in

رأسمالية الدولة؟ لا. القطاع الخاص هو محرك النمو الاقتصادي الصيني

في الحقيقة، الصين نظام مختلط يجمع بين الرأسمالية والاشتراكية: تمامًا مثل أي دولة أخرى في العالم. 

ذُكر في ورقة عمل صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت سابق من هذا العام ما يلي:

يعمل القطاع الخاص في الصين – والذي كان ينمو بإستمرار منذ الأزمة المالية العالمية – كمحرك رئيسي لنمو الاقتصاد الصيني. وكثيرا ما يستخدم مزيج الأرقام 60\70\80\90 لوصف مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الصيني: فهو يساهم بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وهو مسؤول عن 70% من الابتكار و80% من العمالة الحضرية ويوفر 90% من الوظائف الجديدة. كما أن الثروة الخاصة مسؤولة عن 70% من الاستثمار و90% من الصادرات.

اليوم، يساهم القطاع الخاص في الصين بحوالي ثلثي نمو البلاد وتسعة أعشار الوظائف الجديدة، وفقًا لمجموعة الإعمال الرسمية اتحاد عموم الصين للصناعة والتجارة.

“رأسمالية الدولة” مصطلح مضلل

يجب أن تدفع الأرقام السالف ذكرها أي شخص يشير إلى المعجزة الاقتصادية في الصين كدليل على تفوق “رأسمالية الدولة” إلى التوقف والتفكير من جديد. إن مصطلح “رأسمالية الدولة” هو مصطلح سخيف على أية حال. إذ تقوم الرأسمالية على ركيزتين أساسيتين: مبادئ السوق الحرة والمشاريع الخاصة، وهي لا تتوافق مع اقتصاد الدولة حيث تكون الشركات مملوكة للدولة وتقوم سلطات التخطيط بتحديد ما يتم إنتاجه.

لذلك، لا يمكن أن تكون هناك “رأسمالية دولة”. في الحقيقة، الصين نظام مختلط يجمع بين الرأسمالية والاشتراكية: تمامًا مثل أي دولة أخرى في العالم. وينطبق هذا أيضًا على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تمزج جميعها -بنسب مختلفة- العناصر الرأسمالية والاشتراكية في أنظمتها الاقتصادية.

العامل الأساسي هو كيفية تغير النسبة بين هذين المكونين بمرور الزمن. فبدلاً من كونها سبب المعجزة الاقتصادية في الصين، فإن حقيقة أن اليد التوجيهية للدولة لا تزال قوية للغاية هي ببساطة أنه قد مرت أربعة عقود فقط منذ أن كانت الصين إقتصاد دولة محض. وكما كتب الاقتصادي الصيني تشانغ وي يينغ Zhang Weiying في كتابه “منطق السوق”:

بدأ الإصلاح في الصين بحكومة قوية في ظل الاقتصاد المخطط. كان السبب في أن الصين كان من الممكن أن تحقق نموًا اقتصاديًا مستدامًا خلال عملية الإصلاح أن الحكومة كانت تدير الأمور بشكل أقل وأن نسبة الشركات المملوكة للدولة انخفضت، وليس العكس. بالتحديد، كان تخفيف سيطرة الحكومة هو ما جلب أسعار السوق، والملكية الفردية، ومؤسسات المدن والقرى، والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الأجنبية، وغيرها من الكيانات غير المملوكة للدولة.

ما الخاطئ في “مدرسة النموذج الصيني”؟

منذ إطلاق إصلاحات دنغ شياو بينغ Deng Xiaoping الاقتصادية، كانت الصين تحارب باستمرار ما أطلق عليه ماو تسي تونغ “صراع الخطين” في إشارة إلى الصراع بين الخطين الاشتراكي والرأسمالي. على مدى العقود القليلة الماضية، هيمن على الصين بالتناوب مؤيدوا الرأسمالية الذين كانوا حريصين على المضي قدماً في أجندة الإصلاح ومعادوا الرأسماليين الذين يحاولون دحر هذا المد.

يؤثر هؤلاء المعارضون أيضًا على بعض الجامعات الرائدة في البلاد. في العام الماضي، أعلن زو شينتشنغ، أستاذ الماركسية في جامعة رنمين في بكين أنه ينبغي القضاء تمامًا على الملكية الخاصة. لحسن الحظ، فإن لمثل هذه المطالب الراديكالية فرصة ضئيلة أو معدومة للنجاح.

ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، بدأ التفسير الخطير للنجاح الاقتصادي للصين يكتسب أرضية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الدوائر السياسية. يطلق تشانغ واي يينغ Zhang Weiying على هذا التفسير “مدرسة النموذج الصيني”. ووفقًا لهذه النظرية، فإن نجاح الصين على مدى العقود الماضية هو نتاج نظامها الفريد الخاص بها، والذي سمح للصين بتحقيق ما استغرق الغرب مائتي عام لتحقيقه في غضون بضعة عقود فقط.

وفقًا لـجانغ واي يينغ، هذا التفسير خاطئ تمامًا. هو في الواقع مقتنع بأن النمو الاقتصادي السريع للصين على مدار الأربعين عامًا الماضية هو نتيجة “ميزة القادم متأخرًا”. وقد وضع الأمر كما يلي:

قام الغرب ببناء الطريق. وتبعته الصين وحسب. كون الصين تسير بشكل أسرع لا يعني أن  أن مؤسساتها متفوقة.

ليس سبب نجاح الصين الاقتصادي هو أن لديها اقتصادًا مخططًا، بل على العكس تمامًا. في عهد ماو، عندما لم يكن هناك أي شركات خاصة في الصين وكان الاقتصاد المخطط يسيطر على الدولة، كان 88% من السكان الصينيين يعيشون في فقر مدقع. انخفض هذا الرقم إلى أقل من 1% ليس بسبب “الطريق الثالث” الصيني الفريد بين الرأسمالية والشيوعية، ولكن لأن الصين أدخلت حقوق الملكية الخاصة، و لأنه تم صد دور الدولة المتسلط.

التفسير الذي قدمه السياسيون الاشتراكيون، بما في ذلك زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربين، سخيف بشكل خاص. إذ يزعمون أن قصة النجاح الاقتصادي للصين تظهر تفوق الاشتراكية على الرأسمالية. العكس هو الصحيح في الواقع. يمكن تقسيم تاريخ الصين الحديث إلى مرحلتين: المرحلة الاشتراكية، من تأسيس جمهورية الشعب في عام 1949 إلى وفاة ماو في عام 1976، والتي كانت كارثة اقتصادية عظيمة. وما بعد وفاة ماو، حين بدأ دنغ شياو بينغ إصلاحات اقتصاد السوق، والتي ميزت بدايات المعجزة الاقتصادية في الصين.

أسباب نجاح الصين غالبًا لا تُفهَم

يرى العديد من أنصار الديمقراطية والرأسمالية في الغرب أن الصين قدوة خطيرة. وكتبت دامبيسا مويو في كتابها حافة الفوضى: لماذا تفشل الديمقراطية في تحقيق النمو الاقتصادي وكيفية إصلاح ذلك:

لقد أصبح النقاش حول ما إذا كانت الديمقراطية ورأسمالية السوق شرطين أساسيين للنمو الاقتصادي ملحًا أكثر الآن حيث يرى الناس في جميع أنحاء العالم بديلاً موثوقًا يتحدى الأيديولوجية الاقتصادية والسياسية الغربية. 

يفضل الكثيرون النهج الاقتصادي والسياسي الصيني، وهو نموذج رأسمالية دولة حيث توجه الدولة الإنتاج والاقتصاد.

لا شك في أن المزيد والمزيد من الناس، وخاصة في الاقتصادات الناشئة، يرون “الطريق الثالث” للصين بين الرأسمالية والشيوعية كبديل اقتصادي صالح. وتضرب مثل هذه الأفكار على الوتر الحساس ليس فقط في الاقتصادات الناشئة ولكن في أوروبا أيضًا. وقد برر وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير، دعوته لمزيد من تدخل الدولة في الاقتصاد بقوله أنها الطريقة الوحيدة التي يمكن لألمانيا أن تثبت بها وجودها أمام اقتصاد الدولة الصيني.

وعلى كل حال، فإن أساس كل هذه الأفكار هو سوء تفسير القوى الدافعة للمعجزة الاقتصادية الصينية، المعجزة التي تبرهن في الحقيقة تفوق الملكية الخاصة واقتصاد السوق الحر على ملكية الدولة والاقتصاد المخطط.

المصدر

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة شهاب البرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مراجعة كتاب: الكل يكذب؛ البيانات الضخمة والبيانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا – الجزء الأول

لا؛ لن تجعل التكنولوجيا الجميعَ عاطلين عن العمل!