in

عشر خرافات عن الاقتصاد – موراي روثبارد

يعاني العالم من عددٍ كبير من الخرافات الاقتصادية التي تشوه التفكير العام في المشاكل الهامة، وتؤدي إلى قبول سياسات حكومية خطرة وغير سليمة. فيما يلي عشرٌ من أخطر هذه الخرافات وتحليل ما هو الخطأ فيها.

الخرافة الأولى: العجز هو سبب التضخم؛ لا علاقة للعجز بالتضخم.

في العقود الأخيرة، كان لدينا دائمًا عجز فيدرالي. وكانت الاستجابة الثابتة للحزب الموجود خارج السلطة، أيًا كان هذا الحزب، هي التنديد بهذا العجز باعتباره سبب التضخم المزمن، وكان رد السلطة الثابت هو الادعاء بأن لا علاقة للعجز بالتضخم؛ إنَّ هذين التصريحَين المتعارضَين خرافيان.

يعني العجز أن الحكومة الفيدرالية تنفق أكثر مما تتلقاه من الضرائب، ويمكن تمويل العجز بطريقتين: إذا مُوِّلَ العجز عن طريق بيع سندات وزارة الخزانة Treasury للعموم، فإن العجز ليس تضخميًا. لا تُنتَج أموالٌ جديدة؛ يسحب الأفراد والمؤسسات ودائعهم المصرفية لدفع ثمن السندات، وتنفق وزارة الخزانة هذه الأموال. لقد حُوِّلَت الأموال من الناس إلى الخزينة العامة ببساطة، ثم تُنفَق الأموال على أعضاء آخرين من المجتمع.

من جهة أخرى، يمكن تمويل العجز عن طريق بيع السندات للنظام المصرفي. إذا حدث ذلك، تُنتِج البنوك أموالًا جديدة عن طريق إنشاء ودائعَ بنكيةٍ جديدة واستخدامها لشراء السندات. ثم تنفق وزارة الخزانة الأموال الجديدة على شكل ودائع مصرفية، وبالتالي تدخل بشكلٍ دائم في مجرى الإنفاق الاقتصادي، مما يرفع الأسعار ويسبب التضخم. من خلال عملية معقدة، يمكّن الاحتياطي الفيدرالي Federal Reserve البنوك من إنتاج أموالٍ جديدة من خلال توليد احتياطيات بنكية تبلغ عُشر هذا المبلغ. وبالتالي، إذا أرادت البنوك شراء سندات جديدة بقيمة 100 مليار دولار لتمويل العجز، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي يشتري ما يقارب 10 مليارات دولار من سندات الخزانة القديمة. يزيد هذا الشراء من احتياطيات البنوك بمقدار 10 مليارات دولار، مما يسمح للبنوك بإنشاء ودائع أو أموال بنكية جديدة بقيمة عشرة أضعاف هذا المبلغ. باختصار، تطبع الحكومة والنظام المصرفي الذي تسيطر عليه أموالًا جديدةً لدفع العجز الفيدرالي.

وبالتالي، فإن العجز تضخميًا بقدر ما يموّله النظام المصرفي، وهو ليس تضخميًا إلى الحد الذي يتعهد الشعب بتمويله.

يعدُّ بعض صانعي السياسة الفترة 1982-1983، عندما كان العجز يتسارع والتضخم يتراجع، دليلًا إحصائيًا على عدم وجود علاقة بين العجز والتضخم، ولكن هذا ليس دليلًا على الإطلاق. تُحدَّد التغيرات العامة في الأسعار من خلال عاملين: العرض والطلب على النقود. خلال الفترة 1982-1983، خلق الاحتياطي الفيدرالي أموالًا جديدة بمعدلٍ مرتفعٍ جدًا، تقريبًا بنسبة 15% سنويًا. ذهب الكثير من هذا لتمويل العجز المتزايد. ولكن من ناحيةٍ أخرى، أدى الكساد الحاد في هذين العامين إلى زيادة الطلب على النقود (أي خفض الرغبة في إنفاق الأموال على البضائع) استجابةً لخسائر العمل الشديدة. لا تجعل هذه الزيادة المؤقتة في الطلب على النقود العجزَ أقل تضخمًا. في الواقع، مع استمرار الانتعاش، سوف يرتفع الإنفاق وسينخفض الطلب على النقود، وسيؤدي إنفاق الأموال الجديدة إلى تسريع التضخم.

الخرافة الثانية: لا يؤثر العجز على الاستثمار الخاص بشكل كبير.

في السنوات الأخيرة، كان هناك قلق مقبول بشأن انخفاض معدل الادخار والاستثمار في الولايات المتحدة. أحد المخاوف هو أن العجز الفيدرالي الضخم سيحول المدخرات إلى إنفاقٍ حكوميٍّ غير مثمرٍ، مما يحبط الاستثمارات المنتجة، ويولّد مشاكلَ طويلة الأمد في تحسين مستويات معيشة الشعب أو حتى الحفاظ عليها.

حاول بعض صانعي السياسة مرةً أخرى دحض هذه التهمة بإحصاءات عامي 1982-1983، وقالوا بأن العجز كان مرتفعًا ومتزايدًا، في حين انخفضت أسعار الفائدة، مما يشير إلى عدم وجود تأثير مُزاحمة crowding-out effect للعجز.

توضح هذه الحجة مرةً أخرى مغالطة محاولة دحض المنطق بالإحصائيات. انخفضت أسعار الفائدة بسبب انخفاض الاقتراض التجاري في الركود، وبقيت أسعار الفائدة “الحقيقية” (أسعار الفائدة ناقص معدل التضخم) مرتفعةً بشكلٍ غير مسبوق، يعود ذلك لأن معظمنا يتوقع تضخمًا شديدًا متجددًا من جهة، ومن جهة أخرى لسبب تأثير المزاحمة. في كلّ الأحوال، لا يمكن للإحصاءات دحض المنطق، ويخبرنا المنطق أنه إذا دخلت المدخرات في السندات الحكومية، فستكون المدخرات المتاحة للاستثمار الإنتاجي أقل مما كانت ستكون عليه، وستكون أسعار الفائدة أعلى مما كانت ستكون عليه بدون العجز. إذا مَوَّل الشعب العجزَ، يكون تحويل المدخرات إلى مشاريع حكومية مباشرًا وملموسًا، أما إذا مُوِّل العجز عن طريق التضخم البنكي، فإن التحويل غير مباشر، إذ تؤثر المزاحمة الآن بالمال الجديد الذي “طبعته” الحكومة التي تتنافس على الموارد بأموال قديمة وفرها الشعب.

يحاول ميلتون فريدمان Milton Friedman دحض تأثير العجز المتزايد من خلال الادعاء بأن كل الإنفاق الحكومي، وليس العجز فقط، يزاحم بنفس القدر المدخرات والاستثمارات الخاصة. صحيح أن الأموال المأخوذة على شكل ضرائب يمكن أن تذهب إلى مدخرات واستثمارات خاصة، ولكنّ للعجز تأثير مزاحمة أكبر بكثير من الإنفاق الكلي، حيث من الواضح أن العجز الذي يموله الشعب يستفيد من المدخرات فقط، في حين تقلل الضرائب من استهلاك الشعب وكذلك من المدخرات.

وبالتالي، يسبب العجز مشاكلَ اقتصادية خطيرة. إذا موّله النظام المصرفي، فهو تضخمي، وإذا موّله الشعب، فإنه سيكون له تأثير مزاحمة قوي، ويحول المدخرات التي تشتد الحاجة إليها من الاستثمار الخاص الإنتاجي إلى مشاريع حكومية مهدرة. وبالإضافة لذلك، فكلما زاد العجز، ازداد عبء ضريبة الدخل الدائم على الشعب الأمريكي لدفع تكاليف الفوائد المتزايدة، وقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة الناجمة عن العجز التضخمي.

الخرافة الثالثة: رفع الضرائب هو علاج العجز.

يقدم الأشخاص الذين يشعرون بالقلق بشأن العجز حلًا غير مقبول للأسف، وهو زيادة الضرائب؛ يعادل علاج العجز من خلال رفع الضرائب علاج التهاب الشعب الهوائية لشخص ما بإطلاق النار عليه. “العلاج” أسوأ بكثير من المرض.

لسببٍ واحدٍ، كما أشار العديد من النقاد، ببساطة يمنح رفع الضرائب الحكومة المزيد من الأموال، وبالتالي من المرجح أن يرد السياسيون والبيروقراطيون برفع النفقات أكثر. ذكر باركنسون Parkinson هذا كله في كتابه الشهير القانون law: “ترتفع النفقات لتلبية الدخل”. إذا كانت الحكومة مستعدة، على سبيل المثال، لعجز بنسبة 20% فسوف تتعامل مع العائدات المرتفعة عن طريق زيادة الإنفاق أكثر للحفاظ على نسبة العجز نفسها.

لكن حتى بغض النظر عن هذا الحكم القاسي في علم النفس السياسي، فلماذا يعتقد أي شخص أن الضريبة أفضل من السعر الأعلى؟ صحيح أن التضخم أحد أشكال الضرائب، حيث تتمكن الحكومة والمستلمون الأوائل للأموال الجديدة من مصادرة أموال أفراد المجتمع الذين يرتفع دخلهم لاحقًا بسبب عملية التضخم. ولكن، على الأقل مع التضخم، لا يزال الناس يجنون بعض فوائد التبادل. إذا ارتفع سعر الخبز إلى 10 دولارات للرغيف الواحد، فهذا أمر مؤسف، ولكن على الأقل لا يزال بإمكانك تناول الخبز، لكن إذا ارتفعت الضرائب، فقد صُودرت أموالك لصالح السياسيين والبيروقراطيين، ولم يتبقَ لك أي خدمة أو منفعة. والنتيجة الوحيدة هي مصادرة أموال المنتجين لصالح البيروقراطية التي تضيف إهانة للضرر باستخدام جزءٍ من تلك الأموال المصادرة لدفع الشعب حولها.

العلاج السليم الوحيد للعجز هو علاج بسيط، ولكنه غير مذكور تقريبًا، وهو خفض الميزانية الفيدرالية. كيف وأين؟ في كل مكان.

الخرافة الرابعة: في كل مرة يقيّد (أو يوسع) بنك الاحتياطي الفيدرالي المخزون النقدي، ترتفع أسعار الفائدة (أو تنخفض).

تعرف الصحافة المالية الآن ما يكفي من الاقتصاديات للمشاهدة الدقيقة لأرقام عرض المخزون النقدي money supply الأسبوعي؛ لكنها حتمًا تفسر هذه الأرقام بطريقة فوضوية. إذا ارتفع المخزون النقدي، فسوف يُفسَّر ذلك على أنه تخفيض أسعار الفائدة والتضخم؛ كما يُفسَّر أيضًا، غالبًا في نفس المقال، على أنه رفع أسعار الفائدة. والعكس صحيح. إذا قيّد بنك الاحتياطي الفيدرالي نمو الأموال، فسوف يُفسَّر ذلك على أنه رفع أسعار الفائدة وخفضها. في بعض الأحيان يبدو أن جميع إجراءات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بغض النظر عن مدى تناقضها، يجب أن تؤدي إلى رفع أسعار الفائدة. من الواضح وجود خطأ ما هنا.

المشكلة هنا هي أنه، كما هي الحال في مستويات الأسعار، توجد عدة عوامل سببية مُطبّقة على أسعار الفائدة وباتجاهاتٍ مختلفة؛ إذا وسّع بنك الاحتياطي الفيدرالي المخزون النقدي، فإنه يقوم بذلك عن طريق توليد المزيد من الاحتياطيات المصرفية، وبالتالي زيادة مخزون الائتمان المصرفي bank credit والودائع المصرفية bank deposits. يعني التوسع في الائتمان بالضرورة زيادة العرض في سوق الائتمان وبالتالي خفض سعر الائتمان أو سعر الفائدة. من ناحيةٍ أخرى: إذا قيّد بنك الاحتياطي الفيدرالي مخزون الائتمان ونمو المخزون النقدي، فإن هذا يعني انخفاض العرض في سوق الائتمان، ويجب أن يعني هذا زيادةً في أسعار الفائدة.

وهذا بالضبط ما يحدث في أول عقد أو عقدين من التضخم المزمن. إذ يُخفض التوسع الاحتياطي الفيدرالي من أسعار الفائدة؛ ويرفعها تقييد البنك الاحتياطي الفيدرالي. ولكن بعد هذه الفترة، يبدأ الشعب والسوق في متابعة ما يحدث. وعندما يبدؤون بإدراك أن سبب التضخم المزمن هو التوسع النظامي في المخزون النقدي، عندما يدركون حقيقة الحياة هذه، سوف يدركون أيضًا أن التضخم يمحو الدائن لصالح المدين. وبالتالي، إذا منح شخص ما قرضًا بنسبة 5% لمدة عام واحد، وكان هناك تضخم بنسبة 7% لتلك السنة، لا يكسب الدائن، إنما يخسر 2%، نظرًا لاسترداده بالدولار الذي انخفضت قيمته الشرائية الآن بنسبة 7%. في المقابل، يكسب المُدين نتيجة التضخم. عندما يبدأ الدائنون في إدراك ذلك، سيرفعون سعر الفائدة، وسيكون المدينون مستعدين للدفع. ومن ثم، فإن أي شيء يرفع توقعات التضخم على المدى الطويل سيرفع أقساط التضخم على أسعار الفائدة؛ وأي شيء يثبط تلك التوقعات سيخفض تلك الأقساط؛ وبالتالي، فإن تقييد مجلس الاحتياطي الفيدرالي يميل الآن إلى كبح التوقعات التضخمية وخفض أسعار الفائدة؛ وسيرفع توسع بنك الاحتياطي الفيدرالي هذه التوقعات مرةً أخرى. يوجد نوعان من السلاسل السببية المقابلة في العمل، وهكذا يمكن لتوسع أو انكماش الاحتياطي الفيدرالي إما رفع أو خفض أسعار الفائدة، ويتوقف ذلك على السلسلة السببية الأقوى.

أيهما ستكون أقوى؟ يستحيل أن تعرف الحقيقة. في العقود الأولى من التضخم، لا يوجد قسط للتضخم؛ أما في العقود اللاحقة، مثل وضعنا الآن، تعتمد القوة النسبية وأوقات رد الفعل على التوقعات الشخصية للجمهور، ولا يمكن التنبؤ بها على وجه اليقين. وهذا أحد الأسباب وراء عدم إمكانية التنبؤ بالتكهنات الاقتصادية أبدًا.

الخرافة الخامسة: يمكن للاقتصاديين، باستخدام المخططات أو نماذج الكمبيوتر عالية السرعة، التنبؤ بدقة بالمستقبل.

تفسر مشكلة التنبؤ بأسعار الفائدة عيوبَ التنبؤ بشكلٍ عام، يتعارض الناس مع سلوكهم، والحمد لله، الذي لا يمكن التنبؤ به مسبقًا. تتغير قيمهم وأفكارهم وتوقعاتهم ومعرفتهم طوال الوقت، وتتغير بطريقة لا يمكن التنبؤ بها. ما الذي يمكن للاقتصادي، أن يتوقع، مثلًا، جنون مبيعات دُمى Cabbage Patch في موسم عيد الميلاد عام 1983؟ كل مقدار اقتصادي، أو كل سعر، أو عملية شراء، أو إيراد هو تجسيد لآلاف، وحتى ملايين،  الخيارات التي لا يمكن للأفراد التنبؤ بها.

أجرى الاقتصاديون العديد من الدراسات الرسمية وغير الرسمية لسجل التنبؤ، وقد كانت دائمًا سيئة جدًا. غالبًا ما يدّعي المتنبؤون بأنهم قادرون على التنبؤ بشكلٍ جيدٍ طالما استمرت التوجهات trends الحالية؛ الصعوبات التي يواجهونها هي التقاط تغيرات التوجهات؛ ولكن بالطبع لا توجد براعة في استقراء التوجهات الحالية في المستقبل القريب. لا تحتاج إلى نماذج كمبيوتر متطورة من أجل ذلك، إذ يمكنك القيام بذلك بشكل أفضل وبتكلفة أقل بكثير باستخدام مسطرة. تكمن البراعة الحقيقية تحديدًا بالتنبؤ بموعد وكيفية تغير التوجهات، ودائمًا ما فشل المتنبئون في ذلك. لم يتنبأ أي اقتصادي بمدى الكساد الذي حدث في الفترة 1981 – 1982، ولم يتوقع أحد قوة الازدهار عام 1983.

في المرة القادمة التي تتأثر بها باللهجة الواثقة أو الخبرة التين تبدوان على المتنبئ الاقتصادي، اسأل نفسك هذا السؤال: إذا كان بإمكانه التنبؤ بالمستقبل جيدًا، فلماذا يضيع وقته في نشر النشرات الإخبارية أو إجراء الاستشارات عندما يكون هو نفسه قادرًا على تحقيق ربح بتريليونات الدولارات في أسواق الأسهم والسلع؟

الخرافة السادسة: يوجد تفاضل بين البطالة والتضخم.

في كلّ مرةٍ يدعو شخصٌ ما الحكومة إلى التخلي عن سياساتها التضخمية، يحذر الاقتصاديون والسياسيون الرسميون من أن ذلك قد يؤدي إلى البطالة الشديدة. لذلك، فنحن هنا بين فكّي الكماشة: التضخم وارتفاع معدلات البطالة، ونقتنع بأنه يجب علينا إذن قبول بعضًا من كلٍّ منهما.

هذا الفكر هو موقف الكينزيين Keynesians. في الأصل، وعدنا الكينزيون بأنهم سيحققون الازدهار المستمر والعمالة الشاملة دون تضخم من خلال ضبط والتأثير في العجز والإنفاق الحكومي. ولاحقًا عندما أصبح التضخم مزمنًا ومتزايدًا، غيروا كلامهم وحذروا من التفاضل المزعوم، وذلك لإضعاف أي ضغط ممكن على الحكومة لوقف إنتاج أموال جديدة نتيجة التضخم.

يرتكز مبدأ التفاضل إلى منحنى فيليبس Phillips curve المزعوم، وهو منحنى ابتكره الاقتصادي البريطاني أ. فيليبس A. W. Phillips منذ سنوات عديدة. يربط فيليبس زيادة معدل الأجور مع البطالة، ويدعي أنهما يتناسبان عكسيًا: كلما ارتفعت معدلات الأجور، انخفض معدل البطالة. وهذه عقيدة غريبة ظاهريًا، لأنها تناقض نظرية منطقية وسليمة. تقول هذه النظرية أنه كلما ارتفعت معدلات الأجور، ازداد معدل البطالة، والعكس صحيح. إذا طلب الجميع من صاحب العمل غدًا مضاعفة معدل الأجور مرتين أو ثلاث مرات وأصروا على ذلك، فسيغيب الكثير منا عن العمل على الفور. وعلى الرغم من ذلك، اعتمدت المؤسسة الاقتصادية الكينزية هذا الاستنتاج الغريب كعقيدةٍ خاصة بها.

يجب أن يكون واضحًا الآن تناقض هذا الاكتشاف الإحصائي مع الحقائق والنظرية المنطقية. خلال خمسينيات القرن الماضي، كان معدل التضخم يتراوح بين 1 و2% فقط في السنة، وبلغ معدل البطالة نحو 3 أو 4%؛ بينما يتراوح معدل البطالة في الوقت الحاضر بين 8 و11%، ومعدل التضخم بين 5 و13%. باختصار، خلال العقدين أو الثلاثة الماضية، ارتفع معدل كلٍّ من التضخم والبطالة بشكلٍ حادٍّ وشديد. إذا وُجِد أمرٌ ما، فهو معاكس لمنحنى فيليبس، إذ لا يوجد سوى التفاضل بين التضخم والبطالة.

لكن نادرًا ما يفسر الأيديولوجيين الحقائق، رغم أنهم يدعون باستمرار لـِ “اختبار” نظرياتهم بالحقائق. للحفاظ على هذه الفكرة، استنتجوا ببساطة أن منحنى فيليبس لا يزال قائمًا كتفاضلٍ بين التضخم والبطالة، إلا أنه قد “تحوّل” بطريقةٍ غير محسوبة إلى مجموعةٍ جديدةٍ من التفاضلات المزعومة؛ ووفق أسلوب التفكير هذا، لا يمكن لأحد أن يدحض أي نظرية.

في الواقع، فحتى لو كان التضخم الآن يقلل البطالة في المدى القصير عن طريق تحفيز رفع الأسعار قبل معدلات الأجور (وبالتالي خفض معدلات الأجور الحقيقية)، فهو لن يؤدي إلا إلى رفع معدلات البطالة على المدى الطويل. في النهاية، ستلحق معدلات الأجور بالتضخم، ويؤدي التضخم إلى الركود والبطالة حتمًا؛ بعد أكثر من عقدين من التضخم، نعيش نحن الآن جميعًا في هذا “المدى الطويل”.

الخرافة السابعة: لا يمكن تقبل الانكماش (هبوط الأسعار)، وقد يتسبب في حدوث كساد كارثي.

الذاكرة العامة قصيرة؛ ننسى أنه منذ بداية الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، انخفضت مجمل الأسعار، عامًا بعد عام. ذلك لتسبب الزيادة المستمرة لإنتاجية السلع الناتجة عن الأسواق الحرة في انخفاض الأسعار. ومع ذلك، لم يكن هناك كساد، بسبب ترافقت التكاليف مع انخفاض أسعار البيع. عادةً، تبقى معدلات الأجور ثابتةً عند انخفاض تكلفة المعيشة، بحيث ترتفع الأجور “الحقيقية”، أو مستوى معيشة الجميع باطّراد.

عمليًا، كانت المرات الوحيدة التي ارتفعت فيها الأسعار خلال هذين قرنين هي فترات الحروب (حرب عام 1812، الحرب الأهلية، الحرب العالمية الأولى)، عندما ضخّمت الحكومات المتحاربة المخزون النقدي بشدة من أجل دفع تكاليف الحرب أكثر من تعويض مكاسب الإنتاجية المستمرة.

يمكننا أن نرى كيفية عمل رأسمالية السوق الحرة، غير المقيّدة بأعباء التضخم الحكومي أو تضخم البنك المركزي إذا ما نظرنا إلى ما حدث في السنوات القليلة الماضية لأسعار أجهزة الكمبيوتر. كان الكمبيوتر عادةً ضخمًا ويكلف ملايين الدولارات. أما الآن، وفي طفرةٍ ملحوظة في الإنتاجية نتيجة لثورة الرقائق، لا تزال أسعار أجهزة الكمبيوتر في الانخفاض، حتى وأنا أكتب حاليًا. تنجح شركات الكمبيوتر بالرغم من انخفاض الأسعار، لأن تكاليفها آخذة في الانخفاض وإنتاجيتها بالارتفاع. في الواقع، سمحت هذه التكاليف المنخفضة والأسعار بالاستفادة من خاصية السوق الشامل للنمو الديناميكي لرأسمالية السوق الحرة. لم يسبب “الانكماش” أي كارثة لهذه الصناعة.

وينطبق ذات الأمر على الصناعات الأخرى ذات النمو المرتفع، من مثل الآلات الحاسبة الإلكترونية والبلاستيك وأجهزة التلفزيون وأجهزة الفيديو؛ الانكماش، الذي لا يزال بعيدًا عن التسبب بكارثة، هو السمة المميزة للنمو الاقتصادي السليم والديناميكي.

الخرافة الثامنة: أفضل الضرائب هي ضريبة الدخل “الثابتة” التي تتناسب مع الدخل في جميع المجالات، مع عدم وجود استثناءات أو خصومات.

عادةً ما يضيف مؤيدو الضرائب الثابتة flat tax أن القضاء على مثل هذه الاستثناءات (الإعفاءات) سيمكّن الحكومة الفيدرالية من خفض سعر الضريبة الحالي بشكلٍ كبيرٍ.

ولكن يفترض مؤيدو وجهة النظر هذه، لسبب واحد، أن الخصومات الحالية من ضريبة الدخل هي مساعدات غير أخلاقية أو “ثغرات” يجب سدها لمنفعة الجميع. يُعدّ الخصم أو الإعفاء “ثغرةً” فقط في حال افتراض امتلاك الحكومة 100% من دخل الجميع، وأن السماح ببقاء بعض تلك المداخيل دون ضرائب يشكّل “ثغرةً” مزعجة. إنّ السماح لشخص بالاحتفاظ ببعض دخله ليس ثغرةً ولا إعانةً. إن تخفيض الضريبة الإجمالية عن طريق إلغاء خصومات الرعاية الصحية أو مدفوعات الفائدة interest payments أو الخسائر غير المؤمنة هو مجرد خفض الضرائب المفروضة على مجموعة أشخاص واحدة (ذوي الفائدة الضئيلة في الدفع أو المصاريف الطبية أو الخسائر غير المؤمنة) على حساب رفعها على من تكبدوا مثل هذه النفقات.

بالإضافة لذلك،لا يوجد أي ضمان أو حتى احتمال أن تحافظ الحكومة على معدل الضريبة عند المستوى الأدنى بمجرد إلغاء الاستثناءات والخصومات. عند النظر إلى تاريخ الحكومات السابقة والحالية، سنجد كل الأسباب التي تبرر افتراضنا بأن الحكومة ستأخذ المزيد من أموالنا لأنها رفعت معدل الضريبة احتياطيًا إلى المستوى القديم (على الأقل)، مع زيادة إجمالية في أموال المُنتجين المنقولة إلى البيروقراطية.

يُفترَض أن يكون النظام الضريبي تقريبًا نفس نظام التسعير أو المداخيل في السوق، لكن التسعير السوقي ليس كذلك فهو يتناسب مع الدخل. سيكون عالمًا غريبًا، على سبيل المثال، إذا أُجبر روكفلر Rockefeller على دفع 1000 دولار مقابل رغيف خبز، أي أن يتناسب السعر مع دخله مقارنةً بشخص ذي الدخل المتوسط. ما يعني عالمًا تُطبَّق فيه المساواة في الدخل بطريقةٍ غريبةٍ وغير فعالة؛ إذا فُرِضت الضرائب بنفس مبدأ التسعير السوقي، فستكون متساوية لكل “العملاء”، ولا تتناسب مع دخل كل عميل.

الخرافة التاسعة: تخفيض ضريبة الدخل يساعد الجميع لأنه سيفيد الحكومة بالإضافة لدافعي الضرائب، لأن إيرادات الضرائب سترتفع عندما تنخفض قيمتها.

هذا هو ما يسمى “منحنى لافر Laffer curve”، الذي حدده خبير الاقتصاد آرثر لافر Arthur Laffer. وقد قُدِّم للسياسيين كوسيلة تسمح لهم بالقيام بما هو شبه مستحيل؛ أي تخفيض الضرائب مع المحفاظة على الإنفاق عند المستوى الحالي، وتحقيق توازن الميزانية في الوقت نفسه؛ وبهذه الطريقة، سيستمتع الجمهور بتخفيضاتهم الضريبية، ويسعدون بالميزانية المتوازنة، ويستمرون بتلقي إعانات من الحكومة بنفس المستوى.

صحيح أنه إذا كانت معدلات الضريبة 99% وانخفضت إلى 95%، فسترتفع الإيرادات الضريبية. ولكن لا يوجد ما يبرر افتراض مثل هذه العلاقة البسيطة في أي وقت آخر. في الواقع، تعمل هذه العلاقة مع ضريبة الإنتاج المحلية local excise tax بشكلٍ أفضل من ضريبة الدخل الوطنية national income tax. منذ بضع سنوات، قررت حكومة مقاطعة كولومبيا District of Columbia تحصيل بعض العائدات من خلال زيادة الضريبة على الوقود في المقاطعة بشكلٍ حاد. ولكن، بعد هذا كان السائقين يعبرون الحدود ببساطة إلى ولايتي فرجينيا Virginia أو ماريلاند Maryland وتعبئة الوقود بسعر أقل بكثير، مما أدى إلى تراجع عائدات ضريبة الوقود في مقاطعة كولومبيا، والتسبُّب بالحزن والارتباك الشديدَين، فكان على حكومة الولاية إلغاء الضريبة.

ولكن ليس من المرجح أن يحدث ذات الأمر مع ضريبة الدخل؛ لن يتوقف الناس عن العمل أو يغادرون البلاد بسبب زيادة الضرائب الضئيلة نسبيًا، أو القيام بالعكس بسبب خفض الضرائب.

توجد بعض المشاكل مع منحنى لافر، إذ لا يُحدَّد المدى الزمني اللازم ليظهر عمل تأثير لافر، ولكن ما هو أهم من ذلك: يفترض لافر أن ما نريده جميعًا هو زيادة إيرادات الضرائب إلى أقصى حد ممكن للحكومة. إذا كنا بالفعل في النصف العلوي من منحنى لافر، فسيتوجب علينا جميعًا إذن أن نرغب في تثبيت معدلات الضرائب عند هذه النقطة “المُثلى”. لكن لماذا؟ لماذا يتوجب أن يكون هدف كلٍّ منّا زيادة إيرادات الحكومة إلى الحد الأقصى؟ أي رفع حصة المنتج الخاص الذي يُحوَّل إلى أنشطة الحكومة إلى الحدّ الأعلى؟ يجب أن أعتقد أننا سنهتمّ أكثر بتقليل إيرادات الحكومة إلى الحد الأدنى من خلال دفع معدلات الضرائب إلى حد بعيد، أي أقل بكثير من الحد الأمثل الذي يحدده منحنى لافر.

الخرافة العاشرة: واردات البلدان ذات العمالة منخفضة الأجر تسبب البطالة في الولايات المتحدة.

إحدى مشكلات هذه الفكرة هي تجاهلها السؤال: لماذا تكون الأجور منخفضة في بلد أجنبي ومرتفعة في الولايات المتحدة؟ يبدأ الأمر بالتعامل مع معدلات الأجور كمعطيات مجردة، وعدم السؤال عن السبب. ترتفع الأجور في الولايات المتحدة لأن إنتاجية العمل مرتفعة، لأن المعدات الرأسمالية المتقدمة تكنولوجيًا تساعد العمال بشكل كبير. بينما تكون معدلات الأجور منخفضة في العديد من البلدان الأجنبية لأن المعدات الأساسية صغيرةٌ وبدائيةٌ تكنولوجيًا. بدون مساعدة كبيرة من الآلات، فإن إنتاجية العمال أقل بكثير من إنتاجية العمال في الولايات المتحدة، ويُحدَّد معدل الأجور في بلدِ ما بحسب إنتاجية العمال في ذلك البلد. وبالتالي، فإن الأجور المرتفعة في الولايات المتحدة لا تشكل تهديدًا للازدهار الأمريكي؛ ولكن هذه الأجور هي نتيجةٌ لهذا الازدهار.

ولكن ماذا عن بعض صناعات الولايات المتحدة التي تشكو بصوت عالٍ ومزمن من المنافسة “غير العادلة” من منتجات البلدان ذات الأجور المنخفضة؟ هنا، يجب أن ندرك أن الأجور في كل بلد مترابطة في كل الصناعات والمهن والمناطق؛ إذ يتنافس جميع العمال مع بعضهم البعض، فإذا كانت الأجور في إحدى الصناعات أقل بكثير من الصناعات الأخرى، سيترك العمال – يتقدمهم العمال الشباب الذين هم في بداية حياتهم المهنية – هذه الصناعة أو سيرفضون دخولها، وسينتقلون إلى شركات أو صناعات أخرى يكون معدل الأجور فيها أعلى.

إذن سبب ارتفاع الأجور في الصناعات المشتكية هو رفع جميع الصناعات في الولايات المتحدة هذه الأجور. إذا وجدت صناعات الصلب أو النسيج في الولايات المتحدة صعوبةً في التنافس مع نظيراتها في الخارج، فلا يعود ذلك لأن الشركات الأجنبية تدفع أجور منخفضة، بل لأن الصناعات الأمريكية الأخرى رفعت معدلات الأجور الأمريكية إلى هذا المستوى المرتفع بحيث لا تستطيع صناعات الصلب والنسيج دفعها. باختصار، ما يحدث حقًا هو أن صناعات الصلب والمنسوجات وغيرها تستخدم العمالة غير فعالة مقارنةً بالصناعات الأمريكية الأخرى. إن الرسوم الجمركية أو حصص التوريد import quotas للحفاظ على الشركات أو الصناعات غير الكفوءة في حيز التشغيل تؤذي جميع من هم ليسوا في هذه الصناعة في أيّ بلد كانوا. إنها تلحق الضرر بجميع المستهلكين الأمريكيين من خلال الحفاظ على ارتفاع الأسعار والحفاظ على الجودة والمنافسة وتشويه الإنتاج. تعادل الرسوم الجمركية أو حصص التوريد تقطيع سكة ​​حديدية أو تدمير خط طيران – فهدفها جعل النقل الدولي مكلفًا بشكلٍ مصطنعٍ.

تضر الرسوم الجمركية وحصص التوريد بالصناعات الأمريكية الأخرى ذات الكفاءة عن طريق تقييد الموارد التي من الممكن نقلها إلى استخدامات أكثر كفاءة. وعلى المدى الطويل، لا يمكن عدّ الرسوم والحصص ربحًا حتى للشركات المحمية والمدعومة، مثلها مثل أي نوع من الامتيازات الاحتكارية التي تمنحها الحكومة. كما في حالة السكك الحديدية وخطوط الطيران، تصبح الصناعات التي تتمتع باحتكار الحكومة (سواء من خلال التعريفات أو اللوائح) تصبح في نهاية المطاف غير فعّالة لدرجة أنها تخسر الأموال على أي حال، ولا يمكنها سوى أن تطلب ما هو أكثر من عمليات الإنقاذ، وحتى أكثر من حماية ذات امتيازات من المنافسة الحرة

  • ترجمة: رأفت فياض.
  • مراجعة: محمد مطيع.

المصدر

ما رأيك في هذا المحتوى؟

رأفت فياض

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ماذا يحدث في أوروبا؟ – الجزء الثاني

المركنتلية: مذهب القومية الاقتصادية