in ,

مراجعة كتاب: الكل يكذب؛ البيانات الضخمة والبيانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا – الجزء الثاني

 مصل الحقيقة الرقمي

«كلهم يكذبون»

أظن أن هذا الجزء هو الأكثر أهمية وإثارة؛ ذلك لأن الجزء الأول من الكتاب يركّز على دور البيانات وحقيقتها، بينما الآن سوف نسلط ضوء تركيزنا على حقيقة أهم: وهي حقيقتنا!

تتمثل القوة الثانية التي تتميّز بها البيانات الضخمة في قدرة بعض مصادر الإنترنت على جذب الناس إلى الاعتراف بأعمق أسرارهم وخصوصياتهم، وهذا ما أُطلِق عليه “مصل الحقيقة الرقمي”.

تعد الاستبانات من بين الوسائل التي يستعين بها الباحثون في استطلاعات الرأي، ومعظمها يحدث في سرّية تامة، لكن بالرغم من ذلك؛ هناك الكثير ممن يعزفون عن قول الحقيقة بالإخبار عن سلوكياتهم وأفكارهم المحرجة للحفاظ على ظهورهم بصورة محترمة، وبالتالي تقع الاستبانات ضحيةً لما يسمى بـ ” الانحياز للمقبول اجتماعيّاً”.

عندما يكون موضوع البحث الاستبياني يخص الجوانب الشخصية للمُستجوَب أو بعض الموضوعات الحساسة، يجعله ذلك مضطرّاً لخلق الادعاءات أو بالأحرى إلى الكذب، ويؤدي هذا الأخير دوراً في تضليل الاستبانات السرية، وبالتالي فشلاً في استطلاعات الرأي؛ إذ يرى “روجر تورانجو”؛ الخبير في الانحياز للمقبول اجتماعيًّا، أن ضعفنا أمام الأكاذيب البيضاء جزء مهم من المشكلة، ويقول إن الناس يقضون ثلث الوقت تقريباً وهم يكذبون في الحياة الحقيقية، وتنتقل عاداتهم معهم في إجاباتهم على الاستبانات، لهذا كلما ابتعد الباحثون عن الأسئلة الشخصية، اقترب الناس من المصداقية.

«يثنيهم الحافز وافتقار الناس للحافز عن قول الحقيقة.»

هذا ما يميّز قوة “مصل الحقيقة الرقمي”؛ إنه “الحافز“، وهو ما يخوّله الإنترنت للناس، وتوفّره بوجه خاص عمليات البحث في جوجل، التي تقود الناس إلى قول الحقيقة بالمقارنة مع عملية الاستبيان التقليدية التي تدفعه للكذب فقط بسبب وجود مشرف على الاستبيان، بينما وأنت منفرد بحاسوبك حتّى وإن لم تخضع لاستبيان إلكتروني فهناك حافز البحث الذي يشكّل بالنسبة لك وسيلة سهلة في الإفصاح عن استفساراتك وأسرارك الشخصية دون الشعور بالحرج أو الإفشاء عن هويتك، فمحرك البحث يدفعك لكتابة أشياء من شأنها أن تكشف عن سلوك أو تفكير كنت ستتردد في الاعتراف به لأصحابك المحترمين، الذين ربّما إن لم يكونوا بالفعل، يقومون بنفس الشيء.

هناك أيضاً “الإكمال التلقائي”: ( ويقصد به عندما يحاول محرك البحث إكمال طلبات بحثك في جوجل عن طريق طرح العديد من الاقتراحات حول عمليات البحث الأكثر شيوعاً).

لكن؛ حسب سيث فهذه الوسيلة غالباً ما تجانب الصواب، لذلك لا يمكن اتخاذها بعين الاعتبار؛ نظراً لأنها مضلّلة بعض الشيء ويرجع ذلك أحياناً إلى تجنب جوجل لاقتراح “كلمات معينة غير لائقة”.

مصل الحقيقة الرقمي يعد الأكثر إقناعاً من بين الوسائل البياناتية؛ ذلك أننا نعي في قرارة أنفسنا بقوة الجذب لدى الإنترنت التي يقوم بها كي يقودنا باستخدام حوافزه نحو عرض خصوصيّاتنا وأحياناً بعضاً من جوانبنا الإنسانية التي لم تكن البيانات التقليدية لتكشفه لنا على الإطلاق.

مراجعة كتاب: الكل يكذب؛ البيانات الضخمة والبيانات الحديثة وقدرة الإنترنت على اكتشاف الخفايا – الجزء الأول

 الجنس/ الكراهية والتحيّز

«عندما يتعلق الأمر بالجنس، سيعمد الناس إلى إخفاء الأسرار»

عن حقيقة الجنس؛ يأخذنا سيث مرة أخرى ليتمم ما تحدث عنه في فصل فرويد، ويُدقّق لنا هنا حول ما قد يخفيه البشر فيما يخصُّ رغباتهم الجنسية (كالمثليين المنطويين على أنفسهم)، ويطلعنا على ما تخبرنا به البيانات عن جوانب -لا يمكن أن تخطر ببالك- من مثل الهوس الجنسي، فضلاً عن أهم الأسئلة وعمليات البحث المتعلقة بالجنس عند الرجال والنساء.

باعتبار الجنس من أكثر الموضوعات حساسيّة، فهي بذلك من أكثرها تجنباً للحديث علناً، ويعود مصل الحقيقة الرقمي ليشغل دوره هنا في كسر حواجز الكذب والادعاء، والكشف عن أهم رغباتنا ومخاوفنا، والكشف عن تسامحنا أيضاً مع الآخرين، إذ يقول سيث:

«لقد شُغلنا جدًّا بالحكم على أجسادنا حتّى لم يبق لنا إلا طاقة بسيطة نستخدمها للحكم على الآخرين».

«ومن الواضح أنه إذا رششت الأوكسيتوسين بأنوف الجميع على هذا الكوكب، سيصبح جنّة عدن في اليوم التالي»، أتذكر هذه المقولة لبروفيسور البيولوجيا وطب الجهاز العصبي “روبرت سابولسكي”؛ إذ كان يناقش الجانب المرعب في سلوكياتنا وكيف أننا مجبولون على تقسيم العالم إلى تركيبات اجتماعية منفصلة:

“نحن” و”هم” حيث نمجد “النحن”، نكنّ لهم كل الحب والاحترام والتقدير، ونساعدهم ونرفع من شأنهم؛ بينما “الهم” هم أولئك الذين نكرهكم، ونتفادى الحديث أو الاقتراب أو حتى ربط علاقات بهم، ولا نكنُّ لهم أي احترام وتقدير بل ونعاملهم أيضاً بسوء إن أتيحت لنا الفرصة. يصوغ لنا سابولسكي في هذا النقاش، أحد أهم صور التحيّز والكراهية في مجتمعاتنا، وهو موضوع هذا الجزء من الكتاب ( سأعود بعد ذلك بالتأكيد لأتمم مناقشة مقولة البروفيسور)، فبعد أن اكتشفنا ما يخفيه البشر عن الجنس والعلاقات الحميمة بسبب الخجل أو الحرج، سنكتشف الآن كيف يخفي البشر مشاعر الضغينة والكره بعضهم لبعض، وكما نعلم جميعاً؛ غالباً ما تكمن أسباب الكراهية في الاختلافات على مستوى العرق والجنس واللون والطبقات الاجتماعية وما إلى ذلك.

ويأتي علم البيانات كعادته لكشف المستور وعرض أهم الإحصائيات والدراسات في هذا الموضوع؛ إذ توصلت أحد النظريات إلى تفسير مفاده أن السبب الكامن وراء النزعة العنصرية هو التحيّز الضمني حسب الاختبار فهو تحيز لا يعلم عنه الشخص شيئاً؛ لكن هذا لا ينفي الشعور الغامض والمقصود للتمييز عند العديد من البشر، فهناك تفسيرٌ آخر يرجع إلى ما يسمى بـ “العنصرية الصريحة الخفيّة”، وهو سلوك عنصري أظهرت بيانات البحث أنه موجود ومنتشر بين البشر غير أنهم لا يعترفون به، وخاصة في خلال استجوابات الاستبانات.

يستمر سيث في إبهارنا بكمية البيانات، ومحتوياتها وكيف أضحى التمييز العنصري متربعاً على عرش المجتمعات، بل وإلى أكثر من ذلك؛ سوف تكتشف نوعاً آخر من تحيزات القرابة بالإضافة إلى التحيزات السياسية والدينية أيضاً.

لنعد الآن إلى مقولة سابولسكي، ففي إطار الموضوع الذي كان بصدد مناقشته، ذكر هرمون “الأوكسيتوسين” وهو هرمون تعزيز الرابطة بين الأم وابنها والعلاقة بين المرأة والرجل كما يعزز ثقتك وتعاطفك مع الآخرين، وحب الخير للغير. الآن وبعد أن يتضح لك ما كان يقصده البروفيسور من مقولته، دعني أتمم ما أضافه عن سمة الأوكسيتوسين ذات الحدين؛ فمثلما يعزز السلوكيات الاجتماعية- الإيجابية للـ “النحن”، فهو يعزز نزعتهم للتحيز ضد “الهم” أيضاً، لكن؛ يضيف سابولسكي مؤكدًّا أننا بإمكاننا التلاعب بالتقييمات التي تجعلنا نبني تصنيفات اجتماعية، والسيئ في الأمر يكمن في أنه قد يُتلاعب بنا عن طريق مختلف المتعصبين للعقائد، ودفعنا إلى خلق تلك الاختلافات والتقسيمات التي ينتهي بها المطاف نحو “التحيز الضمني” و”العنصرية الصريحة الخفية”، وفي الحقيقة كل ما يحتاج إليه هؤلاء المتحيّزون هو فائض من جرعات الأوكسيتوسين!

حقيقة الإنترنت/ الفيسبوك

الإنترنت؛ وهو المولد الرئيس لبياناتنا، يحتفظ بأعداد هائلة منها والتي ترتبط بعضها بوجهات نظر معظم الناس في شتى المجالات؛ ففي حين تجمع البيانات هذا الكم الهائل من وجهات النظر المختلفة والمتضاربة أحياناً، ينأى الإنترنت بأصحاب الآراء بعضهم عن بعض، حيث كلٌّ يقرأ فقط عن وجهة نظره الخاصة؛ لكن مهلاً!

هل هذا حقًّا ما تبديه لنا بيانات البحث؟ في الواقع، يبدو أن الإنترنت أصبح يهدم جدار الانحياز والتعصب الفكري، وبخاصة في المجال السياسي حيث أصبح يقترب من القضاء على الفصل السياسي، بالتقاء أصحاب الآراء المتعارضة في صفحات فايسبوكية ومواقع إلكترونية للاطلاع على جديد الأخبار، لكن مع ذلك؛ يبقى التغلب على الفصل السياسي أمراً مُستبعداً ولا يمكن تحقيقه بشكل تام!

من الإساءة الناجمة على الكراهية والتحيز وكذا التوجهات السياسية المختلفة يمر بنا الكاتب إلى الإساءة إلى الأطفال في خلال فترة الركود الاقتصادي بالإضافة إلى حقيقة الإجهاض، وما أفصحت عنه البيانات الحكومية بهذا الصدد، غير جدير بالثقة لما قد تظهره البيانات الصحيحة من حقيقة قاتمة.

«الفيسبوك هو ميدان للتفاخر الرقمي بين الأصدقاء، وفي عالم الفيسبوك، يبدو أن الشخص العادي سعيد في زواجه، ويقضي عطلته في منطقة الكاريبي، ويتصفح مجلة أتلانتك، وأما في العالم الحقيقي؛ فهناك الكثير من الغاضبين، والذين ينتظرون في الصفوف أمام كاشيرات المحلات، ليختلسوا النظر إلى مجلة ناشيونال إنكوايرر متجاهلين المكالمات الهاتفية من زوجاتهم اللاتي هجرنهم منذ سنوات، وفي عالم الفيسبوك، تبدو الحياة الأسرية مثالية؛ أما في الحياة الواقعية، فالحياة الأسرية فوضى! وقد تزداد أحيانا هذه الفوضى عندما يندم بعضهم على إنجابهم الأطفال. وأيضاً في عالم الفيسبوك، يبدو أن كل الشباب قد أمضوا وقتاً رائعاً ليلة السبت؛ بينما معظمهم في العالم الحقيقي قابعون في منازلهم بمفردهم، يشاهدون بشراهة كل ما يعرض على موقع نيتفليكس!»

يعتبر الفيسبوك مصدراً من مصادر البيانات الضخمة؛ لكنه للأسف لا يشكّل أي أهمية لمصل الحقيقة الرقمي، وهذا الأخير ينبغي أن ترتكز دعائمه على بيانات وأرقام صحيحة، الشيء الذي لا يوفره لنا الفيسبوك.

وعموماً؛ لا يمكن الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي تماماً كما ذكرنا سابقا في مثال الاستبانات، فما دام هناك انعدام لعامل “الحافز” الذي يقود إلى الحقيقة، لا يمكن الاستناد عليها؛ فالفيسبوك بحد ذاته حافز قوي لادّعاء المثالية، ومنصة عريضة للتفاخر والكذب والتودد لأصدقائك الافتراضيين، أضف أن حضورك ليس مخفيًّا بل تحاول أن تبدو شخصاً رائعاً أمام الجميع.

فإذا أردت أن تغضب أي مستخدم لهذه الوسائل، حاول أن تتقصى نقراته وأن تطّلع على جميع أنشطته دون استثناء، فخوارزمياته تعرف عنه أكثر مما يعرفه عن نفسه. إن وسائل التواصل الاجتماعي ما هي إلا نوافذ ضيقة تحجب عنا الكثير من الحقائق وكثيراً ما تجانب الواقع، والاعتماد عليها بمثابة تضليل لعلم البيانات.

لقد أدهشتنا قوة مصل الحقيقة الرقمي في كشف القناع عن كثير من الناس من خلال ما يخلفونه وراءهم من آثار رقمية، وقد يربكك مجموع الحقائق التي توصل إلى مصل الحقيقة الرقمي وما تحمله أحياناً من سوداويةٍ، أمر محبط للغاية! وفي نفس الوقت، يخلّف شعوراً بالراحة لكل وعدم الوحدة لكل من يعيش في منطقة عدم الأمان والسلوكيات المحرجة، فضلاً عن أنه ينبهنا إلى الأشخاص الذين يعانون، والأهم من ذلك فهو يتمتع بالقدرة على انتشالنا من المشكلات إلى الحلول، وكلما زاد اكتشافنا وفهمنا لمصل الحقيقة الرقمي، استطعنا التغلب على المصادر التي تعزز المواقف السلبية.

تكبير الصورة

“علم النفس الضخم”؛ هو ما أطلقه سيث للإجابة على الأسئلة النفسية، وهو مجال علمي (علم نفس النمو) يهتم باستخلاص مجموعات بيانات ضخمة للبالغين ويعمل على ربطها بأحداث مهمة في مرحلة الطفولة، وفي خلال هذه الدراسة ستتبين القوة الثالثة للبيانات الضخمة: تكبير الصورة والتي تسمح بتوضيح وحدات البكسل الصغيرة؛ أي النظر عن كثب إلى الشرائح الصغيرة في مجموعات البيانات بهدف استخراج أفكار جديدة والأجدر من ذلك إزاحة الستار على السلوك البشري بالتحديد؛ الأمر الذي ما زال يحمل معه الكثير من التعقيد على حسب قول الكاتب:

 «وهناك نقطة أهم منها، وتتضح عندما نشرع في تكبير الصورة؛ هي أن العالم معقّد، فيمكن أن يكون للإجراءات التي نتخذها اليوم آثارٌ بعيدة المدى، ومعظمها غير مقصود؛ فالأفكار تنتشر، ولكنها تفعل ذلك ببطء في بعض الأحيان، وفي أوقات أخرى تنتشر بسرعة مثل الفيروسات، فضلاً عن أن الناس تستجيب للحوافز على نحو لا يمكننا التنبؤ به. هذه الروابط والعلاقات، وهذه العواصف والثورات، لا يمكننا تتبعها باستبانات صغيرة أو بالطرائق التقليدية في جمع البيانات؛ لأن العالم ببساطة معقدٌّ للغاية بالنسبة للبيانات الضئيلة».

تمدنا قوة تكبير الصورة أيضاً بإمكانية البحث عن الشبيه، عن طريق تكبير صورة الأفراد والتعرف إلى سماتهم، وكما هي الحال مع التكبير، يزداد وضوح الصورة كلّما كبر حجم البيانات المتوفرة، ويرى سيث أن عملية “تكبير الصورة” ذات قيمة عالية مقارنة مع نتائج دراسات أخرى، وذلك بهدف أنها تقدم أسلوباً جديداً لرؤية الحياة.

العلاقات السببية

العلاقات السببية وهي العلاقة المباشرة بين متغيرين مختلفين، والتي يرتكز اختبارها على التجارب العشوائية، وهنا تكمن القوة الرابعة للبيانات الضخمة في أنها تقوم على تجارب عشوائية (اختبار أ/ب)، سهلة التطبيق ويمكن توظيفها في كل زمان ومكان، كي تحصل على العلاقات السببية، أصبح هذا الاختبار أداة مهمة ضمن مجموعة الأدوات التي يلجأ لها علماء البيانات، وبالإضافة إلى اختبار “التجارب الطبيعية” كما يطلق عليه الاقتصاديون، ويعتمدون فيه على التجارب الطبيعية التي نخضع لها، ويستغلون المسار الاعتباطي في الحياة لاختبار التأثيرات السلبية على الأحداث والأشخاص، ويضعونهم في خانة المجموعات التجريبية والضابطة، « وباختصار؛ في عالم البيانات الضخمة يصبح العالم مختبراً».

خاتمة

كانت رحلتي مع هذا الكتاب حافلة وغنية، ومربكة ومحبطة؛ لكنها كانت مدهشة في غالب الأحيان، لقد أعقدت قوة البيانات لساني من قدرتها على كشف ما قد لا نتوقعه أو يخطر على بالنا إطلاقاً؛ كمية الدراسات واختلاف نوعياتها وخصائصها فضلاً عن دروسها والاكتشافات التي حققتها وغير ذلك من الأمور.

لكن؛ ولا بد لنا من “لكن” في موضوع ينحت بصماته السلوك البشري، فكما ذكرت آنفاً في بداية مراجعتي، فور أن تجتاز أبواب العقل البشري، ستجد نفسك لا محال في متاهة من غير نهاية، وهذا ما خلص له نوعاً ما مؤلف الكتاب “سيث ستيفنز”، فعلى الرغم من الحماس الذي تجلى على ثنايا كتابه منذ بدايته؛ إلاّ أنه سينبهنا في النهاية إلى الحذر مما قد توقعنا فيه بيانات البحث من فخاخ؛ فقد ناقش ما أطلق عليه اسم “لعنة تعدد الأبعاد”، وهي أن تحصل على نتائج شيطانية ترضي توقعاتك الشخصيّة ومبتغاك، في حين أنها مجرد احتمال عشوائي يقبل الشك وربما قد يجانب الصواب، وهو الفخ الذي وقع ضحيته “ماكس كوهين”، عندما محاولته في الحصول على تحليل تنبؤي لسوق الأسهم. 

وكم عديدة هي الحفر التي قد تهددك لعنة تعدد الأبعاد بالوقوع فيها، ولا يمكننا حصر التجارب العشوائية؛ لأنها موجودة في كل مكان ولا يمكننا أن نطبق عليها جميعاً علاقات سببية، واختبارات من عالم البيانات، لذا؛ من واجب كل عالم بيانات أو خبير اقتصادي أن يكون متواضعاً وأن يكون على علم بأن استهلاكه الطويل لبيانات البحث قد لا يقوده إلى أي نتيجة، غير أن يجد نفسه محاطاً بعدد هائل من الخوارزميات غير الصالحة للاستخدام.

هذه المهمة تحتاج إلى تركيز مفرط، وذكاء في الاستخدام وحذر شديد، ثم إنها لا تغنينا عن جميع الوسائل الأخرى التي طوّرها البشر على مدى آلاف السنين لفهم العالم، والحقيقة أن كلاًّ منهم مكمل للآخر. وقد خلُص سيث في خاتمة كتابه إلى: «فالنقطة المهمة هي أن علم الاجتماع أصبح علماً حقيقياً، والعلم الحقيقي الجديد على أهبة الاستعداد لتحسين حياتنا».

وستبقى حال دماغنا كما هي عليه؛ نظامٌ معقد ومتداخل، بينما البيانات فتحمل بالتأكيد بين ثناياها قدرة ثورية لا ننكر فائدتها على مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الطبية (تحديد أماكن انتشار مرض خطير وأسبابه)، ومتابعتها واجبُ كلِّ عالم بيانات، شرط الحذر وتجنب التعميم.

هناك الجانب الغامض في استخدام هذه البيانات، فلا يمكننا مثلاً أن نثق ببيانات الحكومة ثقة عمياء، العالم مليء بالأخيار كما هو مليء بالأشرار، والكثير ممن هم يستخدمون قوة البيانات الضخمة أو يدفعون أموالاً طائلة للحصول على أهم وأكثر البيانات سريّة لقضاء مصالحهم والترويج لأعمالهم وممارسة سلوكياتهم الشنيعة في سبيل هدم مشاريع الآخرين وحرم المواطنين من حقوقهم، وتحقيق السلطة والإخضاع من خلال الاستيلاء على كل شيء، وإفشاء التحيّز والتمييز لنشر العدوانية، فحتى وإن كانت النتائج الثورية للبيانات تُوسّع نطاق فهمنا للبشر، فإن مستخدمها هو ذاته كائن بشري، وليس كل مستخدم بيانات شخصاً صالحاً!

  • إعداد: شيماء بلالة.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
شيماء بلالة

كتب بواسطة شيماء بلالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا؛ لن تجعل التكنولوجيا الجميعَ عاطلين عن العمل!

تزييف الصين لحجم اقتصادها: تؤكِّد التقارير أن الاقتصاد الصيني أصغر بنسبة 12% من الأرقام الرسمية!