in

ماذا يحدث في أوروبا؟ – الجزء الأول

الاتحاد الأوروبي يستخدم يده اليسرى لتهديد مواطني القارة

الهجرة كقضية أوروبية أكثر من قضية تعني اللاجئين

جرت الانتخابات البرلمانية الدنماركية في صيف هذه السنة وأُفرزت نتائجها، تناولت الصحافة الدنماركية موضوع اللاجئين كعاملٍ مؤثرٍ قوي في الانتخابات سواءً مع اليسار أو اليمين أو الشعب الدنماركي عموماً، هناك من راعى مشاعر الشعب الدنماركي والتيارات اليمينة كشعب يريد الحفاظ على هويته ولا يحب التطفل، وهناك من راعى مشاعر اللاجئين وشعر بتأنيب الضمير نحوهم.

فما الذي يحدث في أوروبا بالنسبة لموضوع اللاجئين منذ عقدٍ من الزمن على الأقل؟

سمعنا مبررات كلّ الأطراف حول موضوع اللاجئين، وربما كان الإعلام العاطفي والمُهَيِّج قد حاول توجيه ذهنية الناس إلى وجهة نظرٍ واحدة في البداية، وهي التعاطف الكامل مع اللاجئين، لكن مشكلة الإعلام المعاصر معروفة، بات سهلًا على المعلقين تكرار الملاحظة بأن اليسار في كل العالم يسيطر على جزءٍ كبيرٍ من الإعلام أكثر من سيطرته الواقعية في السياسة والدوائر الحكومية والقطاع الخاص والفعاليات الشعبية وعموم العائلات ودور الدين والجيش والاقتصاد، وأيضًا الشارع العام، وأصبح الإعلام ينقل تصوراتٍ فانتازيةً شهرزاديةً بعديدةً عن طموحات الشعوب في الدول المختلفة. يشمل الإعلام -إضافة لقنوات الأخبار وبرامج الرأي أيضًا- المسرحيات ورسوم الكاريكاتير والأفلام والمسلسلات والدعايات ومدن الإنتاج السينمائي.

فمن شاهد مجمل الإعلام الأمريكي خلال الحملة الانتخابية الرئاسية قبل أربع سنوات اعتقد أن كل العاقلين من الشعب الأمريكي مع كلينتون، وأن ترامب مجرد مجنون، ولا يتبعه إلا النازيون المضطربون الهاربون من العيادات العصبية، ولا ننسى الملاحظة الدائمة حول تجمع أبطال هوليود الشكليين حول (هيلاري كلينتون) في المناسبات، جعلوا العالم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الاشتراكية أخيرًا سوف تغزو الولايات المتحدة، برغم كون كلينتون والديمقراطيون رأسماليين كِنْزيين ولا يتعلقون بالاشتراكية بشيء، سوى بمحاولتهم عدم إبقاء أصوات (الاشتراكيين) على الحياد بين الحزبين والعمل على كسب أصواتهم كأقلية. ولأنه بالطبع يوجد تشابه بينهما، يستخدم كلا الطرفين (الديمقراطيين) و(الاشتراكيين) الموسيقى التصويرية والمؤثرات القصصية المُهَيِّجة، لاستقطاب الناس، بدل الخوض في المضمون، وبالتالي فإن أدوات الاشتراكيين يصلح أن تعمل في يد الحزب الديمقراطي.

فقط من كان لا يصدق إعلام اليسار والليبراليين الهوليوديين الاجتماعيين استطاع توقع فوز دونالد ترامب مسبقًا.

كانت مدة قصيرة كافية ليفهم العالم أن ما يظهر في الإعلام ليس سوى فيلم هوليودي فقط، وأن الأفراد والعائلات الأوروبية والأمريكية المنزعجة من الاشتراكيين والديمقراطيين وجماعات “العدالة الاجتماعية” وأصدقائهم هم أناس عاديون، لديهم الكثير من وجهات النظر القوية، وليسوا هاربين من المصحات ولا نازيين، وأن أعدادهم أكبر بكثير من مشاهد الفيلم، حتى أن نوعيتهم أيضًا مختلفةٌ عما تتحدث عنه جماعات العدالة الاجتماعية، فهم أطباء ومهندسون وطلبة ونساء ورجال وسود وبيض، وحتى بعض العلماء والشخصيات الحاصلين على جوائز نوبل، وأنهم فقط لا يريدون أن يسرق الاشتراكي أموالهم، وليسوا متوحشين.

بدأت وجهات النظر تتبدل الآن وتُدرك أن ما يحدث في أوروبا ليس نزاعًا بين (مجموعات حضاريين رقيقي القلوب) و(قبائل فايكنج في بلاد الغال من آكلي لحوم الأجانب)، بل هو خلاف بين تيارين حضاريين في الرأي، وإن كان خلافًا جذريًا.

تندفع الآن تيارات العدالة الاجتماعية بشكلٍ متطرف لأجل الدفاع عن اللاجئين، ويطلبون تسهيل كل الإجراءات لهم من عمل وإقامة، وحتى إعطائهم جنسيات فورًا، ويتهمون أي مخالف لهذا التطرف الفج بأنه نازي لديه مرض (فوبيا الأجانب)، حتى لو كان إنسانيًا ومعتدلًا، يعود هذا السلوك مرةً أخرى لإحياء خوف الأفراد والعائلات في أوروبا من سرقة الاشتراكيين لهم، لأنه يقوم على نفس المبدأ، أي الإرهاب الفكري والقذف، ثم الابتزاز بهذه الطريقة، (أي أنك إذا لا تريد أن تدفع فأنت تكره الوطن والفقراء والناس والأطفال، وأنت متحرش)، ويُقارب هذا أحيانًا سلوك المكارثيين.

يتعلق ذلك الآن بمحاولة اليسار ابتزاز المعارضين وقذفهم، (أنتم مرضى مهووسون لا أخلاقيين، إذا لم تسمحوا بإباحة بلادكم وثقافتكم رغمًا عنكم)، هذا تمامًا مثل (أنتم رأسماليون متوحشون تريدون تجويع الأطفال إذا لم تسمحوا بالاقتطاع من أموالكم).

كنت دائمًا أسمي أسلوبهم هذا بـ (اختطاف الطائرة)، أو (استخدام الرهائن البشرية).

لكن هل هذا كان مقبولًا في السابق لدى جماعات العدالة واليسار والليبراليين الاجتماعيين، دعنا نعود سنوات قليلة للوراء، وقبل الربيع العربي بقليل، من منا يتذكر حادثة الاستفتاء الأوروبي حول توحيد الدستور في الاتحاد الأوروبي؟ هُنا يبرز موضوع هذا المقال، في 2004 صوت الفرنسيون بـ (لا) لتوحيد الدستور، ومثلهم شعوب عدة دول كبيرة وإسبانيا وهولندا وبعض الدول الصغيرة، ليس هذا فقط؛ بل إن الموافقة على (معاهدة تأسيس دستور الاتحاد الأوروبي) لدى الدول الأخرى تطلب استفتاءات شعبية أو برلمانية وكان مفهومًا أن يرفض بعض المواطنين الدستور الموحد.

منذ البداية كان مفهومًا أن رافضي الدستور الموحد لا يريدون توحيد (الثقافات)، ويعتبرون أنه برغم (إمكانية التجاور السلمي والصداقة وفتح الحدود) إلا أن التطفل (المفرط) بين ثقافات (الشعوب المتقاربة) من خلال القانون؛ لهو أمرٌ يثير الرفض والانزعاج، إذن لقد كان العامل (الثقافي) هو العامل الأكبر والعلني والعميق، وربما الوحيد. لم نرَ من المثقفين اليساريين وجماعات العدالة الاجتماعية والاشتراكيين والكِنزيـين أيّ اعتراضاتٍ قوية متوحشة على هذا التوجه الشعبي حينها، وبرغم معارضتهم له لكنهم قبلوا بمراعاته، وهذه هي النقطة الأهم.

أمر عادي وطبيعي بعد ذكر هذه الحادثة تُعد إثارة التساؤل العقلي أمرًا طبيعًا حتى لدى أي طفل، إذا كانت خشية الأوروبيين “منفتحي الحدود” من الدستور الموحد بينهم؛ لأجل حماية ثقافاتهم أمرًا يمكن تفهمه، كيف تكون الخشية الأوروبية من (الطارئ الأجنبي القادم من الشرق) عقليةً نازيةً مريضةً!!

ما الذي حدث في أوروبا، وماذا يمكن أن يكون مستقبلًا؟

تبادل كلٌّ من الاشتراكيين والليبراليين والرأسماليين على شقيهم رغبتهم الأممية كلٌ على طريقته، وحاولوا جعل الدول الأوروبية كتلةً اقتصادية وسياسية واحدة، لا تعيقها أي تقاليد، إذ يعتبر الاشتراكيون التقاليد أكبر معوقات الأممية، أما الرأسماليين فيعتبرون أن انعزال الثقافات معيقًا للتجارة، كذلك يطمح الاشتراكيون للأيدلوجية الموحدة الكبرى، ويطمح الرأسماليون للسوق المفتوحة الكبرى، قد يكون رفض توحيد الدستور خبرًا سيئًا سواءً للاشتراكيين أو الليبراليين أو الرأسماليين برغم خصومتهم، لكن في 2004 لم يكن استخدام أي أداة ممكنًا لأجل دعم (معاهدة تأسيس دستور الاتحاد الأوروبي) حينها، فلا توجد قضايا إنسانية حينها في الساحة الأوروبية ممكن استخدامها كورقةٍ شعبيةٍ للابتزاز، فكيف تصرفت الأطراف؟

كالعادة كان الرأسماليون عمليون أكثر، وقد وجدوا الطرق المرنة، فقد احترموا تعدد الثقافات، بل إن عبارة “لو تشابهت الأذواق لبارت السلع” هي عبارة مقبولة لديهم بشدة، وهذا شيء طبيعي من فكر يؤمن بمبدأ توزيع العمل، يوافق الرأسماليون على الليبرالية الاقتصادية كأولوية، وإن أُعيقت الليبرالية الاجتماعية وتأخرت، حاول الرأسماليون إنقاذ الاتحاد الأوروبي من خلال تكرار شرح نظرتهم حول تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا والأحزاب والتقاليد، كان من الممكن أن يُبقي ذلك على الانجازات الأوروبية الآنية المتمثلة بالحدود المفتوحة وسهولة نقل البضائع، والإعلانات القُطرية العابرة للقارة، بصرف النظر عن اختلاف بعض القوانين، صاغوا اقتراحاتٍ اقتصادية مرنة، وإن في ظل تعدد الثقافات والأذواق، تقديرًا لرغبة الأفراد والعائلات.

أما “الليبراليون الاجتماعيون” لا يعرفون سوى أن عليهم الحصول على المساواة المطلقة قبل كل شي، وأنهم بذلك يخدمون مستقبل الاقتصاد ويخدمون الرأسمالية بذاتها، وهكذا ظهر الليبراليون الكِنزيون الجدد، على عكس الرأسماليين الكلاسيكيين وأتباع مدرسة آدم سميث (الليبراليين الاقتصاديين) والذين يحاولون دومًا إقناع الآخرين بأن المعادلة معكوسة، فأنت لا تستطيع قطع الجسر قبل الوصول إليه، بل العكس، ويتطلب الحصول على حرية الإنسان ومصلحته تحرير الاقتصاد بالطبع، وأنه لا يوجد مصلحة إنسانية قبل النجاح اقتصاديًا. لا يفهم (الليبراليون الاجتماعيون) ذلك.

ربما يستغرب بعض القراء الأكارم من العبارة الأخيرة، لكن فكروا معنا، أليست الدول التي وعدت بالنجاح الاقتصادي بعد تطبيق المساواة الاجتماعية المطلقة أولاً؛ هي نفسها الدول التي استخدم قادتها سيف (أنت تخون الوطن وتكره الناس ولا تريد المحبة) على شعوبها؟ وأليست هذه الدول أيضًا هي نفسها التي تحولت إلى قمعيات كبرى، وانهارت اقتصاديًا؟

كم يستغرق الوقت حتى يفهم اخواننا الاشتراكيون أن حق الإنسان في تأسيس شركة صغيرة دون عقبات تعجيزية بليدة هو أيضًا من حقوق الإنسان، وليس الحرية فقط أن تختار سيدة ارتداء الموضة التي تحبها، وليس فقط حق رجل جيفاراوي بمصادقة معشوقة جيفاراوية بصرف النظر عن اختلاف الدين.

ذلك حقيقي، عرفت البشرية الاقتصاد كأداة لرفاهيتنا، إن هدفنا هو الرفاهية، والعلاج، وحقوق الإنسان، فكيف يعتقد الاشتراكي أن عليه تحقيق الرفاهية والحصول على الحقوق لأجل دعم الاقتصاد؟ يقدم الاشتراكي الهدف على الأداة، وهكذا ضاع الهدف!

إذا كان الاشتراكي يطالب بالحصول على حقوق الإنسان كاملة الآن، إذًا ما واجبه هو؟ وماذا عليه أن يفعل؟ تمامًا كطالبٍ يشترط الحصول على الشهادة قبل أن يكمل دراسته، ويَعِدُنا بأنه سوف يدرس بجد لو أعطيناه الشهادة.

هذا ليس كل شيء.

كيف أثر سلوك جماعات العدالة الاجتماعية والأحزاب الاشتراكية في خشونة الاتحاد، وكيف يرتبط ذلك ميكانيكيًا بموضوع اللاجئين؟ وما تأثيرهم في موضوع الدستور الموحد؟

سيكون ذلك مادة جزءٍ لاحق لهذا المقال.

  • بواسطة: محمد جبريل.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

هذا المقال من مساهمات الزوار. يعبر عن رأي كاتبه، وقد لا يعبر بالضرورة عن رأي وندرلاست.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة وندرلاست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مناهضة الرأسمالية: شائعة للغاية، خاطئة للغاية!

ماذا يحدث في أوروبا؟ – الجزء الثاني