in

مدرسة فرانكفورت – الجزء الثاني

استغلال الحرية في أمريكا وانتشار أفكار مدرسة فرانكفورت

لم تكن أفكار مدرسة فرانكفورت لتعرف انتشارًا وتأثيرًا بهذا الشكل لولا صعود هتلر للحكم، والحرب العالمية الثانية، كان معظمهم يهود، وكانوا سيُضطهدون من النظام النازي لهذا قاموا بالهروب إلى أرض الحرية أمريكا.

أرسلت مدرسة فرانكفورت رسائل لرفاقها المشهورين في علم الاجتماع في الولايات المتحدة لسنواتٍ، في محاولة لخلق علاقاتٍ معهم، في هذه الأثناء كان قسم علم الاجتماع في جامعة كولومبيا يحتضر. احتاجوا لأفكارٍ جديدةٍ ومفكرين جدد، وأحبوا ما رأوه في مدرسة فرانكفورت. كلّ ما بقي على فلاسفة مدرسة فرانكفورت هو الدخول للبلد، لأخذ مناصب في القاعات الخالية في التعليم العالي الأمريكي، فقد قُبلت مدرسة فرانكفورت في الحال في مدرسة كولومبيا.

أمريكا معروفة بتقبلها للأفكار الخارجية، وحرية التعبير مضمونةٌ للجميع، فقام بعض فلاسفة مدرسة فرانكفورت باستغلال هذا، وتركوا ألمانيا النازية، وانتقلوا للعيش في كاليفورنيا المنطقة المعروفة بالرفاهية والفرح، لكن لم تكن مهمتهم الاستمتاع بهذه الرفاهية التي قامت الرأسمالية و الحرية بتوفيرها، بل كان همّهم تحطيم وتدمير القيم التي أنشأت مثل هذا النظام المتماسك والنافع للمجتمع، لأن مهمتهم هي النقد والتدمير فقط دون بناءٍ، فجلّ عملهم كان هو النقد والنقد من أجل لاشيءٍ سوى تدمير كل ما يوجد سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.

قام آدم كوهين من النيويورك تايمز بوصفهم بأنهم:

“كانوا نقادًا كئيبين للثقافة الأمريكية، استقر عددٌ كبيرٌ منهم في جنوب كاليفورنيا حيث أزعجتهم ثقافة المستهلك وعقيدة الفرح الذي لا يتوقف. كئيبون بطبيعتهم، ركزوا على خيبات الأمل والفساد الذي أحاط بهم وعلى لا جدوى كلّ ذلك. كان يمكن أن يكون هذا المكان جنةً، اشتكى تيودور أدورنو، لكنه كاليفورنيا فقط”.

آنذاك كانت كاليفورنيا فعلًا جنةً مقارنةً مع أوروبا، ولكن همهم الوحيد كان تدمير هذا الجو والنظام الذي جعل الإنسان يعيش بسعادةٍ.

مع أخذ مكانها بدأت فلسفة مدرسة فرانكفورت تشق طريقها لتصل إلى كلّ فجوات الثقافة الأمريكية. أصبحت نظرية هوركهايمر النقدية ركنًا أساسيًا في الفلسفة، والتاريخ، ﻭالإنجليزية، وجميع العلوم الاجتماعية في البلد بأكمله.

 

التوسع في جميع ميادين العلوم الاجتماعية

 

إيريك فروم، أحد مفكري مدرسة فرانكفورت الأساسيين، كان يدفع بالثقافة الماركسية عبر علم النفس، وبلومه التقاليد الغربية على ظهور النازية، ونبذ الماركسية، بالنسبة له فالأشخاص الذين يتبنون الماركسية يحبون الحرية، أما الأشخاص الذين يحاربون الماركسية مقموعون سرًا،  فالجنود سلطويون لأنهم يتلقون الأوامر، ومالكو المشاريع الصغيرة سلطويون بسبب رغبتهم غير الواعية في الخضوع للقوانين الاقتصادية.

ومازلنا نلاحظ اليوم كيف يقوم اليساريون بتسمية جميع خصومهم بالنازيين بسبب هذا التحليل النفسي المليﺀ بالعيوب والمغالطات.

تبنى إيريك فروم أفكار رفيقه في مدرسة فرانكفورت فيلهلم رايش، الذي أحس بأن مصدر المشاكل النفسية الأساسي هو قمع الرغبات الجنسية، وقال بأن التحرر من الأخلاق المجتمعية قد يشفي عددًا هائلًا من الناس. بحيث يقول: “قمع الحاجيات الجنسية يسبب ضعفًا عامًا في الفكر وفي العمل العاطفي، و أن هذا بالتحديد، يجعل الناس يفتقرون للاستقلالية، وقوة الإرادة، والقدرة على النقد”، ويرى أن الزواج  يدمر حياة الناس.

في نفس الوقت ، قام تيودور أدورنو بتمرير الفلسفة الماركسية للوعي الأمريكي عبر الهجوم على الأنماط المشهورة في عالم الفن. درس أولًا في كولومبيا، وبعد ذلك في برنستون، فكرته هي أن التلفاز والأفلام يشكلان مشكلةً لأنهما يجذبان الجماهير ولا يستجيبان لأذواق الجمهور، ولأنهما مصدرا تلك الأذواق، قال أدورنو: “الفن الشعبي و الثقافة الشعبية دمرا الفن الحقيقي، الذي يجب دائمًا أن يُستعمل لأغراضٍ ثوريةٍ. يجب أن تُنتقد كلّ الفنون الشعبية لأنها عرضٌ من أعراض النظام الرأسمالي، وأنه يجب القضاﺀ على كل أشكال الفن”. وجد الفن العصري أساسه الفلسفي عند تيودور أدورنو.

كتب كتابًا اسمه الشخصية السلطوية، وعرّف فيه الأبوة، والأمومة، واعتزاز الإنسان بأسرته المسيحية، وميوله، وسلوكياته الجنسية التقليدية، وحبه لبلده بأنها ظواهرُ مرضيةٌ. هذا الميول لتكريس فكرة أن الآراء وطرق الحياة التي لا توافق أهدافك السياسية أفكارٌ مرضيةٌ من بين مميزات الماركسية الثقافية.

وخلال الستينيات من القرن العشرين تمكنت النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من جذب أقسام اليسار وأفكاره من أوروبا وأمريكا الشمالية معًا تحت يسارٍ جديدٍ يتبنى وسائلَ جديدةً من أجل الثورة والإطاحة بالرأسمالية.

فألهمت النظرية النقدية العديد من الحركات التي تبنت هذه الفلسفة. حركات مثل: العدالة الاجتماعية، والنسوية، والتقدمية الجديدة، وما بعد الاستعمارية. التي تُعتبر جميعها حركاتٍ تابعةً للماركسية الثقافية.

وندرلاست، إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

اقرأ سلسلة مقالات مدرسة فرانكفورت هنا

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدرسة فرانكفورت – الجزء الأول

مدرسة فرانكفورت – الجزء الثالث