتى الحكومات الديمقراطية، إذا لم تكن مقيدة بالقيود الدستورية أو غيرها من القيود التقليدية، قد تشكل تهديدات كبيرة للحرية الاقتصادية. 

إن القيود المفروضة على الحرية الاقتصادية بقاعدة الأغلبية ليست أقل من القيود المفروضة من قبل الحاكم المطلق أو القلة (Oligarch). وبالتالي، فليس نوع الحكومة هو الذي يحدد درجة الحرية الاقتصادية بقدر ما هو مدى حدود الحكومة التي لا يجوز لها، أو على الأقل عدم تجاوزها.

حتمًا، سيركز أي نقاش حول الحرية الاقتصادية على العلاقة الحاسمة بين الأفراد والحكومة. بشكل عام، فإن إجراءات الدولة أو سيطرة الحكومة التي تتعارض مع الاستقلال الذاتي الفردي تحد من الحرية الاقتصادية. ومع ذلك؛ ليس الهدفُ من الحرية الاقتصادية غياب الإكراه أو القيود الحكومية، بل خلق الشعور المتبادل بالحرية للجميع والحفاظ عليه. بعض الإجراءات الحكومية ضرورية لمواطني أي دولة بغرض الدفاع عن أنفسهم وتعزيز التطور السلمي للمجتمع المدني، ولكن عندما يتجاوز عمل الحكومة الحد الأدنى الضروري، فإنه من المحتمل أن ينتهك الحرية الاقتصادية أو الشخصية لشخص ما.

فرضت الحكومات على مر التاريخ مجموعةً واسعةً من القيود على النشاط الاقتصادي. غالبًا ما تُفرَضُ مثل هذه القيود -على الرغم من فرضها في بعض الأحيان باسم المساواة أو بعض الأغراض المجتمعية النبيلة ظاهريًا- لصالح النُّخب المجتمعية أو لأصحاب المصالح الخاصة. كما لاحظ ميلتون وروز فريدمان ذات مرة:

“إن المجتمع الذي يضع المساواة – بمعنى المساواة في النتائج – قبل الحرية سوف ينتهي بلا مساواة ولا حرية. إن استخدام القوة لتحقيق المساواة سوف يدمر الحرية، والقوة التي تُقدَّم لأهداف خيرة، ستنتهي في أيدي الأشخاص الذين سيستخدمونها لتعزيز مصالحهم الخاصة”.

إن تدخل الحكومة المفرط في مجالات واسعة من النشاط الاقتصادي يأتي بتكلفة عالية على المجتمع ككل. من خلال استبدال الأحكام السياسية لتلك الموجودة في السوق، تحول الحكومة موارد ريادة الأعمال من الأنشطة الإنتاجية إلى البحث عن الأنشطة الريعية، والبحث عن الفوائد غير المكتسبة اقتصاديًا، والنتيجة هي انخفاض الإنتاجية والركود الاقتصادي وتراجع الازدهار.

اقرأ أيضا: أربع خرافات شائعة حول الرأسمالية

تقييم الحرية الاقتصادية

يأخذ مؤشر الحرية الاقتصادية نظرة شاملة للحرية الاقتصادية تتعلق بعض جوانب الحرية الاقتصادية التي تُقيَّم بتفاعلات الدولة مع بقية العالم (على سبيل المثال: مدى انفتاح الاقتصاد على الاستثمار أو التجارة العالمية). غير أن معظمهم يركّز على السياسات داخل البلد، ويقيّمون حرية الأفراد في استخدام عملهم أو أموالهم دون قيود غير مبررة وتدخل حكومي.

يؤدي كل جانب من جوانب الحرية الاقتصادية المقاسة دورًا حيويًا في تعزيز الازدهار الشخصي والوطني واستدامتهما. ومع ذلك؛ فكل هذه الجوانب تكمل الأخرى، ومن المرجح أن التقدم في مجال ما سيساهم في تعزيز التقدم في مجال آخر. وبالمثل، فإن الحرية الاقتصادية المكبوتة في مجال واحد (على سبيل المثال: عدم احترام حقوق الملكية) قد تجعل من الصعب تحقيق مستويات عالية من الحرية في فئات أخرى.

صُنِّفت الجوانب الـ 12 للحرية الاقتصادية التي قيسَت في المؤشر إلى أربع فئات عريضة:

  •  سيادة القانون (حقوق الملكية / الفعالية القضائية / نزاهة الحكومة)؛
  •  حجم الحكومة (العبء الضريبي / الإنفاق الحكومي / الصحة المالية)؛
  •  الكفاءة التنظيمية (حرية الأعمال / حرية العمل / الحرية النقدية)؛ 
  •  انفتاح السوق (حرية التجارة / حرية الاستثمار / الحرية المالية).

هذه الفئات، هي موضوع الأجزاء القادمة من المقال.

  • ترجمة: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

المصدر

ما رأيك في هذا المحتوى؟

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كم عدد الأشخاص الذين يموتون حقا بسبب فيروس كورونا Covid-19؟

لماذا لايوجد عجز في كندا مقارنة مع الولايات المتحدة؟