in

حل النزاعات التجارية في ظل منظمة التجارة العالمية

بعض الأمثلة العملية لهذه النزاعات التجارية الدولية في ظل منظمة التجارة العالمية لتوضيح كيف تحدث هذه العملية بشكل أكبر.

النزاع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حول هرمونات لحم البقر

كانت هناك اتفاقية في قوانين المنظمة وثيقة الصلة بهذه الحالة بالذات تُسمى بـ “اتفاقية تدابير النظافة والصحة النباتية”، تقول أنه إذا وجدت دولةٌ ما أن دولةً أخرى تصدّر منتجات يمكن أن تؤذي أو تقتل أو تشكل خطر بطريقةٍ أو بأخرى على مواطنيها، فلها الحق بحظر هذا المنتج أو وضع نوع من القيود على ذلك المنتج. لكن يتعين على الدولة التي تأتي بمزاعم على أن منتجات دولة أخرى خطرة صحيًا على مواطنيها أن تقدّم بعض الأدلة العلمية وفق المعايير المقبولة دوليًا للأدلة.

ما حدث في النزاع بين الولايات المتحدة وأوروبا هو أن أمريكا تنتج أكثر من 90% من لحم البقر الأمريكي من خلال حقن الماشية بالهرمونات في آذانها لجعلها تنمو وتكبر بسرعة، يشعر بعض الناس بالقلق من تناول لحوم البقر التي نتجت بهذه الطريقة، ولذا قالت أوروبا بأنها ستحظر جميع واردات لحوم البقر من الولايات المتحدة لأنها لا تعتقد أنها آمنة ولكن في الوقت نفسه، لم تتمكن من تقديم أدلة علمية مقبولة دوليًا في ذلك الوقت توضح كيف تمثل لحوم البقر هذه خطرًا على صحة الإنسان.

وبالتالي، ذكرت منظمة التجارة العالمية أنها لن توافق على هذا المنع الذي فرضته أوروبا، لأنها أولًا لم تأتِ بأيّ أدلة علمية تدعم بها حججها، وأيضًا لأن هذا قد يكون مجرد وسيلة لحماية صناعة لحوم البقر الخاصة بها. وإذا منعت أوروبا لحم البقر الأمريكي فسوف تعطي الولايات المتحدة الحق في الانتقام. رغم ذلك لم يهتم الاتحاد الأوروبي لهذا التحذير ومنع لحوم البقر هذه من دخول السوق الأوروبي.

تمثّل رد الولايات المتحدة بفرض الرئيس أوباما تعريفةً جمركية على المنتجات الفاخرة حتى لا يتضرر المستهلك الأمريكي في ظل صراعٍ تجاري حاد مع أوروبا، وظلت هذه التعريفة ضد المنتجات الأوروبية الفاخرة لعقد دون أي تغيير في السياسة التجارية من قبل الاتحاد الأوروبي، وبسبب عدم حصول أي تقدم ملموس في هذا النزاع استسلمت الولايات المتحدة الأمريكية وطلبت الوصول إلى اتفاق مع أوروبا حول هذا الموضوع، فكان الاتفاق هو أن تسمح أوروبا باستيراد المزيد من لحوم البقر العضوية من الولايات المتحدة مقابل رفع هذه الأخيرة الرسوم الجمركية على المنتجات الفاخرة؛ وهذا ما حدث ولكن في نفس الوقت غضب المزارعون الأمريكيون لأن الاتحاد الأوروبي لم يقدم أي دليل على ادعاءاته ولم يعر أي اهتمام للنزاع.

النزاع التجاري بين البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية حول دعم زراعة القطن

كان مصدر النزاع هو أن الولايات المتحدة كانت تقدم إعانات مالية وفوائد مالية لشركات القطن التي تنتج القطن في الولايات المتحدة، وهذا يُعتبر انتهاكًا “لاتفاقية الإعانات والتدابير التعويضية” التي يتفق عليها أعضاء المنظمة. إذ ما كان يحدث هو أن الشركات الأمريكية كانت تأخذ دعم وفوائد من الحكومة رغم أن الولايات المتحدة لا تملك ميزةً نسبيةً في إنتاج القطن مقارنةً مع البرازيل التي تتميز بتكاليف العمالة أقل بكثير ومناخ ممتاز لزراعة القطن. لهذا السبب كان مسؤولو البرازيل غاضبين جدًا من تصرفات الولايات المتحدة.

الأسباب وراء قيام حكومة الولايات المتحدة بالقيام بذلك كانت سياسية، إذ يوجد منتجو القطن في الأجزاء الجنوبية من الولايات المتحدة، والسياسيون بحاجة إلى الفوز بأصوات هذه الولايات، فكل هذه الأسباب لم تكن تتعلق بتاتا بالتجارة الدولية بل كانت تشوه التجارة الدولية وآليات السوق من خلال التدخل الحكومي في التجارة.

لذا رفع مسؤولو البرازيل دعوى إلى منظمة التجارة العالمية، وفازوا بها لأن ما قامت به الولايات المتحدة كان خرقًا واضحًا لاتفاقية  المنظمة، وسُمِح لللبرازيل بالانتقام من الولايات المتحدة.

رغم هذا الفوز أدرك روبرتو أزيفيدو سفير البرازيل في المنظمة، والذي أًصبح الآن رئيسًا لها، أنه إذا فرضت البرازيل تعريفة على منتجٍ ما تصدره الولايات المتحدة إلى البرازيل، فلن يكون ذلك كافيًا لجذب انتباه الولايات المتحدة للنزاع، لذلك طلب من منظمة التجارة العالمية أن تعطيه الصلاحية لفعل المزيد، لذلك قال إنه يود إلغاء حماية براءات الاختراع للولايات المتحدة. أي منتجات براءة اختراع مثل المنتجات الصيدلانية وحقوق النشر لمنتجات مثل أفلام هوليود التي تُصدَّر إلى البرازيل فقبلت منظمة التجارة العالمية باقتراحه، وبهذا استحوذ على انتباه الولايات المتحدة التي طلبت من البرازيل ألا تفعل ذلك لأنها ستدمر الاقتصاد الأمريكي ولأن الدول الأخرى قد تبدأ في فعل الشيء نفسه. فكان رده بقول أنه لن يفعل ذلك، وفكر بخطة أخرى وكانت الخطة أنه طلب من الولايات المتحدة تقديم إعانات لمنتجي القطن في البرازيل مثلما تفعل مع منتجيها، وكان يعلم أن هذا لن يساعد لكن هدفه كان وسيلة لإحراج الولايات المتحدة.

لأنه عندما سوف يرى الليبراليون في الكونغرس أن أموال ضرائب المواطنين الأمريكيين تقدم لإعانة منتجي القطن البرازيليين، لن يقبلوا بتقديم إعانات لا لمنتجي القطن في الولايات المتحدة أو للبرازيليين، وهذا ما حدث بالفعل عندما بدأت مناقشة مشروع قانون الزراعة في الكونغرس، وكان هذا محرجًا للحكومة الأمريكية، فكان هناك بعض التعديلات في مشروع قانون الزراعة الأمريكي، فضلًا عن بعض الحركات للتخلص من هذه الإعانات خطوةً بخطوة. كان منتجو القطن في الولايات الجنوبية يقفون ضد الكونغرس الأمريكي في هذا القرار لأنهم كانوا يستفيدون من أموال دافعي الضرائب رغم عدم تميزهم بميزة نسبية في هذه التجارة. لم يكن هناك إلغاء للدعم بين عشية وضحاها، ولكن على الأقل كانت هناك بعض الحركة في الاتجاه الصحيح للقيام بهذا.

لا أريد الإطالة بذكر النزاعات التجارية الأخرى وبعضها التي طالت لمدة عقود بدون حل ليومنا هذا، فقد فشلت المنظمة في حل العديد من النزاعات ولا زالت تفشل في هذا ليومنا. ما خلق صراعًا داخل أورقة المنظمة بسبب عدم كفاءتها في حل النزاعات التجارية أدى للتسبب بحروب تجارية تضر بالمنتجين والمستهلكين على حد سواء.

تظهر هذه الأمثلة أنه رغم الجهود المبذولة بعد الحرب العالمية الثانية من أجل حرية تجارية أكثر لكن التجارة الحرة الحقيقية لم تكن في تناغم مع إيقاع هذه الفترة إذ أن التجارة الحرة لا تتطلب قوانين معقدة، ولا بيروقراطيات مملة. فقد سعت حكومات ما بعد الحرب إلى تجارة موجهة وخاضعة لإرادتها بدلًا من التجارة الحرة، ويُعد هذا المسعى خاطئًا ومضرًا بالاقتصاد، وتوجد طرق أخرى لكيف يجب أن تكون التجارة وكيف يجب حل النزاعات التجارية الدولية. طريقة حل النزاعات التجارية الدولية في القرون الوسطى بين التجار الدوليين، كانت أفضل وأكثر فعاليةً من إعطاء هذه المهمة للحكومات والمنظمات العالمية البيروقراطية.

خلاصة

ما يجب أن نستخلصه من هذا أنه الفكرة القائلة بأن النزاعات التجارية تتطلب حكومات ومنظمات عالمية لحلها بطريقة جيدة؛ يظهر لنا التاريخ والقانون التجاري في القرون الوسطى الذي أدى للثورة التجارية بأن هذا خاطئ، وأن أفضل طريقة لحل النزاعات التجارية تكون أكثر كفاءة خارج المحاكم الدولية والعالمية.

بالرغم من أن نظام التجارة الموجهة الذي تلا الحرب العالمية الثانية بمنأى عن المثالية، فقد كان يُعد تطورًا ملحوظًا على السياسات الحمائية التي انتشرت بشكلٍ كبيرٍ في النصف الأول من القرن عشرين وتسببت في عدة صراعات. ورغم أنه حتى البيروقراطيات العالمية التي أدارت التجارة بدت ولفترة وجيزة وكأنها تتحرك بالاتجاه الصحيح، مخفضةً التعريفات الجمركية بشكل عام لكن هذا لم يطل لمدة كبيرة؛ وبالرغم من هذه الفوائد لا سيما مقارنة بحال العالم في بداية القرن عشرين، لكنه لا يزال يواجه مشكلات كبيرة أخرى ويمكننا رؤية هذا بشكل واضح في يومنا هذا من خلال الحرب التجارية العالمية التي نعيشها، وانتشار السياسات الحمائية بشكل واسع، ما أدى لإعاقة التقدم وخفض النمو الاقتصادي بشكل كبير.

ففكرة السعي إلى تحرير التجارة من خلال المفاوضات بين الحكومات على أساس مبدأ المعاملة بالمثل من أجل تخفيض الحواجز التجارية شيء خاطئ، ويتجاهل مثل هذا الفكر تمامًا الحقيقة الاقتصادية القائلة بأن التجارة عبارة عن تبادل طوعي بين الأفراد وليس الحكومات.*فعلى المستوى الوطني فإن أفضل وأمثل سياسة تجارية التي تعترف بهذه الحقيقة على أفضل وجه في الخفض أحادي الجانب للحواجز الجمركية وغير الجمركية أي ما يُسمىUnilateral free trade  التي سيتم شرحها وتوضيحها بشكل أكثر تفصيلًا لاحقاً.

* Not a Zero-Sum Game The Paradox of Exchange.


المُساهمون:

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق: رأفت فياض.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا؛ فيدل كاسترو لم يُحسِّن قطاعي الصحة والتعليم في كوبا!

نجاح رواندا الاقتصادي: كيف تكون الأسواق الحرة جيدة للأفارقة الفقراء