in

6 ممارسات بسيطة عليك تجربتها وتعلمها من الثقافات الأخرى

كنت أكره البرد و أخشى قدوم فصل الشتاء عندما كنت أعيش في نيويورك وبوسطن، وكنت أشتكي حينها من ارتعاش أسناني خلال الشهور الباردة، لم يكن البرد أكثر شيء مزعج خلال تلك الأشهر، و إنما قصر النهار و الملل الذي كنت  أشعر به خلال أيام الشتاء تلك. كنت أسأل نفسي حينها كيف يمكن أن يتحمل الإسكندنافيون فصول الشتاء الطويلة، وأيامها القصيرة.

أكثر خمس دول سعادة في العالم تكون باردة خلال معظم أيام السنة، كدول الشمال. كيف يتعايشون مع ذلك؟

6 ممارسات بسيطة عليك تعلمها من الثقافات الأخرى و تجربتها بنفسك

تخيل مدى اندهاشي عندما علمت أنه في عام 2016، صنفت الدنمارك كأسعد دولة في العالم في تقرير السعادة العالمي. ثم أصبحت فنلندا في المرتبة الأولى على مدار السنوات الثلاث التالية، ثم تبعتها النرويج والسويد. في الواقع، أكثر خمس دول سعادة في العالم تكون باردة خلال معظم أيام السنة، كدول الشمال. كيف يتعايشون مع ذلك؟

هناك العديد من العوامل المساهمة بذلك، حيث أن  تلك البلدان يقل فيها التفاوت في الدخل، وفيها ثروة نفطية كبيرة، بالإضافة إلى المناظر الطبيعية الخلابة. لكنني مازلت أتساءل عما إذا كان هناك أي أسرار خاصة تزيد من سعادة سكان دول الشمال – حتى خلال فصل الشتاء!

لم يسفر بحثي هذا عن اكتشاف أسباب السعادة في الدنمارك والسويد لوحدها، بل شمل أيضًا عن اكتشاف كيفية تعايش الناس في جميع أنحاء العالم. و أظهر لي الطرق الحقيقية لاستمتاع الانسان بحياته و صحته دون تكلف و شراء الاشياء باهظة الثمن .

حيث أن هذه الممارسات مبنية على التقاليد و مدعومة علميا، والميزة الأهم لها أنها متاحة لمعظم الناس. سأشارك معكم بعض تلك الممارسات والفلسفات الرائعة المتعلقة بالسعادة والعافية التي تعلمتها.

1. المرح من الدنمارك Danish hygge

دعونا نبدأ رحلتنا من الدنمارك، البلد الذي يصنف دوما على أنه من بين أسعد خمس دول في العالم.

لا عجب أن الدنماركيين يشعرون بالسعادة في الشتاء!

حيث أن الدنماركيون يؤمنون بـالمرح hygge (تُنطق “hoo-gah”) ، والتي يمكن ترجمتها لـ “الراحة”. نشأت هذه الكلمة من كلمة نرويجية قديمة تعني “الرفاهية”، وهي تشير إلى كل ما هو دافئ و مريح وممتع. الاستلقاء تحت بطانية ناعمة وأنت تحمل كوب دافئ من الكاكاو يشرح لك معنى المرح وhygge. التحدث مع  الأصدقاء والعائلة و الالتفاف حول المدفأة  الدافئة هو شكل من أشكال المرح hygge. حتى أن الاستمتاع بتوهج شمعة هو شكل من أشكال المرح hygge.

لا عجب أن الدنماركيين يشعرون بالسعادة في الشتاء! فإن مفهوم  المرح hygge لا يعطيك نهجا عمليًا لكيفية الاستمتاع بحياتك فحسب، ولكنه أيضًا يساعدك على التأقلم مع البيئة و حمايتها بدلاً من محاربتها.

على سبيل المثال، بدلاً من أن تكون مثلي وتشكو من البرد طوال الشتاء، يمكنك التأقلم مع تقلب الفصول، والاستمتاع بالشتاء ، خاصة من خلال تجربة بعض الأشياء كالأغطية الكبيرة الدافئة، والقفازات الصوفية الدافئة.

2. القيلولة من إسبانيا Spanish siesta

الآن دعونا نذهب جنوبًا إلى المناخات الأكثر دفئًا ونأخذ قيلولة مع الإسبان. في إسبانيا وغيرها من بلدان البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى أمريكا اللاتينية وبعض البلدان في آسيا، من الشائع أخذ قيلولة بعد الغداء، وتسمى بـ”siesta ” باللغة الإسبانية. حيث تعتبر قيلولة بعد الظهر تلك ليست للأطفال فقط – وإنما حتى الكبار يقومون بها أيضًا! حيث أن الأمر قد أصبح شبه رسمي، لدرجة أن المتاحف والمتاجر والكنائس كثيرا ما تغلق لعدة ساعات خلال تلك الفترة.

إن قيلولة الظهر ليست مجرد فترة راحة لطيفة تقوم بتنشيطك و حسب. حيث أن الباحثين قد وجدوا أن أولئك الذين يقومون بأخذ قيلولة بعد الظهر بانتظام، لديهم فرصة أقل بنسبة 37٪ للوفاة بأمراض القلب . لذلك إذا كان لديك القدرة على أخذ قيلولة قصيرة خلال النهار ، قم بتجربة هذا الأمر! و طالما أنها لن تفسد نومك خلال الليل، فقد تكون طريقة رائعة لتزيد من شعورك بالرفاهية و الراحة.

3. الانغماس في الغابات من اليابان Japanese forest bathing

الآن، سنسافر شرقًا إلى اليابان، وسنتوغل في الغابات. إن ما سنتكلم عنه  ليس مجرد اندماج بالطبيعة، بل انغماسا فيها، و كما يطلق عليه هناك بـ”شينرين-يوكو shinrin-yoku”، و يمكن أن يتُرجم ل”الانغماس في الغابة”.

لا يعني شينرين-يوكو shinrin-yoku الذهاب للتخييم أو المشي لمسافات طويلة Hiking أو القيام بأي تمارين مجهدة في الغابة.

الانغماس في الغابات هو كما يوحي لك بالضبط – اندماج بالطبيعة. وهو لا يتضمن أي هدف معين بذاته كما قلنا من تخييم أو تخييم وغيرها، بل هو  ببساطة كونك مع الطبيعة، بجميع حواسك، و أن تجعل جسدك يأخذك لأي مكان فيها.

وجد الباحث الصحي الدكتور تشينغ لي، وزملاؤه أن الانغماس بالغابات يقوي جهاز المناعة، و ينشط إنتاج المواد المضادة للسرطان. و وجدوا أيضًا أنه يخفف من الاكتئاب، والتعب، والقلق، ومعدل ضربات القلب.

لتجرب الانغماس بالغابات بنفسك، يوضح الدكتور لي أنك لست بحاجة إلى البحث عن أماكن خاصة تتجه إليها. حيث يمكنك ببساطة الالتجاء إلى أي منطقة من الطبيعة، حتى لو كانت مجرد مجموعة من الأشجار أو حديقة، والتنزه ضمن تلك المنطقة ببطء و دون هدف معين. قم بإطفاء أجهزتك المحمولة ودع الطبيعة تتوغل داخل حواسك الخمس.

4. يوجا الضحك الهندية Indian laughter yoga

الآن دعونا ننتقل من الهدوء إلى الصخب مع بعض يوجا الضحك laughter yoga في الهند. من منا لا يستمتع بالضحك ؟ ولكن هل سبق لك أن ضحكت بشدة عن قصد؟ فكرة يوجا الضحك هي أنه لا يجب علينا انتظار حدوث شيء مضحك حتى نضحك. و بدلاً من ذلك، يجب أن نضحك عمدا بسبب الفوائد التي نجنيها من الضحك.

يبدو أن ثمة فوائد حقيقية للضحك، حتى عندما يكون الضحك “مزيفًا.

غالبًا ما يتم ممارسة يوجا الضحك ضمن مجموعات، حيث يمكن أن تتحول تلك الضحكات المتعمدة إلى ضحكات حقيقية، نتيجة التفاعل و المشاركة مع الآخرين . ويبدو أن لها فوائد صحية حقيقية، حتى و لو كانت تلك الضحكات “مزيفًة”.

حيث وجدت إحدى الدراسات الحديثة، أن الضحك المتعمد قد يكون أكثر فاعلية من الضحك العفوي في تحسين الحالة المزاجية. فلماذا لا تقوم بتجربة ذلك بنفسك. اجتمع مع الآخرين واضحكوا معا!

5. فلسفة أوبونتو الجنوب أفريقية South African Ubuntu philosophy

بالحديث عن الاجتماع مع الناس.. ربما لا شيء يجسد طبيعتنا الاجتماعية أفضل من هذه الفلسفة، و ترجمتها الحرفية عن اللغة الزولوية تعني “الشعور بالإنسانية تجاه الآخرين”، وهو جزء من العبارة التي تقول “يعتبر الانسان انساناً عند تواجده مع الآخرين”. انتشرت هذه الفكرة -جزئياً- عن طريق رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وهو رجل دين من جنوب إفريقيا وناشط في مجال حقوق الإنسان.

تختلف أوبونتو Ubuntu عن باقي الطرق المذكورة في مقالتنا لأنها ليست مجرد ممارسة، بل هي فلسفة إنسانية كاملة تشمل التنوع والعطف والرحمة والكرامة للجميع.

إن هذه الفلسفة قد تكون أكثر ما نحتاجه خصوصاً في هذا الوقت، حتى لو كان العيش بأسلوبها قد يكون مسعى نطارده مدى الحياة. نستطيع البدأ بالتعامل مع الجميع بإنسانية، و الانفتاح عليهم، و التعلم منهم، واحترامهم، حتى لو كنا غير متفقين أو في اختلاف معهم.

6. السبت اليهودي Jewish Sabbath

أخيرًا وليس آخرًا، دعونا نتعرف على يوم السبت اليهودي للراحة والتفكر والتأمل.

التحضير ليوم السبت Sabbath، اليوم السابع من الأسبوع، هو تقليد ديني عند اليهود. يوم السبت – الذي يعني لهم “الراحة” أو “التوقف عن العمل” – يبدأ مساء الجمعة وينتهي مساء السبت، حيث يمتنع الناس عن العمل خلال تلك الفترة . و بدلاً من ذلك، يمارسون الأنشطة المريحة نفسيا كالصلاة والتأمل وتناول الوجبات الاحتفالية مع العائلة.

وجدت الأبحاث أن الاحتفال بالسبت بانتظام يعد مفيدا للصحة الجسدية والعقلية.

يتحدث أحد الكتاب اليهود وهو مناحم قيصر Menachem Kaiser، عن يوم السبت قائلاً: “الشكل الأصيل لقضاء وقت الفراغ فيه: هو عدم القيام بأي شيء ذو فائدة على الإطلاق” . هذا يبدو كأنه علاج نحتاجه بشدة لجميع آلام العصر الحديث.

هذا ليس مجرد رأي شخصي. بل إن الأبحاث قد وجدت أن المحافظة على السبت مفيد للصحة الجسدية و النفسية. هذا الأمر ليس مفاجئًا، حيث أن الكثير من الدراسات تؤكد فوائد الأعمال الروحانية، و الراحة، بالإضافة إلى فوائد تناول وجبات الطعام معًا كعائلة. لذلك، أتفق تمامًا مع كايزر على أنه، حتى لو لم تكن متدينًا، يمكنك ممارسة نسخة علمانية من الاحتفال بيوم السبت، والسماح لهذه الاستراحة الأسبوعية بإعطائك الفرصة للترويح عن نفسك، والتواصل مع الآخرين.


سواء قمت بإسعاد نفسك عن طريق الاحتفال بيوم السبت، أو التنعم بهدوء الاندماج بالطبيعة، أو ممارسة يوجا الضحك، فإن العديد من الممارسات والفلسفات العالمية التي تسبب السعادة ترجع بنا إلى الأسس: الاستماع لصوت أجسادنا وعقولنا، بالإضافة إلى التواصل مع  بعضنا البعض. يمكنك تجربة أي من تلك الممارسات التي ذكرناها اليوم فجميعها لا يحتاج إلى دفع نقود أو بذل جهد.

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

ياسين بجدو

كتب بواسطة ياسين بجدو

لا شيء ليُكتب هنا ... بعد!

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طلاب من أجل الحرية

طلاب من أجل الحرية تحط رحالها بمنطقة MENA وتناقش واقعها الاقتصادي إبان الجائحة

مقاومة البيتكوين: كيف يستخدم اللبنانيون البيتكوين للتغلب على الأزمة الاقتصادية