in

أنا، سعر الفائدة!

تعكس أسعار الفائدة الحقيقة بكل بساطة؛ وسيكون يومًا حزينًا عندما يصبح بإمكان قول الحقيقة أن يدعم غاية سيئة كهذه.

يُقال غالبًا: “لا تقتل الرسول”، لكن هذا هو بالضبط ما يريد الجميع فعله في حالتي. لست متأكدًا من سبب كون الأخبار التي أنقلها ليست جيدةً أو سيئةً. إنها ببساطة الحقيقة؛ وسيكون يومًا حزينًا للغاية عندما يصبح بإمكان قول الحقيقة أن يدعم غاية سيئة كهذه. لقد ذهب البعض إلى حد عدّ وجودي شريرًا لمجرد تقديم معلومات يستخدمها الناس للمشاركة في نوعٍ معينٍ من التبادل الطوعي voluntary exchange الذي اكتسبَ سمعةً سيئة بطريقةٍ ما، على الرغم من الفائدة الهائلة للمجتمع.

ربما تكون قد لاحظت فرق السعر بين السلع الحالية والسلع المستقبلية. الآن، يعرفني (أنا سعر الفائدة) العديدُ من الاقتصاديين عن طريق الخطأ على أنني مجرد سعر لاقتراض المال مع مرور الوقت، لكن هذا إحدى المهمات العديدة التي أمثلها. أمثلُ أيضًا فرق السعر خلال مراحل الإنتاج المختلفة، إذ يشتري الرأسماليون البضائع الحالية في شكل عوامل الإنتاج على أمل بيع ما ينتج عن تلك العوامل بسعرٍ أعلى ممّا أنفقوه. أمثل أيضًا هذا الاختلاف في السعر.

لا يستطيع أي أحد غيري أن يجمع المعلومات التي أجمعها، إذ تُحّدَد مهمتي وفق مليارات المعاملات الفردية التي تحدث في جميع مجالات الاقتصاد في وقتٍ واحدٍ. أراعي جداول العرض والطلب الفردية لمئات ملايين وأحيانًا المليارات المستهلكين والمنتجين الفرديين، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تنطوي عليها العمليات المرتبطة بالزمن، لتحديد مستويات الأسعار الحالية للعمليات المرتبطة بالزمن خلال أي لحظة معينة.

في حالة الأفراد المقترضين، تتضمن حالة عدم اليقين السلوكَ السابق للمقترض، والذي يسمى عمومًا “التصنيف الائتماني credit rating“.

سمعة الربا السيئة

يُعد سعر اقتراض الأموال أحد الأسعار العديدة التي قدمها للسوق، إلا أنه يحظى بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام؛ يُرجَّح أن يعود ذلك لسببين؛ الأول: يعتقد معظم الناس بشكل خاطئ أنه المعلومات الوحيدة التي أنقلها، والثاني: يبدو أن الناس يقترضون أكثر من السابق لعدة أسباب سأشرحها لاحقًا. نتيجةً لذلك، يتعلق الأمر بسعر اقتراض المال حيث أتعرض غالبا للإساءة والظلم.

لأن سعر الاقتراض يكون أعلى من الصفر، يوجد من يعد مجرد وجودي أمرًا سيئًا. يزعمون بأنّي طرفٌ في جريمة يسمونها “الربا“، وهذا ادعاءٌ غريبٌ جدًا. عندما يتعامل الجميع بنزاهة، فإن المال سلعة نادرة، ولذلك فإن أي قرضٍ يقدمه الشخص “أ” إلى الشخص “ب” يتطلب تضحيةً من جانب “أ”، إذ يجب أن يتخلى عن الاستهلاك في الوقت الحاضر من أجل إقراض “ب”.

لا يختلف الأمر عن حالة كون الشخص “أ” يوفر المال لشراء سيارة جديدة أو سلع باهظة الثمن؛ يجب عليه الامتناع عن تناول الطعام أو شراء ملابس جديدة أو الذهاب في إجازة هذا العام من أجل توفير المال لشراء السلعة باهظة الثمن في العام المقبل.

عندما يقرض الشخص “أ” المال إلى الشخص “ب”، فإنه يسمح له بتجاوز هذه التضحية وشراء السلعة باهظة الثمن حالًا. تبدو الآن فكرة أن يتخلى الشخص “أ” عن إنفاق أمواله على نفسه فقط للسماح للشخص “ب” باستخدامه مجانًا عند الحاجة فكرةً غريبةً. ما السبب الذي يجعل التعهد بخدمة الشخص “ب” مجانيًا؟ أَلمْ يُخلق الجميع متساوين؟

الآن، يوجد من يقول لا يقتصر الأمر على إقراض الأموال بفائدة، بل بفرض رسومًا مرتفعةً جدًا تشكّل “ربا”. لا يعنى ذلك شيئًا أكثر من التعريف السابق. في كل الحالات أليسَ المُقرِض الذي يقدم سعر فائدة أقل من الآخرين على استعداد لقبول الإقراض؟ ولذلك سيتعامل المقترض ببساطة مع المقرِض الذي يقدم سعر فائدة أقل.

في الواقع، قد يكون هذا الشخص المدعو “المرابي” هو المقرِض الوحيد الذي يرغب في التعامل مع المقترض المعني. فكيف يمكن أن يجعله هذا شريرا أو مذنبا بينما يُعد الذين يتقاضون أسعار فائدة أعلى أو لا يقرضون الأموال المطلوبة على الإطلاق فاضلين؟ وجهة النظر السيئة هذه للربا غير منطقية مثل الأولى.

بغض النظر، فأنا لا أجمع الأموال من الشخص “ب”، ولا أفرض عليه أي التزام ليدفعه للشخص “أ” مقابل خدمة. أنا مجرد رسول لكلٍّ من الطرفين أقدم له المعدل الواجب فرضه اعتمادًا على مجموعة معلومات كبيرة لا يمكنه جمعها بمفرده.

لا أحد يحب الحقيقة

حتى أن عددًا من الذين لا يعتقدون أن فرض الفائدة جريمةً يكنّون العداء لي، فأنا بالنسبة لهم كصديقٍ يخبرهم الحقيقة بدلًا ممّا يريدون سماعه، ولكنهم لا يُقدّرون ذلك. يريد الكل مني أن أُظهِر معدلًا أقل بكثير من شروط الضمانات.

حسنًا، ليس الجميع، إذ يحب المدخرون أسعار الفائدة الأعلى، بينما يُفضّل المقترضون الأسعار الأدنى. يبدو أن عدد المقترضين أكبر بكثير من المدخرين في هذه الأيام، ولهذا يمكن تبرير اعتباري أحيانًا أن المقترضين يمثلون الجميع.

يشكّل المقترضون مجموعةً متنوعةً، وتشمل رواد الأعمال الذين يسعون إلى توسيع الإنتاج، والمستهلكين، وبالطبع الحكومات. وللمجموعة الأخيرة سببان لترغب في أن أكذب.

أولًا: اقترضت الحكومات مبالغ كبيرة من المال في الماضي، ما سبّب دينًا متراكمًا لا يمكنها خدمته بأسعار فائدة أعلى. وثانيًا: تسمح معدلات الفائدة المنخفضة لرواد الأعمال بالمزيد من الاقتراض لتوسيع الإنتاج. يخلق تضخم الإنتاج فرص العمل ويقلل نسب البطالة ويجعل المجتمع أغنى بشكلٍ عام. عادةً ما ينال السياسيون كلَّ الفضل في ارتفاع مستوى المعيشة، ومثل هذه الادعاءات مشكوكٌ فيها بشكل عام.

لسوء حظهم، لا يمكنني الكذب مباشرةً؛ تجبرني الظروف الاقتصادية الحالية في كل لحظة على ما أقوله. لا يمكنني تغيير رسالتي كما لا يمكن لأي إنسان أن يتوقف عن كونه إنسانًا، ولذلك طور السياسيون خطةً لجعلي أضلل الجهات الفاعلة في السوق بشكلٍ غير مباشر.

قلت مسبقًا أن اقتراض الشخص “ب” يتطلب مدخرات الشخص “أ” عندما يكون المال نادرًا ويتعامل الجميع بأمانة. سأشرح بدايةً كيفية عمل الأشياء في ظل هذه الظروف.

عندما ترتفع معدلات الادخار نسبيًا في جميع مجالات الاقتصاد، ينخفض الاستهلاك، ويقل الطلب على السلع والخدمات مقارنةً بالعرض، وتنخفض أسعار المستهلك consumer prices، وتتراكم مخزونات البضائع مؤقتًا. كما تنخفض أرباح المنتجين في مراحل الإنتاج الدُنيا أو قد يتكبدون خسائر، ما يمنحهم حافزًا لتحويل الاستثمار من مراحل الإنتاج الدُنيا والسعي إلى الاستثمارات في مراحل الإنتاج العليا لتحقيق عوائد أكبر.

تجعل هذه السلسلة من العلاقات بين السبب والتأثير بنيةَ توسيع الإنتاجية مستدامة. تساعد المخزونات المتكدسة والأسعار المنخفضة في مساندة المستهلكين بينما ينخفض عرض (تزويد) السلع الاستهلاكية التي تُسلَّم بشكل مؤقت. تساعد المدخرات المتراكمة رواد الأعمال على إكمال التضخم في عمليات الإنتاج الموجودة والمشاريع الجديدة التي أطلقوها. عندما تنتهي هذه المهمات، تصبح البنية الإنتاجية أكبر بشكل دائم، ما يعني إنتاج المزيد من السلع الاستهلاكية للفرد. تترافق زيادة إنتاج المنتجات، مع انخفاض دائم في الأسعار، وارتفاع الأجور الحقيقية. ما يجعل المجتمع أكثر ثراءً.

كيف تحاول البنوك المركزية جعلي أكذب

قد يعتقد المرء أن اقتراح تناقص الاستهلاك من أجل توسيع الإنتاج هو اقتراحٌ منطقي، ولكن لا يمكن للحكومات الدفاع عنه؛ لأنه يبدو بأنها غير قادرة تمامًا على خفض استهلاكها، بغض النظر عن حجم العجز. وأيضًا لدى الحكومات سببان على الأقل لعدم رغبتها في أن يدخر الناخبون.

السبب الأول هو أن الحكومات تتبع نظريةً اقتصاديةً غريبةً نوعًا ما طوّرها عددٌ من الاقتصاديين الذين يخبرون الحكومات عمومًا بما تريد سماعه بدلًا من الحقيقة. وفق هذه النظرية، تنشأ الثروة عن طريق الاستهلاك بدلًا من الإنتاج. عند انخفاض الاستهلاك، وهو ما أوضحتُ سابقًا أنه الخطوة الأولى الضرورية نحو توسيع بنية الإنتاج، يدّعي هؤلاء الاقتصاديون أن الحكومة ملزمة بأن تتغلب على ملايين أو مليارات القرارات الفردية وأن تنفق المزيد لتعويض ما لم ينفقه الشعب.

ليس من الصعب أن نفهم سبب توجيه الحكومات الإيجابي لمؤيدي هذه النظرية، ليس الحكومات فقط بل أيضًا جميع الراغبين في زيادة حجم وتأثير الحكومات، فقد ابتكروا نظريةً تقول إن تدخل الحكومة في الاقتصاد ليس إيجابيًا فقط، بل ضروريًا أيضًا للحفاظ على الرفاه الاقتصادي؛ ولذلك يشجع كلٌّ من الحكومات وهؤلاء الاقتصاديين بعضهم البعض، ويعملون سويًا لتكذيب أي آراء معارضة.

السبب الثاني لمقاومة الحكومات للوسائل الطبيعية لتوسيع الإنتاج هو أنها لا تريد أبدًا أن يختبر الناخبون التقشف حتى لو كان مؤقتًا واختياريًا، وبسبب اعتماد الحكومات المغلوط على عمليات التضخم السابقة، فهي لا تريد التحجج بالانخفاضات المؤقتة في المعروض من السلع الاستهلاكية على الرغم من كونها ضروريةً لزيادة العرض على المدى الطويل. تريد الحكومات أن يعتقد الناخبون أن بإمكانهم الحصول على أمرين غير متوافقَين، وأن يعتمدوا على هذه المعجزة الاقتصادية الواضحة.

العقبة الرئيسية أمام تطور هذا الخيال هو أن المال نادرٌ عندما يكون الجميع نزيهين. في النهاية، لا يمكن للمرء أن يستهلك سلعةً نادرة ويحتفظ بها في نفس الوقت. لذلك، أعدّوا برنامجًا لم يكن المال فيه نادرًا.

في الوقت الذي كان فيه كل “سجل احتياطي فيدرالي” Federal Reserve Note قابلًا للاستبدال مقابل كمية محددة من الذهب، وكلمة “سجل” نفسها تعني سجل الديون المكتوب. أصبح عمل الدولارات مشابهًا لعمل التذاكر التي تحصل عليها من المصبغة، فعندما “تودع” قميصًا واحدًا تمنحك المغسلة تذكرة، وعندما تُعيد التذكرة تعطيك المغسلة قميصًا واحدًا.

في وقتٍ سابق، عملت الدولارات بنفس الطريقة، أودِعت أونصة واحدة من الذهب في البنك، وأُصدِر 20 دولارًا. إذا قُدِّم 20 دولارًا إلى البنك، فإن البنك يدين لحاملها بأونصة واحدة من الذهب، تمامًا مثلما تدين لك المغسلة بقميص واحد. بخلاف المغسلة، لن تسترد أوقية الذهب نفسها المودعة مبدئيًا، إذ يمكن استبدال الذهب وليس القمصان. كان ممكن أيضًا استبدال الدولارات بأشياء أخرى في المجتمع دون أن ينتقل الذهب من قبو البنك. ومع ذلك، كان لا يزال يحق لمن يملك 20 دولارًا أن يستبدلها في البنك مقابل أونصة واحدة من الذهب.

وبما أنه يمكن طلب كمية معينة من الذهب مقابل كل دولار متداول في السوق، سيظل المال نادرًا. الآن، سيقرض المصرفيون المزيد من الدولارات أكثر مما يمكنهم استبداله بالذهب من وقت لآخر، بموافقة الحكومة أو بدونها، طالما يزيد ذلك من إمكانية كسبهم بشكل كبير. لقد كانت العملية أساسًا عملية احتيال، حيث كان البنك يقرض الذهب الذي يلزمه القانون بإعادته عند الطلب لشخصٍ معيّن إلى شخصٍ آخر. إن تسمية العملية بـ “الخدمات المصرفية الاحتياطي الجزئية” fractional reserve banking جعلها تبدو عملية تقنية وبالتالي أكثر شرعية، لكنها لم تكن سوى احتيال.

لحسن الحظ، وبسبب خطر احتمال أن يطالب الكثير من المودعين بأموالهم في نفس الوقت، كان التضخم في عرض النقود غير المدعومة بالذهب محدودًا للغاية.

أنشأت الحكومة البنك المركزي central bank من أجل توسيع قدرة البنوك على المشاركة في هذا التضخم النقدي. في البداية، دعم البنك المركزي بقية البنوك وفقًا لمعايير الذهب نفسها. ولكن لاحقًا، تخلص من مبادلة الذهب بالدولارات، مما جعل اسم “السجل الاحتياطي الفيدرالي” غير منطقيٍّ لأنه لا يمكن استبدال قطعة من الورق بأي شيء محدد لأنها لم تعد تعتبر “سجلًا” من الناحية المالية. ولكنها حلَّت مشكلة إقراض الدولار نفسه إلى المقترض والذي يمكن للمودِع أن يسحبه في نفس الوقت. وبسبب عدم تمكن أي منهما من استبدال الدولار بأي عنصر حقيقي محدد، يمكن للمقترض والمودع أن يستمرا في التظاهر بأن هذه التسوية قابلة للتطبيق.

يُقال أن الجهل نعمة، ومع ذلك يشارك الجميع في هذا الاحتيال عن دراية اليوم؛ ولذلك تمثل هذه العملية حالة تصديق ما تريد أن تصدقه لا أكثر.

بالقضاء على نظام الذهب gold standard أُتيحَ للبنك المركزي التحكم بإصدار وإلغاء الأموال من أجل الشؤون العامة في محاولة منه إجباري على الكذب على الجمهور وتشجيعهم لاتخاذ القرارات الاقتصادية التي تريد الحكومة منهم اتخاذها بدلًا من القرارات الحكيمة التي تحددها الظروف الاقتصادية.

بكل الأحوال، ولأنه من المستحيل أن أكذب، يتوجب على محافظي البنوك المركزية تغيير الظروف الاقتصادية في حال أرادوا الإعلان عن سعر الاقتراض استنادًا إلى أمر آخر غير ظروف السوق الحالية. عندما يعلنون أنهم “سيخفضون أسعار الفائدة”، فإن ما يقصدونه هو أنهم سيزيدون عرض الأموال المتاحة للإقراض، يحققون ذلك عن طريق شراء الأوراق المالية، وعادةً ما تكون سندات حكومية government bonds، من البنوك الأعضاء فيها. وبذلك تُعطى البنوك الأعضاء عملةً أُنتِجت من لا شيء مقابل الضمانات.

بشكل مشابه لزيادة الأموال المتاحة بسبب الادخار، يقلل التضخم النقدي من سعر الاقتراض، ما يحفز بدوره زيادة الطلب على الاقتراض. تقترض الحكومات أكثر؛ وكذلك يقترض كلٌّ من المستهلكين ورواد الأعمال أكثر. يستثمر رواد الأعمال في السلع الرأسمالية بشكل أكبر، ما يوسع البنية الإنتاجية بشكل مماثل تمامًا لزيادة حجم عرض النقود بسبب الادخار؛ لكنه ليس كذلك.

لن تظهر أيٌّ من نتائج الادخار التي تجعل التضخم مستدامًا طالما أن التضخم لم يحدث بسبب الادخار. لن ينخفض الاستهلاك، ولن يقل الطلب على السلع الاستهلاكية ولذلك لن تنخفض أسعارها، إما أن ترتفع أو تبقى كما هي أو تنخفض بنسبة أقل مما كان سيحدث بدون التضخم النقدي. ولا يزداد المخزون. بشكل عام، إن انخفاض الأسعار والمخزون والنقد المتاح نتيجة الادخار لا وجود له لدعم الاقتصاد عندما يوسع رواد الأعمال الإنتاج.

بالنتيجة، يقلل البنك المركزي من العرض النقدي من أجل مكافحة ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية التي حفز ارتفاعها عن طريق زيادة المعروض النقدي؛ يقوم بذلك من خلال بيع السندات مرة أخرى إلى البنوك الأعضاء مقابل المال؛ يقلل هذا من كمية الأموال المتاحة للإقراض في باقي مجالات الاقتصاد، ما يزيد من سعر الاقتراض.

أتلقى كل اللوم عندما تنتهي هذه الدورة بشكل سيء؛ يدّعي السياسيون بشكل خاص أن انهيار سوق الأسهم والكساد الاقتصادي من نتائج “رفع أسعار الفائدة بشكل كبير أو سريع جدًا”، كما لو كان مجرد قولي للحقيقة هو سبب كل المشاكل الاقتصادية.

من الواضح أن هذا غير صحيح، إذ لا تكمن المشكلة في ما أخبر الأسواق به، بل في القرارات السيئة التي اتخذتها الجهات الفاعلة في السوق سابقًا بناءً على ظروف خُلِقت اصطناعيًا. يبدأ رواد الأعمال بمشاريع ذات إنتاجية عالية عندما لا تتوفر المدخرات اللازمة لإنهائها. يختارون البدء بهذه المشاريع بسبب حجج خاطئة، حتى لو لم يدركوها بشكلٍ واعٍ. بينما يقومون بتبني قراراتهم اعتمادًا على أسعار فائدة أقل، والتي عادةً ما تترافق مع الادخار، وانخفاض أسعار السلع الاستهلاكية والمخزون.

كذلك يقترض المستهلكون أكثر على أساس المعدلات المنخفضة اصطناعيًا، ويتحملون أعباء ديون لم تكن لتوجد في ظل ظروف السوق الطبيعية عندما كان من الممكن لمدخراتهم فقط أن تنتج سعر فائدة أقل قبل أي شيء آخر. لا يمكن للمرء أن يستهلك أكثر وأقل في الوقت نفسه. ونظرًا لأن الاستهلاك لم ينخفض، فلن يستفيد المستهلكون من انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية التي كان سيتمتعون بها إذا كان توسع الإنتاج ناتجًا عن ادخارهم.

عند زيادة عرض النقود لن تزداد أسعار السلع الاستهلاكية فقط، ولكن أيضًا أسعار جميع السلع تزيد، وبشكل مشابه، تتعرض أسعار الأسهم والمنازل للارتفاع إلى مستويات مرتفعة بشكل مصطنع.

بالإضافة إلى ذلك، يُنفَق رأس المال على إنتاج السلع الرأسمالية في مشاريعَ لن تكون مربحة. عند التخلي عن هذه المشاريع، فسيضيع أي رأس مال أُنفِق على السلع الرأسمالية التي لا يمكن إعادة توظيفها في مشاريع أخرى، ما يجعل المجتمع أكثر فقرًا مما كان يمكن أن يحدث.

كما تُخصّص مجموعة ضخمة من الأيدي العاملة من أجل هذه المشاريع الفاشلة، وعند التخلي عن المشاريع، سيفقد كل هؤلاء الأشخاص وظائفهم. على الرغم من إمكانية انتقالهم لاحقًا إلى مشاريع أخرى، سيكونون عاطلين عن العمل حتى إطلاق مشاريع جديدة وإكمال أي تدريب جديد يحتاجون إليه. وطالما هم عاطلون عن العمل، سيعانون من صعوبات شخصية، وسيصبح باقي أفراد المجتمع أفقر مما لو كانوا يعملون وينتجون.

ومما يزيد الأمر سوءًا هو تكلفة الفرصة البديلة Opportunity Cost لكل هذه الخسائر، لو لم تُهدر اليد العاملة ورأس المال من خلال أسعار الفائدة المنخفضة اصطناعيًا، لوُظِّفت كل هذه الموارد المهدورة بشكل مُنتِج؛ يمثل كل ما كان يمكن إنتاجه خلال الطفرة المصطنعة والكساد اللاحق خسارةً مستمرة أخرى للمجتمع.

من الواضح إنني أكره إجباري أن أكون طرفًا في أيٍّ من هذه التصرفات السيئة، ويجب أن أؤكد مجددًا أن البنك المركزي لم يجعلني أكذب أبدًا، فقد كانت الرسالة التي أنقلها للمقترضين والمقرضين دقيقةً تمامًا وفق شروط عرض النقود في كل مرحلة. كان أسلوب البنك المركزي في إيجاد هذه الشروط من خلال خلق نقود جديدة بدلًا من الادخار هو ما تسبب في جميع المشاكل.

كن صادقًا معي ومع نفسك

في الوقت الذي أخبر به قصتي، يبدو أن كارثة اقتصادية أخرى تلوح في الأفق؛ يمكنني سماع اسمي يُزج به كطرف في المخطط الذي تسبب بهذه الكارثة. بالإضافة إلى تحميلي الذنب المزعوم، سيُضحّى أيضًا بالعديد من الأطراف البريئة الأخرى لصرف الانتباه بعيدًا عن الجناة الحقيقيين، ألا وهما الحكومة والمصرف المركزي؛ من المفترض اتّهام عملية رفع القيود الحكومية deregulation، وتخفيض الضرائب، وحتى السوق الحر نفسها.

يُعد تحميل السوق الحر اللوم أمرًا حقيرًا بسبب التحكم بظروف السوق مع التضخم المالي هي سبب حدوث الفقاعة في المقام الأول، كما أنها سبب تخفيض أسعار الفائدة عما يحدده السوق لي.

ومع ذلك، بعد أن يسبب السياسيون ومحافظو البنوك المركزية المشكلة عن طريق التغلب على السوق، سيطالبون بتجاوزها مرة أخرى، إذ سيحاول السوق حل مشكلة هبوط أسعار الأصول، والإفلاس، والتخلي عن المشاريع غير الرابحة لصالح المشاريع المربحة، وسداد الديون. بدلًا من ذلك، سيستخدم البنك المركزي التضخم النقدي لدعم أسعار الأسهم والعقارات، وتحمّل الديون المتعثرة bad debt، ومواصلة المشاريع غير الرابحة، وستبدأ الدورة من جديد.

ما الذي يمكن فعله؟ كالعادة سأخبرك بالحقيقة حتى لو كنت لا تريد سماعها. إصلاح النظام النقدي، لا يهمني إذا كانت العملة مدعومة بالذهب أو الماس أو أي مادة نادرة أخرى؛ فقط يجب أن تكون المادة نادرةً بشكل طبيعي، ولا يخضع عرضها لأهواء أي شخص، بغض النظر عن مدى ما يدعون عن استقلاليته أو تحمس الجمهور له.

يجب التخلص من البنك المركزي، كانت حال الولايات المتحدة جيدة لمدة 90 عامًا من أصل 243 عامًا دون بنك مركزي، في حين ساهم المصرفان المركزيان السابقان في خلق العديد من الأزمات التي اعتُبِرت ذرائعَ لإنشاء البنك المركزي الحالي. بعد التخلص من البنك المركزي، يجب عدم السماح للبنوك المستقلة المتبقية بأن تقرِض أموالًا أكثر مما تملك، هذا حل المشكلة الحقيقي بغض النظر إن كان البنك المركزي موجودًا لمفاقمته أم لا.

لا تجعل من المصرفيين كبش محرقة أيضًا، فأنت تعلم أنهم يعملون على احتياطي جزئي fractional reserve. فبنفس القدِر الذي يرغبون به بتحقيق إيرادات اعتمادًا على أموال الإقراض التي لا يملكونها حقًا، كنتَ أيضا تريد أن تكسب فائدة على الأموال التي تعرف أنها قد أُقرِضت. يجب أن تكون نزيهًا معي ومع نفسك.

من الواضح أن فرض هذه الإجراءات سيتطلب إنفاقًا حكوميًا أقل بكثير، لكن هذا لن يزعج أي شخص. تتوقف الحكومة عن العمل من وقت لآخر، ولا يلاحظ أحد ذلك. بالتأكيد، لن يجادل أي شخص عاقل بأن الحكومة التي تدير عجزًا بقيمة تريليون دولار يمكنها تحمل تكلفة الموظفين غير الأساسيين؛ يجب أن تكون هذه الخطوة أول تخفيضات التكاليف، ولكن هناك الكثير لفعله.

بغض النظر عما تقرره، سأستمر في قول الحقيقة، فلا أستطيع فعل أي شيء آخر. الآن بعد أن علمت أنني فقط أعلن مستوى السعر بناءً على العرض والطلب وعدم اليقين، فأنت تعرف أن كيفية تحديد الظروف الاقتصادية الأساسية، سواء كانت طبيعية أو مصطنعة، هي ما يحدد مصيرك الاقتصادي. يمكنك الاستمرار في فعل ما تقوم به الآن، أي الكذب على نفسك ومحاولة جعلي أفعل نفس الشيء، لكن يجب ألا تتوقع نتائج مختلفة. قال أحدهم ذات مرة أن ذلك تعريف الجنون (تكرار نفس التجربة وتوقع الحصول على نتائج مختلفة).

  • ترجمة: رأفت فياض.
  • مراجعة: محمد مطيع.

مترجم عن: I, Interest Rate

ما رأيك في هذا المحتوى؟

رأفت فياض

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كيف تنتصر بكل نقاش تخوضه؟

التلاعب بالأسعار في خلال الكوارث الطبيعية