in

الأصل المشترك بين نظرية التطور والاقتصاد

غالبًا ما لوحظ أن نظرية التطور التي تفسر تطور الحياة على الأرض دون توجيهٍ مصممٍ تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الطريقة التي يتطور بها اقتصاد السوق الحر، بحيث يبذل كلّ فردٍ أو شركةٍ قصارى جهدها لتحقيق الازدهار دون الاستفادة من مخططٍ مركزيٍّ.كان تأثير الاقتصاديين السياسيين على داروين واضحًا تمامًا، فقد أمضى تشارلز داروين العديد من السنوات في Edinburgh متجولًا فكريًّا بين أشباح دافيد هيوم، وآدم سميث،و روبرت فيرغسون، وهتشينسون.

عندما كان في كامبريدج سنة 1829 كتب في رسالةٍ:

“تتكون دراساتي حول آدم سميث و جون لوك”

وفي منزل جده Josiah Wedgwood كان داروين يلتقي غالبًا بالمحامي والسياسي الكلاسيكي الليبرالي James Mackintosh الذي كانت ابنته متزوجةً بصهر داروين.

عندما كان في رحلته الشهيرة على سفينة بيجل، كان يقرأ لعالِم الحيوانات هنري ميلن إدوارد الذي أخذ أعمال آدم سميث ونظريته حول تقسيم العمل، وقام بتطبيقها على أعضاء الجسم. وبعد رؤية داروين لغابةٍ استوائيةٍ في البرازيل أعاد تطبيق نفس فكرة تقسيم العمل على الأنواع المتخصصة في النظام الإيكولوجي و كتب:

“ميزة التنوع في سكان منطقةٍ واحدةٍ هي في الحقيقة ذات التقسيم الفيزيولوجي للعمل في أعضاء الجسم الواحد، وهذا موضوعٌ وضّحه هنري ميلن إدوارد بشكلٍ جيّدٍ”.

عندما عاد داروين لبريطانيا سنة 1830 تعرّف عن طريق أخيه أيراسموس، على الكاتبة Harriet Martineau، التي كانت معجبةً بشكلٍ كبيرٍ جدًّا بأفكار وكتب آدم سميث بحيث تعتبر أعماله مدهشةً بشكلٍ كبير، ويُعتقد أنها من اقترحت على داروين قراءة بعض أعمال مالتوس في سنة 1839 لأنها كانت صديقةً قريبةً لمالتوس، فبدأ داروين بقراءة أعمال مالتوس، وبدأت تتكون لديه النظرة المشهورة بأنه يجب أن يكون الموت قوةً غير عشوائيةٍ وبالتالي انتقائيةً.

كان تأثير آدم سميث والكلاسيكيين على أعمال داروين واضحًا، فقد قام أيضًا بشكلٍ واضحٍ في كتابه The Descent of Man بتقديم هامشٍ تدوينيٍّ حول كتاب آدم سميث The Theory of moral sentiment وكانت لذلك صلة مع نقاش داروين حول العواطف.

نلاحظ أيضًا استخدام داروين مصطلح “اقتصاد الطبيعة” في كتابه أصل الأنواع، بالإضافة إلى ذلك، لديه مقاطع تقترح حرفيًا السلوك الاقتصادي مثل ما كتب في الفصل 4 من كتاب أصل الأنواع حول الانتقاء الطبيعي:

“على الرغم من أن الطبيعة تمنح فتراتٍ زمنيةً طويلةً لعمل الانتقاء الطبيعي، فإنها لا تمنح فترةً غير محددةٍ. لأن جميع الكائنات العضوية تسعى إلى الاستيلاء على كلّ مكانٍ في اقتصاد الطبيعة، إذا لم يتم تعديل وتحسين أيّ نوعٍ في درجةٍ مماثلةٍ مع منافسيه فسيتم القضاء عليه”.

للتشابه مع الاقتصاد، علينا تعويض مصطلح الإفلاس بـ إبادة طبعًا.

ويقول ريدلي حول هذا الموضوع:

“تتطور الأفكار بالنسب مع التغيير، مثلما تفعل الأجسام، وقد حصل داروين على الأقل على هذه الفكرة من الاقتصاديين، الذين حصلوا عليها من فلاسفةٍ تجريبيين. من لوك ونيوتن إلى هيوم وفولتير إلى هوتشيسون وآدم سميث إلى مالتوس وريكاردو إلى داروين ووالاس.

قبل داروين، كان المثال الأسمى للنظام غير مصممٍ هو اقتصاد آدم سميث الذي رأى أن تطور الاقتصاد يكون بشكلٍ تلقائيٍّ وعفويٍّ Spontaneous order من خلال تصرفات الأفراد، بدلًا من أن يتحكم فيها ملكٌ أو برلمانٌ. عندما قام داروين بإزالة تحكم الله، قام سميث بإزالة تحكم الحكومة”.

كان المفهوم الأساسي الذي طرحه داروين هو أن التكاثر الصحيح، التنوع العشوائي بين شيءٍ وآخر والبقاء الانتقائي، يمكن أن يكون قوةً تقدميةً وتدريجيةً مدهشةً. يمكن أن تبني تدريجيًا أشياء معقدةً للغاية.

وفي الواقع، يمكن أن تجعل شيئًا أكثر تعقيدًا بكثير من قدرة مصممٍ واعٍ على القيام به.

عندما تحمل امرأةٌ بطفلٍ، يتحول 20 ألف جين إلى بعضهم البعض في سيميفونيةٍ ذات دقةٍ عاليةٍ، تبني دماغًا يبلغ 10 تريليون تشابك عصبيٍّ، كلٌّ منها ينقح ويعيد تشكيله عن طريق تجربةٍ مبكرةٍ ومستمرةٍ. لا يوجد ذكاءٌ هائلٌ قادرٌ على فهم مثل هذا المخطط والتحكم فيه، تُعتبر هذه العملية تجربةً تلقائيةً وعفويةً تندرج في عمليةٍ تاريخيةٍ ناشئةٍ.

وبالمثل في العملية الاقتصادية كما شرح لنا الاقتصادي ليونارد ريد Leonard E.Read في مقاله I.Pencil الذي يشرح فيه عملية اختراع قلم رصاص.

بحيث يفسر كيف أنه لا يوجد شخصٌ واحدٌ في العالم يمكنه صنعه، حيث يأتي الخشب الذي صُنع منه من أشجارٍ قُطعت في أمريكا، ويتطلب قطع الشجرة ذلك منشارًا، وتتطلب صناعة المنشار فولاذًا، وتتطلب صناعة الفولاذ مواد خام، وتتطلب صناعة كلّ مادةٍ في القلم وقتًا وأشخاصًا مختلفين من مختلف مناطق العالم، أناس لا يعرف بعضهم البعض.

ففي كلّ مرةٍ يقوم فيها شخصٌ ما بشراء قلم رصاص، يتعاون عشرات الآلاف من الأشخاص المختلفين لتوفير الخشب والجرافيت والمعرفة والطاقة، دون أن يعرف أحدهم كيفية صنع قلم رصاص، أشخاصٌ بدياناتٍ مختلفةٍ ولغاتٍ مختلفةٍ.

ما الذي جمع بينهم وحثّهم على التعاون لإنتاج هذا القلم؟

لم يوجد أيّ مفوضٍ حكوميٍّ يصدر الأوامر من مكتبٍ مركزيٍّ ما للقيام بهذا العمل، بل كان ذلك سحر نظام الأثمنة، العملية اللاشخصية للأثمنة التي جمعت بينهم وجعلتهم يتعاونون ليصنعوا هذا القلم كي يستطيع أيّ شخصٍ الحصول عليه مقابل مبلغٍ زهيدٍ.

لهذا السبب، فإن عمل السوق الحر أمرٌ ضروريٌّ للغاية، ليس فقط لرفع الفعلية والإنتاجية بل أيضًا لبناء التناغم والسلام بين شعوب العالم.

لا أحدٌ مسؤولًا بشكلٍ حاسمٍ، ولا يحتاج أحدٌ ما إلى فهم ما يحدث في العملية في تناغمٍ بين الجميع بعمليةٍ تلقائيةٍ ومتفرقة تُسمّى Spotaneous Order.

اليوم وعمومًا، يُزعم بأن آدم سميث من اليمين وداروين من اليسار، وهذه مغالطةٌ يقوم بتمريرها العديد من اليساريين بسبب نقص المعلومات حول علاقة داروين بالليبرالية الكلاسيكية والاقتصاديين الكلاسيكيين.

إذا كان السوق لا يحتاج إلى مخططٍ مركزيٍّ، فلماذا تحتاج الحياة إلى مصممٍ ذكي؟ وعلى العكس من ذلك، ستجد في المختبر الأوروبي للبيولوجيا مؤمنين متحمسين في الخصائص الفردية الناشئة واللامركزية للجينومات، والذين في نفس الوقت يفضلون الدولة لتحقيق النظام في الاقتصاد وهذا تناقضٌ واضحٌ.

“يُعتبر التصميم الذكي لعلم الأحياء التطوري، كالاشتراكية بالنسبة لاقتصاد السوق الحر”

– مات ريدلي

لماذا يحدث الابتكار؟

اكتشف هربرت سبنسر، وفريديرك هايك، وكارل بوبر وآخرون التشابه بين النظرية التطورية والاقتصادية، ولكن نمت القصة وأصبحت أكثر إثارةً للاهتمام في السنوات القليلة الماضية، بسبب التقدم الكبير في مجال التطور الثقافي والتكنولوجي، ويرجع الفضل خاصة لعمل ثلاثة علماء أنثربولوجيا Rob Boyd, Pete Richardson, and Joe Henrich بحيث أصبحنا الآن نفهم التشابه العجيب بين الكيفية التي تطورت بها أجسادنا وكيفية تطور أدواتنا وقواعدنا. يُعتبر الابتكار عمليةً تطوريةً، هذا ليس مجرد استعارة، بل هو وصفٌ دقيقٌ وحقيقيٌّ لما حدث.

أولًا يحدث الابتكار عن طريق التجربة والخطأ، وهو عمليةٌ استمراريةٌ، وعادةً ما يبدأ مع التكنولوجيا وليس العلم كما وضح لنا Terrence Keeley، قد تحدث التجربة والخطأ بين الشركات، أو بين المبتكرين، أو بين الناس، لكن ما يهم هو أن ذلك يحدث.

إذا نظرنا إلى ذيل الطائرات المبكرة لوجدنا العديد من عمليات التجربة والخطأ في تصميمه، حيث تم تجريب عدة تصاميم من قبل، وفي نهاية المطاف تم اختيار أحدها، والذي يُعتبر الأكثر نجاحًا.

يُعتبر التبادل مهمًا للابتكار أيضًا، فالابتكار يتسارع في المجتمعات التي تفتح نفسها للتبادل الداخلي والخارجي من خلال التجارة والاتصالات.

الأمثلة حول هذه العلاقة عديدةٌ عبر التاريخ ( اليونان القديمة، والصين تحت حكم سونغ، وإيطاليا في عصر النهضة، وهولندا في القرن 16، وبريطانيا في القرن 19 )، بينما يتعثر الابتكار في المناطق التي تغلق نفسها عن التجارة (الصين تحت حكم مينغ، وألبانيا الشيوعية، وكوريا الشمالية، والهند تحت حكم نيرو).

وعلاوةً على ذلك، فإن كل ابتكار، كما قال براين آرثر، هو مزيجٌ من الابتكارات الأخرى. ويوضح L.T.C. Rolt هذا بأخذ مثالٍ حول اختراع السيارة فيقول:

“تبدو السيارة كأنها وُلِدت من رحم دراجة عربة الحصان”

وهناك عدة أمثلةٍ أخرى على هذه القضية سنذكر منها مثال The pill camera التي تأخذ صورًا من داخل جسم الإنسان عند ابتلاعها. ظهر هذا الابتكار الرائع عن طريق محادثةٍ بين مختصٍّ في طب الجهاز الهضمي ومصمم صواريخ مجهزةٍ علاقةً بين مجالين متفارقَين كليًّا في التخصص.

كانت لدى الاقتصادي آدم سميث الإجابة على لغزٍ تطوريٍّ:

ما الذي تسبب في ظهورٍ مفاجئٍ للكائنات البشرية حديثة السلوك anatomically modern humans في أفريقيا في المئة ألف سنةٍ الماضية؟

في الفصل الأول الخاص بالأنتربولوجيا من كتابه “ثروة الأمم“، رأى آدم سميث بوضوحٍ شديدٍ أن ما كان متميزًا واستثنائيًّا بالنسبة للإنسان هو تبادله وتخصصه، لم يفعل النياندرتال هذا، ولم يستخدم هذا الأخير سوى المواد المحلية، فقد استخدم النياندرتال الحجر المحلي لأدواتهم، ولم يستخدموا أبدًا أدواتٍ من أيّ مكانٍ بعيدٍ، في أيّ موقعٍ من مواقع نياندرتال.

ولكن عندما بدأ الإنسان الحديث في الانتقال إلى هذه المناطق ذاتها أصبحنا نجد الحجر من على بعد أميالٍ عديدةٍ يُستخدم في صنع الأدوات وكذلك الأحجار المحلية. هذا يعني أنه كانت لدى الإنسان الحديث إمكانية الوصول إلى الأفكار وكذلك إلى المواد من أماكن بعيدة.

فمثلما يمنح الجنس نوعًا ما إمكانية الوصول إلى الابتكارات في أيّ مكانٍ من أنواعه، يتيح لك التبادل أيضًا الوصول إلى الابتكار في أيّ مكانٍ في نوعك.

أصل التعاون ونظرية تقسيم العمل:

مر أسلاف البشر بالعديد من الأزمات، وواحدةٌ من أهم هذه الأزمات كانت التكاثف السكاني، بحيث لم يعد بإمكان الأراضي المتوفرة أن تتوسع لإشباع الحاجات البشرية في وقتٍ من الزمن، وفي المصطلح الاقتصادي فإن مورد عامل الإنتاج “الأرض” أصبح ثابثًا، وكان على كلّ زيادةٍ في حجم السكان البشري أن تعيش على ريع نفس المساحة التي لا تتغير، والخيارات الثلاثة المتاحة هي:

– الانتقال.

– القتال.

– الارتجال.
لم يبق إلا الأخيران فالانتقال وموجة الهجرة للمناطق أخرى كانا قد حدثا، وانتشر الإنسان الحديث سلكويًا إلى العديد من المناطق في الكرة الأرضية. من أجل إبراز المشكل بشكلٍ واضحٍ يجب إلقاء نظرة على توزيع العمل ضمن مجتمع صيدٍ وجمعٍ.

يوجد ضمن العشيرة أو الجماعة التعاونُ السلمي كوجود العداء بين أفراد عُصب أو عشائر مختلفةٍ، ولتفسير هذا التعاون ضمن الجماعة يجب أن نعلم أن هناك أساسًا بيولوجيا لبعض أشكال التعاون البشري، يكتب ميزس:

“إن الانجذاب الجنسي المتبادل بين الذكر والأنثى متجذرٌ في الطبيعة الحيوانية للإنسان ومستقلٌ عن أيّ تفكيرٍ أو تنظيرٍ، ومن الجائز أن ندعوه أصيلًا، أو نمائيًا، أو غريزيًا، أو غامضًا”.

ويمكن أن يقال مثل ذلك عن العلاقة بين الأم والطفل. فلو أن الأمهات لم يعتنين بأطفالهن لفترةٍ مطولةٍ من الزمن، سيموت الأطفال فورًا وتصبح البشرية في خطر.

ولكن هذه الدرجة الضرورية والمقدرة بيولوجيًا من التعاون بعيدةٌ جدًّا عما يُشاهد فعلًا في مجتمعات الصيد والجمع، ويكمل ميزس ويقول:

“لا يمكن للمساكنة، ولا ما يسبقها أو يليها، أن تنتج التعاون والأنماط الاجتماعية للحياة. فالحيوانات أيضًا ترتبط عند التكاثر، لكنها لم تطور علاقاتٍ اجتماعيةً. وحياة العائلة ليست مجرد نتيجةً للجماع الجنسي، وليس من الطبيعي أو الضروري أن يعيش الآباء والأطفال معًا كما يفعلون ضمن أسرة. فعلاقة التزاوج لا تنتج عنها الوحدة العائلية، بل إن العائلة البشرية ثمرة تفكيرٍ ومداولة وتصرفٍ. وهذه هي الحقيقة التي تميزها جذريًا عن تلك الجماعات الحيوانية التي ندعوها قياسًا بالعوائل الحيوانية”.

لماذا حدث مثل هذا التعاون البشري؟ ولماذا لم يقم شخصٌ واحدٌ يواجه موردًا مقيدًا بحدةٍ من السلع الطبيعية بالانفصال عن غيره كي يتجنب الصراع إلى أن تُستملك كل الأرض ومن ثم تندلع حرب الكل ضد الكل؟

حدث هذا بسبب الاعتراف بأن التعاون أكثر إنتاجيةً من الفعل المنفرد والمكتفي بذاته. فتوزيع العمل، والتعاون على أساس هذا التوزيع قد زادا من إنتاجية العمل البشري. وهذا ما شرحه آدم سميث وذكره في كتابه ثروة الأمم في نظرية التخصص وتقسيم العمل.

أسباب حدوث هذا كان هو وجود مهام تتجاوز قدرات أيّ إنسانٍ منفردٍ، ولهذا تتطلب الجهود المشتركة لعدة أشخاص كي يُنفذ العمل بنجاح. فبعض الحيوانات قد تكون أضخم وأخطر من أن يصطادها أفرادٌ لوحدهم، لكنها تتطلب مشاركة وتعاون عددٍ منهم. وقد تكون هناك مهام يمكن مبدئيًا أن ينجزها شخصٌ واحدٌ، لكنها ستستغرق وقتًا طويلًا بحيث لا تبدو النتيجة النهائية تستحق العناء. ووحده العمل المنسق يمكنه إنجاز تلك المهام في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ بما يكفي لاعتبار النتيجة ذات قيمة.

حتى لو كانت البيئة الطبيعية التي تواجه كلّ شخصٍ متماثلةً نسبيًا، فكلّ فردٍ مختلفٌ عن غيره، فالرجال مثلًا مختلفون بشكلٍ مهم في قدراتهم عن النساء. فالرجال بطبيعتهم صيادون أفضل في العادة، والنساء جماعاتٌ أفضل. وبعض الناس أقوى بدنيًا، وآخرون أمهر، والبعض طِوال، والبعض أسرع، والبعض له بصرٌ حادّ، وآخرون لديهم  حاسة شم قوية.

ونظرًا لهذه الفروق، فمن المفيد بكلّ وضوحٍ أن تقسم المهام المختلفة التي تُعد ضروريةً لضمان حياةٍ مريحةٍ بنحوٍ يكفل تخصص كلّ شخصٍ في تلك النشاطات التي يملك فيها ميزةً على الآخرين.

تفسر هذه المنافع التي يوفرها توزيع العمل التوازنَ ضمن القبيلة بدلًا من القتال، وعلى أساس هذا التعاون الذي ربما بدأ بدوافع أنانيةٍ بالكامل، كما تفسر التطور التدريجي لمشاعر التعاطف تجاه أقران المرء، التي تتجاوز أيّ أساسٍ بيولوجيٍّ قد يوجد للعلاقة الخاصة الأعلى من الصداقة بين الأقرباء.

أصل حرية التجارة والتبادل

 

متى حدث ذلك لأول مرةٍ؟ متى اختُرِعت التجارة؟ أقدم الأدلة تدل على أن هذا حدث منذ نحو 120 ألف سنةٍ مضت. هذا هو الوقت الذي تبدأ فيه الفؤوس البركانية في إثيوبيا والخرز المصنوع من أصداف حلزون البحر في الجزائر بالسفر لمسافاتٍ طويلةٍ، تُصنع هذه الخرزات من الأصداف البحرية، لكنها وجدت على بُعد مئة ميل داخل البلاد.

نعرف من سكان أستراليا الأصليين الحديثين أن حركة المسافات الطويلة للأجسام التي يصنعها الإنسان تحدث بالتجارة وليس بالهجرة. لذلك، لا يمكن أن يسير الناس على طول الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط ويلتقطون الصدف ويسيرون على طول الطريق مرةً أخرى بل يحصلون عليها جنبًا إلى جنبٍ عن طريق التجارة.

الآن هذا حدث قبل 120 ألف سنةٍ، أي بعشر مراتٍ قبل ظهور الزراعة، لكن توجد شكوكٌ في أنها تعود إلى أبعد من ذلك. هناك ازدهارٌ فضوليٌّ لمجموعةٍ من الأدوات المتطورة في أفريقيا منذ نحو 160 ألف سنةٍ، في منطقةٍ سكنيةٍ على شاطئ البحر، كما تدل على ذلك الحفريات في مكانٍ يُسمى “بيناكل بوينت Pinnacle Point”.

هنالك نماذجُ دقيقةٌ من قِبل بعض علماء الأنثروبولوجيا في كلية لندن الجامعية. تشير إلى إمكانية كون هذه الظاهرة ظاهرةً سكانيةً: فقد أدت إمدادات الغذاء الغنية إلى كثافةٍ سكانيةٍ أدت بدورها إلى وجود مجموعة أدواتٍ غنيةٍ. ولكن لن يكون هذا صحيحًا إلا إذا استمر التبادل، وإذا كانت الأفكار تمارس الجنس، فلا تحصل مجموعاتٌ كثيفةٌ من الأرانب على أدواتٍ أفضل.

لكن بمجرد أن يحدث التبادل والتخصص، فإن التطور الثقافي يتسارع إذا ارتفعت الكثافة السكانية، وتتباطأ إذا سقطت وهذا ما يميز تطور الكائن البشري عن باقي الكائنات.

يمكننا أن نرى ذلك بوضوح من خلال دراسةٍ حديثةٍ في علم الآثار قام بها Melanie Klien وRob boyd في المحيط الهادئ، في الأوقات قبل الاتصال الغربي، اعتمد تطور أدوات الصيد بشكلٍ أساسيٍّ على كمية الاتصال التجاري بين الجزر. أما الجزر المعزولة التي تسيطر على حجم الجزيرة فستكون لديها أدوات صيدٍ أكثر بساطةً من الجزر المتصلة بشكلٍ جيدٍ.

وبالفعل، فإذا قُطع أو توقف الناس عن شبكات التبادل الحر، فإن التقدم البشري لا يتوقف فقط، بل يمكن أن يعود إلى الوراء.

أفضل مثال على ذلك هي تسمانيا Tasmania، التي أصبحت جزيرةً قبل عشرة آلاف عامٍ عندما ارتفعت مستويات البحار. لم يحصل التسمانيون فقط على الابتكارات التي حدثت بعد هذا الوقت، مثل الكيد Boomerang الذي استعمله سكان أستراليا الأصليين للصيد والكثير من الأعمال الأخرى المتخصصة، اختُرِع الكيد في فترة ما قبل التاريخ، ووُجِد في أجزاء كثيرة من العالم بما في ذلك إفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية.

بل قام التسمانيون بالفعل بالتراجع عن اختراع العديد من أدواتهم الحالية الموجودة.على سبيل المثال لقد تخلوا عن صنع الأدوات المصنوعة من العظام. وكما قال جو هنريك، فإن السبب في ذلك هو أن عدد سكانها كان صغيرًا جدًّا بحيث لا يمكنهم الحفاظ على التخصص اللازم للتعاون في صنع بعض هذه الأدوات. لم يكن دماغهم الجماعي كبيرًا بما يكفي للتعامل مع أدمغتهم الفردية، إنه الذكاء الجماعي الذي يُعتمد.

كتتمةٍ لهذه الفكرة يمكن لنا ملاحظة أن الشيء نفسه لم يحدث في تييرا ديل فويغو (أرض النار)، فقد استمر الفوجيون (الهنود القاطنين بأمريكا الجنوبية) في التقدم من الناحية التكنولوجية. والسبب في ذلك هو أن مضيق ماجلان أضيق من مضيق باس، لذلك استمرت التجارة وتمكن هنود الفوجيون من الوصول إلى دماغٍ جماعيٍّ بحجم أمريكا الجنوبية. في حين كانت لدى التسمانيين إمكانية الوصول إلى عقلٍ جماعيٍّ بحجم تسمانيا فقط.

أحد أكثر الآثار المدهشة لهذا العقل الجماعي هو مدى كونه ليبراليًا أصليًا. يتم إخبارنا باستمرار أن الاعتقاد في الأسواق هو الاعتقاد في الأنانية والجشع. ومع ذلك فهذا فهمٌ خاطئٌ كليًا لاقتصاد السوق الحر والرأسمالية لأن العكس هو الصحيح تمامًا فكلما انغمس الناس في الأسواق، تعاونوا أكثر، وشاركوا أكثر، وعملوا مع بعضهم البعض. في سلسلةٍ رائعةٍ من التجارب والتعاون.

وقد أظهر جو هنريش (بروفيسور التطور البيولوجي للإنسان) وزملاؤه بدراسة الأشخاص الذين يلعبون ألعاب الإنذار، وهي لعبة اخترعها الاقتصاديون لمحاولة إظهار الأنانية والتعاون، بأن لعبها بشكل أناني يجعلك أكثر عزلةً في مجتمعات الصيد والمجتمعات المكتفية ذاتيًا، وأقل من ذلك في المجتمعات الأكثر تكاملًا للسوق.

يُظهر التاريخ أن المجتمعات الموجّهة نحو السوق الحرة أكثر لطفًا، وأقل وطأةً، وأقل احتمالًا للذهاب إلى الحرب، وأكثر احتمالًا للاعتناء بفقرائها، والأرجح لرعاية الفنون، والأرجح للاعتناء بالبيئة أكثر من المجتمعات التي تديرها الحكومات الضخمة.

والأمثلة كثيرةٌ حول هذا، يمكن لنا مقارنة هونغ كونغ مقابل الصين في ماو، وهولاندا في القرن السادس عشر مقال لويس الرابع عشر في فرنسا، وأمريكا في القرن العشرين مقابل الاتحاد السوفياتي، والإغريق القدماء مقابل المصريين القدماء، ودول المدينة الإيطالية مقابل الدول البابوية الإيطالية، وكوريا الجنوبية مقابل كوريا الشمالية، وتشيلي مقابل فنزويلا، وآخرين.

وكما قال فولتير:

“اذهب إلى بورصة لندن وسوف تشاهد أشخاصًا عن جميع الدول مجتمعين هناك لخدمة البشرية، هناك اليهودي، والمسلم، والمسيحي يتعاملون مع بعضهم البعض كما لو كانوا من نفس الدين، ويعطون اسم كافر فقط لأولئك الذين يفلسون”.

يُظهر التاريخ أن المجتمعات الموجّهة نحو السوق، من أسفل إلى أعلى، أكثر لطفًا وأقل احتمالًا للذهاب إلى الحرب،  ومن المرجح أن تعتني بفقرائها، وأن ترعى الفنون، وأن تعتني بالبيئة أكثر من المجتمعات التي تديرها حكومة ضخمة تتدخل في الاقتصاد والحياة الشخصية للأفراد.

الأمثلة عديدة على هذا يمكن مقارنة هونغ كونغ مقابل الصين تحت حكم ماوتسي تونغ، وهولندا القرن السادس عشر مقابل لويس الرابع عشر في فرنسا، وأمريكا القرن العشرين مقابل روسيا ستالين، والإغريق القدماء مقابل المصريين القدماء، ودول المدينة الإيطالية مقابل الدول البابوية الإيطالية، وكوريا الجنوبية مقابل كوريا الشمالية، وتشيلي مقابل فنزويلا، والعديد من الأمثلة الأخري التي تظهر بشكلٍ واضحٍ أن اقتصاد السوق الحر والحكومة المقلصة تساهم في التقدم البشري والعيش الكريم للبشر بشكلٍ أفضل وأحسن من الاقتصاد الاشتراكي والحكومة الضخمة.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

مصادر ومراجع:

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

رحلة إلى ما بعد الحداثة

الأيفون الذي في جيبك قيمته بالملايين