in

التلاعب بالأسعار في خلال الكوارث الطبيعية

“الواقع معطًى موضوعيٌّ؛ الكون هو كما هو وليس كما نريده أن يكون، وتمني خلاف ذلك لن يجعله كما نريد”. 

– آين راند

ينتشر نقاشٌ وجدلٌ حول أخلاقيات ما يسمى التلاعب بالأسعار (Price Gouging) وكفاءَته كلما وقعت كارثة طبيعية أو أي حالة طوارئ عالمية مثل الهلع المُنتشر الآن بسبب ڤايرس كورونا المُستجد (COVID- 19).  تُعدُّ هذه الحالات فرصةً فريدة لاستكشاف بعض الأفكار الأساسية في الاقتصاد؛ وفهم هذه الأفكار مهمٌ ليس فقط بالنسبة إلى طريقة عمل الاقتصاد في حالات الطوارئ، بل أيضًا لفهم كيف يعمل اقتصاد السوق في الأوقات العادية ولماذا يتفوق على جميع البدائل المقترحة.

كثيرًا ما يشير المستهلكون وغيرهم إلى أن رفع الأسعار بهذه الطريقة فعلٌ استغلالي، ولدى معظم الدول قوانين ضد رفع الأسعار في مثل هذه الحالات، ويعود رد فعل حكوماتها على هذا الفعل دائمًا بضرر ونتائج سيئة على الجميع. 

إن أكثر ما يُميّز اقتصاد السوق عن الاقتصادات الأخرى هو اتباع الطريقة المُثلى لتوفير السلع للمستهلكين وإمكانية تحديد كيفية استهلاكها، وذلك عن طريق نظام التسعير؛ فليست أسعارُ السوق طريقةً جيدةً فقط لتحديد من يجب أن يحصل على السلع، بل أيضًا تعمل على تشجيع الناس على زيادة توريد السلعة أو تقليصه اعتمادًا على كمية الطلب عليها.

اليوم؛ هناك عدة قوانين حكومية للتحكم بالأسعار ومنع الباعة من رفع الأسعار في حالات كهذه ويُعطي السياسيون والناس تبريرات عدة لهذا المنع؛ إذ يقولُ السياسيون إن رفع الأسعار حيلةٌ وخداعٌ يستغلُّ التجارُ الناسَ من خلالهما. لكن؛ هنا يقع اختلافٌ كبيرٌ اعتمادًا على الحالة التي توجد فيها وعلى من تسأله عن كيف أو متى يمكن أن نسمي هذا استغلالًا. بموجب قانون بعض المناطق؛ فإن أي شيء يزيد عن 10 % من السعر يُعدُّ خداعًا واستغلالًا للمستهلكين؛ وفي منطقة أخرى يمكن أن تجد نسبة أقل أو أكثر. يشير هذا التباين إلى أن كيفية تعريف الدول لتلاعب الأسعار هو أمر تعسفي ولا يمكن تحديده، وهذا ما يحدث عندما نترك التسعير للمشرعين عوضًا عن السوق. 

كالعادة؛ إن المُشكلة في بعض السياسات والقوانين التي يفرضها السياسيون ويطالبون الناس بها هي عدم تمكنهم من رؤية ما وراء هذا القانون أو هذه السياسة؛ ويلاحظون فقط ما هو أمام أعينهم مباشرة دون الأخذ بعين الاعتبار ما لا يُرى وراء فرض قانونٍ يحد من الحرية والطوعية في التعامل بين البائع والمشتري؛ وهذا ما يسبب انتشارَ عديدٍ من المغالطات الاقتصادية التي تؤدي إلى كوارث اقتصادية وسياسية. وهنا سأشرح كيف تعمل قوى اقتصاد السوق في مثل هذه الحالات وكيف أن تدخل الحكومة لضبط الأسعار والتحكم بها يخلق مُشكلات عدة في السوق، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج سيئة جدًا.

تحليل سبب رفع الأسعار (Price gouging) وفهمه:

“أعظمُ الأهداف الأخلاقية هو السعي لتحقيق سعادتك الذاتية. تُفسَّر الأنانية بصورةٍ مغلوطةٍ؛ إنها لا تعني استغلال الآخرين لمصلحتك الذاتية، بل تعني أن تدرك قدراتك القصوى من خلال طرائقَ عقلانيةٍ وأن تعيش بتناغمٍ واحترامٍ مع الآخرين”.

-آين راند

لنفترض أن لدينا كومة كبيرة من المنتجات أمامنا؛ كيف يمكننا أن نحدد -بغض النظر عن بيعها بسعر السوق- مَن الذي سيحصل على تلك السلع؟

إذا طبقنا سياسة “مَن يأتي أولاً، يخدم أولاً” يمكن أن يكون لدينا نوع من نظام اليانصيب الذي يكتسب بموجبه أشخاصٌ عشوائيون الحقَّ في أخذ البضائع. يمكننا توزيع البضائع بتقسيمها بالتساوي بين الحاضرين ويمكننا أيضًا استخدام نوع من نظام الجدارة، أو التوزيع وفقًا لمفهوم الحاجة. كما يمكننا أيضًا إعطاء الحق بأخذ الأشياء بالقوة والصراع، والسماح للناس بالمكافحة للحصول على حاجياتهم.

كل هذه هي الطرائق الممكنة على الأقل التي قد نحدد فيها من يستهلك ماذا، نجد أن فيها عيوب عديدة وتُنتج عواقب سيئة جدًا على الجميع.

لكل من أنظمة التوزيع الغير السعرية البديلة هذه بعض المزايا وبعض العيوب، وقد أظهرت الحوادث التجريبية أن عيوبها أكثر من مزاياها؛ فلكل واحد عيب كبير لم نناقشه: لا يقدم أي منها أي معلومات أو حوافز مع فيما يتعلق بتوريد المنتجات!

بشكل أعم، فإن وجود سعر السوق -بغض النظر عن الكيفية التي قد يتغير بها- يوفر المعلومات والحافز للإنتاج، ولا أي واحدة من أنظمة التخصيص البديلة هذه تهتم بمسألة التوريد. يفترض الجميع ضمنيًا أن الأشياء “تظهر” فقط، ولا واحدة من هذه الأنظمة البديلة لديها أي طريقة للتأكد من أنه بمجرد استنفاد العرض الحالي من المنتجات، سيُوفَّر المزيد. والنظام الوحيد الذي يوفر لنا كل المعلومات الضرورية هو نظام التسعير الذي يعطي الإشارات الضرورية لحالة قانون العرض والطلب.

ما يحدث عند حدوث كارثة طبيعية أو بشرية هو أن البائعين والتجار يرفعون أسعار المنتجات التي بين أيديهم ويبيعونها للمستهلكين بثمن مرتفع مقارنة بثمنها الطبيعي قبل الكارثة وهذا ما يسمى في علم الاقتصاد بالـ Price Gouging. يعتبر العديد من الناس هذا فعلًا استغلاليًا وغير أخلاقي وأن هؤلاء التجار أشرار وعديمي الرحمة لأنهم يستغلون معاناة الناس من أجل مصالحهم الشخصية. لكن؛ نجد هنا أن هؤلاء الناس لا يرون فعليًا الصورة بأكملها ويرون فقط ما يظهر لهم بشكل مباشر ويتفاعلون معه بعاطفة وبدون موضوعية أو منطق اقتصادي. 

وهذا ما شرحه الاقتصادي فريدريك باستيا مرات عديدة في كتابه “ما يرى وما لايرى (Ce qu’on voit et ce qu’on ne voit pas)”؛ إذ يتفاعل العديد من الناس مع بعض الحالات والسياسات من غير تعمق لأنهم لا يرون الأحداث الناتجة وغير المرئية بالنسبة لهم وراء سياسة ما أو قانون ما، إذ يصعب تكوين هذه الرؤية وتحليلها على الشخص غير المُلم جيدًا بالاقتصاد.

يجب على معارضي رفع الأسعار Price Gouging دراسة كيف تعمل بعض القوانين الاقتصادية الأساسية لفهم سبب حدوث هذا الارتفاع في الأسعار في مثل هذه الحالات؛ فهذه القوانين هي قانون العرض والطلب والندرة. إن رفع الأسعار في هذه الحالات ما هو إلا إشارات (Signals) لحالة السوق في هذه الظرفية المعينة، وتعكس (Reflect) هذه الأسعار حالة العرض والطلب في تلك الظرفية وندرة هذا المنتج، وعلى الناس فهم أن الكوارث لا تلغي القوانين الاقتصادية؛ إذا تصرفنا كما لو أنها تفعل، فإن هذا سينتج البؤس والمعاناة.

عندما يرتفع سعر الماء المعبأ (المعدني) مثلًا -أو أي منتج آخر- في هذه الحالات؛ يكون ذلك بسبب أن عرض هذه السلعة قد انخفض والطلب عليها قد ارتفع بشكل كبير فلا يمكن توفير الكمية الكافية لإشباع هذا الطلب. وإذا ما أراد شخص أو بائع جلب هذا المنتج للمنطقة المهددة بالكارثة، سينتج عن ذلك تكاليف مرتفعة جدًا فيصبح سعرها مرتفعًا. تدمر الكوارث الطبيعية مخزون المنتجات والبنية التحتية (بما في ذلك محطات معالجة المياه والطرق). يُقلَّل المخزون الحالي الموجود من المياه المعبأة مثلًا وحتى البدائل القريبة، مثل مياه الصنبور، كما ينخفض تدفق إمدادات المياه، وتُدمَّر العديد من الطرق والمركبات المُستخدمة عادة في نقل المياه المعبأة إلى السوق، وتصل إلى المنطقة المتضررة بكميات أقل. باختصار؛ ينخفض العرض بشكل ملحوظ.

إذا ارتفع سعر المياه المعبأة، فإن هذا يحدث إما بسبب انخفاض الإمدادات (العرض) أو بسبب ارتفاع طلب الناس. في أعقاب الكوارث الطبيعية، تحدث كل من هذه التأثيرات بقوة غير مسبقة. يعكس ارتفاع سعر الزجاجة الواقع الأساسي؛ وهو يعكس حقيقة أن إمدادات المياه المعبأة أقل والطلب عليها أعلى؛ أي إنها تعكس حقيقة أن المياه المعبأة أصبحت الآن أكثر قيمة مما كانت عليه قبل الكارثة.

المشكل الآخر هو أن الحفاظ على الأسعار منخفضةً يشجع على الاكتناز المفرط Hoarding؛ يُحمّل الناس عربة التسوق بأكبر عدد يمكن استيعابه من زجاجات المياه وهذا مشهد شائع رأيناه ونراه في أثناء أي كارثة طبيعية وقعت أو مُهدِّدة بالوقوع ، وهذا شبيه بما نشهده الآن مع انتشار الذعر من ڤايرس كورونا وكيف جرت مؤخرًا بعض الشجارات في أستراليا ونرويج بين الزبائن لشراء ورق المرحاض؛ وهذا يحدث بسبب أن بعض الناس ينتهي بهم الأمر بشراء كمية أكثر مما يحتاجون.  وسبب ارتفاع الطلب على هذا المنتج أيضًا هو أن الناس في أثناء الكوارث الطبيعية يظهرون نواياهم الأنانية؛ فهناك من يريد أن يشتري ذلك المنتج بكميات كبيرة جدًا رغم وجود كمية كافية لديه ولكن بسبب عدم اليقين يشتري المنتج بكميات مرتفعة من أجل تخزينها على حساب أشخاص آخرين في أمسّ الحاجة إليها.

وهنا في هذه اللحظات؛ يرتفع سعر المنتج وقيمته بشكل أكثر مما كان عليه سابقًا في الحالة العادية. لهذا فعندما تتدخل الحكومة من أجل منع البائع من رفع أسعار المنتج فهنا تزيل الحافز الذي يجعل من هذا البائع أو الباعة من مناطق أخرى أن يجلبوا هذه المواد للمنطقة المهدَّدة والتي تَعرف طلبًا مرتفعًا جدًا لهذه المنتجات. بسبب أن تكلفة توريد هذه المنتجات وجلبها يصبح مرتفعًا، فإن بيعها بنفس الثمن السابق لا يعطي الباعة الحافز من أجل المخاطرة بحياتهم لتوفير هذه السلع للناس؛ فالبائع هنا لا يرى أي منفعة له للمُخاطرة بحياته من أجل الآخرين، لكن عندما يكون حافز الربح موجود يصبح بإمكانه المخاطرة بنفسه من أجل مصلحته الشخصية.


الحالات التجريبية لرفع الأسعار أو منعها في أثناء الكوارث الطبيعية:

من النتائج التجريبية التي حدثت مرات عديدة في بعض الولايات الأمريكية ودول أخرى -مِن التي لديها قوانين تمنع رفع الأسعار- هو انتشار طوابير طويلة من المستهلكين يحاولون شراء المنتجات الضرورية. تشبه هذه الطوابير طوابير الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية التي تتحكم في الأسعار، والتي دائمًا ما ينتج عنها إفراغ المحلات من المنتجات الضرورية ذات الاستهلاك اليومي.

ما يحدث في هذه الطوابير الطويلة هو أن الناس ينتظرون مدةً طويلة من أجل شراء منتج ما أو تحدث فوضى بسبب علم بعض الناس أن المنتجات قد تنتهي قبل وصول دورهم بسبب هذا الطابور، وعندما تنتهي المنتجات بسبب منع رفع الأسعار، لا يسعف الحظُّ الأشخاصَ في آخر الطابور فلا يجدون المنتجات التي هدروا وقتًا طويلًا من أجل الحصول عليها، وحتى لو أرادوا أن يدفعوا ضعف ثمنها فما مِن طريقة للحصول عليها. يشتري الناس في مقدمة الطابور فائضًا من هذه المنتجات من أجل تخزينها على الرغم من أنهم لن يستهلوكها في القريب العاجل. 

كل هذا يحدث لأن الثمن لم يعطِ الإشارات الحقيقية لقيمة تلك البضاعة، وكان الطلبُ مرتفعًا جدًا لدرجة أن العرض لم يتمكن من تلبية الطلب المفرط. ولا يجد البائع، الذي سيحاول المخاطرة بحياته أو أخذ مبادرة الذهاب إلى منطقة أخرى لجلب منتجات لبيعها في هذه المنطقة، الحافزَ للقيام بهذا. وهنا، يجب على المستهلك الذي في أمسّ الحاجة إلى هذه المنتجات أن يخاطر بحياته ويذهب إلى بلدة قريبة أو منطقة قريبة لشراء الماء والغذاء والمنتجات الضرورية التي يريدها. 

يجب ألا ننظر إلى هؤلاء التجار بحقارة أو ننعتهم بالمستغلين والأشرار. بل العكس تماما؛ فرفعهم للأسعار يصب في صالح الجميع وإذا لم يرفعوا الأسعار لن يضر ذلك بالجميع فقط، بل لن يكون عادلًا للجميع أيضًا وسيشكل خطورةً أكثر من حالة رفع الأسعار. والآن سأوضح لكم كيف يعمل هذا. 

عند منع التجار من رفع أسعار المنتجات التي تعرف طلبًا مرتفعًا في هذه الحالات، فما يحدث هو أن هذا التاجر أو البائع سيجد محله مليئًا بالمستهلكين وطلباتهم التي تفوق عرض المنتجات المتوفرة، والمستفيد الوحيد من هذا هم المستهلكون في مقدمة الطابور أي الذين أتوا باكرًا والذين بإمكانهم شراء جميع الكميات الموجودة تقريبًا على عكس المستهلكين المتأخرين الموجودين في آخر الطابور، فإضافةً إلى إضاعتهم الوقت الثمين بالانتظار، سيعودون لمنازلهم فارغي الأيدي. وهنا يجب أن نتساءل؛ هل الطابور الذي تم خلقه يُعد طريقة عادلة لتحديد من يمكنه شراء المنتجات التي يحتاجها أم غير عادلة؟ الجواب بالطبع أنها طريقة غير عادلة كليًا.

إذا لم يرفع التاجرُ الأسعار في هذه الحالات فهو يضر بالجميع لأن ما يقوم به هو إخفاء الإشارات الحقيقية للأسعار في تلك الحالة المعينة؛ إذ إن هذه الأسعار هي الإشارات التي يجب أن تُظهَر وتُرسل إلى الأسواق الأخرى لكي يظهر للجميع أن هذه المنطقة تعرف نقصًا في المنتجات الضرورية و تعرف حالة عاجلة ويجب أن تُشحَن المنتجات إليها من قبل تجار ومنتجين آخرين؛ فإذا لم تُرسل إشارة الأسعار هذه إلى العالم الخارجي لن تعرف بقية المناطق الخارجية بوجود نقص في المنتجات فيها، وهذا سيؤدي لخفض القيمة والسرعة المطلوبة لكي يشحن المنتجون الخارجيون -الذين لديهم حافز الربح- الإمدادات بمختلف المنتجات المطلوبة في هذه المنطقة، وهنا نتيجة للمنافسة والعرض المتوفر ستنخفض الأسعار إلى حالتها الطبيعية مرة أخرى. 

يعني هذا أنه عندما يرفع هؤلاء التجار الأسعار، سيتمكن الناس الذين في أمس الحاجة لهذه المنتجات من شرائها. أما عند منع هذه  الممارسة فلن يتوقف الأمر عند النقص الحاد في المنتجات واختفائها أو هدر وقت الناس في طوابير الانتظار؛ بل أيضًا سيتحملون تكلفة الفرص البديلة Opportunity Cost؛ وهنا سيخسرون الوقت والفرصة في تلبية أغراض أخرى أكثر أهمية من شراء البنزين مثلًا الذي ما هو إلا وسيلة للغاية التي يريدونها. 


رفع الأسعار أفضلُ وسيلة لعقلنة الاستهلاك والتوزيع المنصف:

حين ترتفع الأسعار بهذه الطريقة، يعطي البائعُ إشارة واضحة للناس ليقوموا بعقلنة استهلاكهم، وهذا يعطي الفرصة للناس في آخر الطابور في إيجاد السلع الضرورية وشراءَها، ولمن هم في أمس الحاجة لها بالمقارنة مع ظاهرة الاكتناز المفرط لدى الناس في أول الطابور الذين يريدون تخزينها مدة أطول فقط دون استعمالها في القريب العاجل. 

إن أحد آثار ارتفاع الأسعار هو إجبار المستهلكين على التفكير بعناية في استخدامهم للموارد؛ إذا ارتفعت أسعار المياه المعبأة مثلًا بشكل كبير، سيقل احتمال تحميمِ الناسِ لحيواناتهم الأليفة بزجاجات المياه المعدنية، ليوظفوها  في تلبية الاحتياجات الأكثر أهمية. لذا؛ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تحديد أولويات الاستخدام بشكل أفضل، وهو بالضبط ما نريد حدوثه عندما تصبح الموارد أكثر ندرة. 

إذا كان معارضي Pirce Gouging يهتمون فعلًا بالتوزيع المنصف، فإن ترك الأسعار ترتفع في أثناء الكوارث يعد أداة عقلانية وفعالة بشكل مدهش. تعني الأسعار المرتفعة أن الشراء المفرط لبعض المنتجات -فقط للتخزين المفرط بسبب عدم يقين الناس بما سيحدث- سيُعقلَن بطريقة أفضل الآن. بالإضافة إلى ذلك، عندما لا يكون هناك ما يكفي، سينتهي الأمر عادة بأن الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إلى المُنتجات المحدودة بأن يشتروها بأكثر من سعرها الفعلي؛ نظرًا لحاجتهم إليها. فكر في الأمر: إن احتمال دفع مبلغٍ كبيرٍ لقاء الحصول على مولِّد كهربائي مثلًا في أثناء الأزمة هو أكبر لدى مَن يريد اقتناءَه لأسباب صحية بالمقارنة مع مَن يريده كي لا ينقطع عن لعب ألعاب الفيديو.

إذا كانت القيمة السوقية لزجاجة ماء 25 دولارًا، فإن منع التجار من فرض سعر أعلى من 5 دولارات يخفي على المستهلكين حقيقة أن مياه الشرب أصبحت الآن أغلى مما كانت عليه قبل الكارثة، كما يخفي سقف السعر هذا عن الموردين الحقيقة نفسها. إن العواقب الحتمية لهذه الخدعة تضيف المشكلات التي تسببها الكارثة الطبيعية فقط، مع إبقاء السعر منخفضًا بشكل مصطنع -عند مستواه قبل وقوع الكارثة- سيحاول المستهلكون استخدام هذه السلعة التي تعتبر في هذه الحالة أكثر قيمة دون أي عناية وسيتعامل الناس معها بنفس الطريقة التي تسبق وقوع الكارثة، الأمر الذي يعتبر خاطئًا كليًا.

بالإضافة إلى عقلنة استهلاك السلع المحدودة مبدئيًا، تشجع الزيادات في الأسعار الشركاتِ على توفير المزيد. في حين أن البعض قد يعتبرها مسؤولية أخلاقية على التجار والمتاجر للبقاء مفتوحة وطلب حمولات إضافية من الإمدادات لمساعدة المجتمع، فمن الواضح أن ذلك يأتي بتكلفة ومخاطر هائلة على أعمالهم وموظفيهم والموردين أنفسهم. إذا سمحنا للبائعين بالتعويض عن هذا الجهد الإضافي والمخاطر من خلال رفع الأسعار، سينتج نقص أقل في الموارد المهمة.

عندما يكون هناك تلاعب بالأسعار تُوزَّع الموارد بطريقة فعالة وفي ظرف وجيز، أضف أن الأسعار عندما تعطي الإشارات الحقيقية للمنتجين الآخرين، سيأتون بدافع الربح لجلب منتجاتهم من مناطق مختلفة وبيعها في هذه المنطقة؛ ما سيؤدي إلى خفض الأسعار بسرعة واستقرار السوق،  وفي نفس الوقت ستُلبَّى احتياجات الجميع على حساب أهمية كل شخص وتفضيله الفوري time preference.

في هذه الحالة؛ لا شك أن لرفع الأسعار وأثره على السوق والأسعار -على المستوى الكلي- تأثير إيجابي. ومن يظن أن الناس لن  يشتكون عند منع رفع الأسعار، عليه أن يستمع إلى شكاويهم عندما لا يجدون المنتجات التي يحتاجون إليها أو عندما يضيعون وقتهم الثمين في طوابير الشراء الطويلة؛ عندها سيظنون أنهم أُهملوا ولا يوجد أحد يوفر المساعدة لهم. في كلتا الحالتين ستكون هناك شكوى؛ لكن في حالة واحدة فقط سيكون هناك حل منطقي وواقعي بدون رؤية عاطفية للكارثة وهذه النقطة هي ما أوضحته للتوّ.

باختصار؛ إن التلاعب بالأسعار يسهل المأمورية ويعيد المياه إلى مجاريها (الأسعار) في أقرب وقت؛ في حين أن تجريم هذه الممارسة ومنعها يؤدي إلى كوارث مادية ومعنوية.

الحقيقة ليست اختيارية؛ يجب أن نتعامل معها بأفضل ما نستطيع:

لا تتغير قوانين الاقتصاد في حالات الطوارئ، بغض النظر عما تحاول قوانين السياسيين القيام به. عندما تكون البضائع أكثر ندرة، سيكون الحصول عليها مكلفًا، سواء كانت تلك التكاليف مالية أو أي شيء آخر. إن أهمية السماح لأسعار السوق بالقيام بعملها وتحديد من يحصل على ما يريد هي الطريقة التي نتأكد من أن هناك أشياء تُخصَّصُ في المقام الأول. الطريقة الوحيدة للتأكد من أن لدينا إنتاجًا كافيًا هو السماح لأسعار السوق بتحديد الاستهلاك.

الرغبةُ في ضبط في الأسعار والتحكَُم بها أمرٌ مفهومٌ! عندما تشير المتاجر إلى ارتفاع الأسعار مع اقتراب كارثة طبيعية، تبدو دوافعها سيئة أو شنيعة من الخارج. ومع ذلك؛ إذا استطعنا التعرف إلى الغرض الذي تخدمه هذه الأسعار وتجنب رد فعل العاطفي للتحكم بها، سيستفيد كثيرٌ من الناس. عندما تكون المخاطر كبيرة، من الأفضل ترك المثالية؛ والسماح للسوق بالعمل.

الحقيقة المؤسفة ليست أن الأسعار ارتفعت؛ إن ارتفاع الأسعار يعكس الواقع الأساسي لما يحدث. هذا يعكس أن هناك كارثة طبيعية دمرت الإمدادات وخطوط الإمداد وهذا هو الأمر المؤسف فعليًا، وكما يذكرنا توماس سويل أن:

الحقيقة ليست اختيارية؛ يجب أن نتعامل معها بأفضل ما نستطيع“.

ولما كانت أفضل طريقة للتعامل مع هذا الواقع المؤسف هي بعدم التظاهر أبدًا بأنه غير ما هو عليه، علينا مواجهة الواقع بشكل مباشر وكامل وواقعي. إذا كانت هذه النصيحة تبدو مبتذلة، يجب على الناس فهم أن المنع الذي تفرضه الحكومة على “التلاعب بالأسعار” يخفي الواقع وحقيقة الكارثة، وتغطي الوقائع وتخدع الناس من رؤية حقيقة ذلك.

لا يمكن إنكار أن الناس لا يحبون ارتفاع الأسعار؛ ما يمكن إنكاره هو أن ارتفاع الأسعار هو المشكلة. فهي ليست مشكلة؛ بل فقط انعكاسٌ لها. ولأن المشكلة نفسها مؤسفة، فإن انعكاسها غير المشوه سيكشف عن هذه المصيبة بشفافية أكبر؛ ولكن فقط من خلال الكشف عن هذه المصيبة بأكبر قدر ممكن من الدقة لكل من يمكنه المساعدة هو ما سيساهم في تقليل آثارها، وسيُسترجَع الواقع بأسرع ما يمكن إلى طبيعته.


المُساهمون:

  • إعداد: محمد مُطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.
محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنا، سعر الفائدة!

لماذا عليك شكر ألف شخص من أجل فنجان القهوة