in

لا؛ لن تجعل التكنولوجيا الجميعَ عاطلين عن العمل!

حالما يبدأ المرشحون مشاركاتهم في السباق الرئاسي، ينصرفُ كلٌّ منهم إلى العمل على قضية واحدة فقط. فيريدُ المُحامي السابق ورجال الأعمال أندرو يانغ تطبيقَ مبدأ الدخل الأساسي العام (Universal Basic Income) على جميع الأفرادِ مِمَّن تتراوح أعمارهم بين 18 و64 سنة. وحجته في ذلك، وفقَ موقعه الإلكتروني، هي:

“سوف يفقدُ ثلث الأمريكيين العاملين وظائفهم نتيجةً للأتمتة في خلال السنوات الاثني عشرة المقبلة. إن سياساتنا الحالية غيرُ مجهزة للتعامل مع هذه الأزمة”.

هل ستتسبب التكنولوجيا في وقوع أزمة بطالة؟

ينضم يانغ إلى قائمة متزايدة من المؤيدين الذين يصرون على أن التقدم التقني سيؤدي إلى تدمير الوظائف وحدوث بطالة هائلة، وبذلك يكون مبدأ الدخل الأساسي العام ضرورةٌ للمجتمع. إن هذه الفكرة سائدةٌ وليست بجديدة على الرغم من التاريخ الذي يثبت عكس ذلك؛ إنها خرافة دنيئة. ثم إنّه إذا كانت التكنولوجيا قد دمّرت الوظائف في قرون من الزمن حينما كان الناس يتجادلون حول الأتمتة والآلات، فلن يتبقى بالكادِ أي وظيفة؛ وهذا بالطبع ليس صحيحًا؛ ولو كان كذلك لحلَّت الجرافات محل المزارعين، ولنَحَّت السياراتُ عمال السكك الحديدية جانيًا ولاختفى مُشغلو المصاعد والطباعون والحدادون ومشغلو الهاتف الأرضي طوال القرن العشرين.

كانت البطالة في تشرين الأول (سبتمبر)- 2018 هي الأدنى منذ ما يقارب 50 سنة. في الواقع؛ ارتفعت نسبة القوى العاملة منذ منتصف القرن العشرين بسبب دخول النساء إلى سوق العمل؛ هنالك وظائف الآن أكثر من أي وقت مضى. وعلى الرغم من فشل التوقعات التي تضر بالقوة العاملة منذ فجر التكنولوجيا نفسها؛ يقول يانغ إن الأتمتة في السنوات الـ 12 المقبلة ستسبب أزمة ويزعم أن مبدأ الدخل الأساسي العام سيتعامل معها.

تأجيج الخوف من التكنولوجيا غيرُ واقعي وغير مُبرَّر

تؤدي التكنولوجيا إلى جعل الاقتصاد أقوى وتزيد الآلات والأدوات من إنتاجيتنا. ولما كان الهدف الأكبر من التقدم الاقتصادي هو جعلنا أكثر إنتاجية وأكثر كفاءة، ولدينا مزيدًا من السلع الاستهلاكية المتاحة ومتسعًا أكبر من الوقت ومستويات معيشة أعلى، فإن الطريق لتحقيق ذلك هو من خلال زيادة الإنتاجية والكفاءة؛ فلا حاجة -مثلًا- إلى اثني عشر مزارع للقيام بالأعمال التي تؤديها الجرافة.

يستشهد يانغ بـ 3.5 مليون سائق شاحنة في البلاد، ويتساءل: أين سيكون هؤلاء السائقون إذا أُتمِتَت وظائفهم في غضون 12 سنة (كما لو كانت جميع الشركات قادرة على تحمل تكاليف شراء 18 شاحنة ذاتية القيادة في ذلك الإطار الزمني)؟ ينبغي لنا أن نسأل عما حدث لجميع مصنعي أنظمة الفيديو المنزلي، ومصنعي الهواتف الأرضية، وعمال متاجر الفيديو؟ ماذا حدث لـ 1.5 مليون عامل في السكك الحديدية أو صناع الآلات الكاتبة والفنيين؟

العملُ مُتجدد والوظائف في ازدياد ليكون هنالك وظيفةٌ جديدٌ بشكل دائم؛ إذ يتعلم الناس أشياء جديدة ويحصلون على وظائف جديدة وهذا ما يحدث باستمرار. نعم؛ يخلق المجتمع ويدمر أنواعًا مختلفة من الوظائف من خلال التكنولوجيا؛ لتُضبَطَ الأسواق ويجد الناس أعمالًا جديدةً كما في الماضي. إن التنبؤ بأن التقدم التكنولوجي سيكون بالغ السرعة بالنسبة لنا للتكيف هو توقع عقيم ومضلل، إلا أنه مستمر على الرغم من سجله الخاسر.

الدخل الأساسي العام غيرُ ممكن

وبصرف النظر عن ذلك، فلنُلقِ نظرة إلى اقتصاديات الدخل الأساسي العام؛ يتمثل عرضُ يانغ في أن يُخصص 1000 دولار شهريًا لجميع الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 64 سنة. قد يكون السبب وراء تحديده الحد الأعلى للعمر بـ 64 هو أن اقتراحه -بالأساس- ضمانٌ اجتماعي للجميع وأن البرنامج الحالي يبدأ عند سن 62 تقريبًا. وستبلغ التكلفة الإجمالية لاقتراحه نحو 2.5 تريليون دولار في السنة الواحدة. 

يدعي تمكنه من تطبيق ذلك من خلال فرض ضريبة القيمة المُضافة بقيمة ضخمة وإلغاء الأموال في مكان آخر في الميزانية التي تبلغ بالفعل 4 تريليون دولار. هذا غير ممكن وسيضيف ديونًا أكثر فوق الـ 22 تريليون دولار من الديون الأمريكية اليوم. في النهاية، تعد الخطة مجرد تنوع موسع لبرامج الرعاية القائمة والتي تتوسع إلى مستويات غير مستدامة ماليًا وتضيف ضريبة ضخمة على الأمة.

تشخيصٌ خاطئ؛ تشريعٌ خاطئ

إن الاستبدال الوظيفي أمر واقع ويجب على الناس التأقلم معه. حريُّ بنا مُلاحظةُ ذلك ومعرفةُ أن من الممكن للأشخاص استثمارُ المساعدة الخارجية عند العثور على وظائف ومهن جديدة. وهكذا؛ ينبغي عدم تجنب التكنولوجيا وعدم الخوف منها بسبب أنها تحل محل الوظائف الموجودة حاليًا؛ إذ إنها تجعل حياتنا أفضل وتؤدي إلى تحرُّر العمل من أجل خلق وظائف أفضل وأكثر حداثة. 

لن يؤدي الجيل التالي من الأتمتة والتطور التكنولوجي إلى أزمة بطالة، وبالنسبة إلى الحد الذي يمكن عنده التحكم في منع التكنولوجيا من أن تحل محل الوظائف الحالية، فلا يساعد الدخل الأساسي العام هذا بأي طريقة بنّاءة أو واقعية؛ بل يشكل حلًا ضعيفًا وغير محمول التكلفة لمشكلة غير موجودة بالأساس.

المصدر

  • ترجمة: نور عبدو.
  • مراجعة: محمد مطيع.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة نور عبدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأسمالية الدولة؟ لا. القطاع الخاص هو محرك النمو الاقتصادي الصيني

مراجعة كتاب: الكل يكذب؛ البيانات الضخمة والبيانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا – الجزء الثاني