in ,

بريكزيت: إنسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

تعيش بريطانيا اليوم حالة من القلق و صراعًا مع الاتحاد الأوروبي بعد تصويت المواطنين سنة 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة 51.9%.

في المقال التالي سأقوم بالتطرق للأسباب التي دفعت بريطانيا لاتخاذ هذا القرار و كيف أن هذا القرار سيكون ذا نتائج إيجابية على الدولة و المجتمع البريطاني.

في البداية يجب أن أشير إلى أن بريطانيا كانت قوة عالمية معترفًا بها قبل انضمامها للاتحاد الأوروبي وكانت أكبر إمبراطورية مرت على الأرض وكان تاريخها مليئا بالعلم والأدب والأفكار السياسية والاقتصادية التاريخية التي ساهمت في تطور العالم بأكمله وكل من أخذ بمثلها.

الحكومة الضخمة للاتحاد الأوروبي

عندما تنضم أي دولة للاتحاد الأوروبي تصبح هذه الدولة تحت سلطة حكومتين، الحكومة التي يصوت عليها المواطن في بلده وحكومة البيروقراطيين الموجودة في بروكسيل والتي لا يمكن للشعب اختيارها، بل إنهم لا يعلمون حتى من يوجد فيها و لا سلطة لهم عليها.

دخول دولة ما للاتحاد الأوروبي يعني خضوعها لقوانين لم يقبل بها الشعب وأنه ليس لديه الفرصة في قبول أو رفض السياسات التي يقوم الاتحاد الأوروبي بتمريرها و تطبيقها، ما يحدث هو أن الدولة تصبح تابعة للسياسات التي تصاغ في بروكسيل. وفي البرلمان الأوروبي لا يمكن اقتراح أو إلغاء أي قانون، النواب في البرلمان الأوروبي لا سلطة لهم. اللجنة الأوروبية غير المنتخبة هي التي تحدد وتمتلك سلطة القيام بذلك. مثال على هذا قانون العمل الذي تم فرضه على فرنسا تحت حكومة فرانسوا هولاند وكانت نتيجته احتجاجات كبيرة، بحيث أنه من أجل تمرير القانون تم الضغط على فرنسا من أجل قبوله وكان جان كلود يونكر Jean-Claude Juncker رئيس المفوضوية الأوروبية هو المقرر لهذا القانون، و رغم الاحتجاجات و الفوضى التي حلت بسببه لم تتمكن الحكومة الفرنسية من تغييره لان السياسات تأتي من حكومة الأخ الأكبر في بروكسيل.
الآن، يجب أن نعلم كمية الأموال التي يتم إنفاقها من ميزانية الدول من أجل تمويل الأعضاء وبيروقراطيي الاتحاد الأوروبي، أي على الأشخاص الذين ينادون ببقاء الاتحاد متحدًا.

بالنسبة للسياسيين و البيروقراطيين فالاتحاد الأوروبي يعتبر نعيمًا ومدخلًا أساسيًا للأموال، الأحزاب الكبيرة لا تقوم بنقد هذا أو طرح فكرة الخروج منه لأنهم يعلمون جيدا أنهم، بعد انتهاء مدة عملهم، لن يجدوا منطقة أخرى للعمل فيها غير الاتحاد الأوروبي وأنهم سيتلقون رواتب ضخمة أكبر من راتب رئيس الوزراء وأن العمل سيكون شبه دائم و لن يكون هناك خوف من فقدان أعمالهم بعد الانتخابات وبهذا يحصلون على عديد من الامتيازات.

بعض الأمثلة على هذه الامتيازات: لديهم مراكز تسوق، تجميل، تدريم أظافر، سونا وتدليك (بأثمنة زهيدة: خصم 50 في المئة من السعر، وهي خاصة بهم فقط: غير مسموح للعامة دخولها وفي جميع الأماكن المشابهة في أوروبا كلها يدفعون نصف السعر ويعيشون في رفاهية من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين).

أكثر من 10 آلاف منهم يتلقون أجورًا أعلى من رئيس الوزراء البريطاني ويتلقون مالا من أجل المنزل، العائلة، من أجل الترفيه و التطبيب الخاص، مال من اجل دراسة الأطفال الخاصة ولديهم للشخص الواحد 250 جنيه استريليني إذا حضر كل يوم و41000 جنيه كل سنة لتغطية فواتير الكهرباء، الهاتف، الحواسيب… و22500 أخرى لتكاليف مساعدي المنزل و فوق هذا ضرائب منخفضة وبعض الأموال يتم تمريرها للمثقفين والمؤسسات العمومية التابعة لهم من اجل دعم المشروع الأوروبي.

شيء آخر يجب أن نعلمه هو أن البنوك الكبرى مثل جولدمان ساكس، ستانلي وجي بي مورجان هي من تتولى الحملات الانتخابية في أوروبا لدعم قضية البقاء في الاتحاد الأوروبي. وهذه البنوك معروفة بسياساتها غير النزيهة وهي تحاول التدخل في السياسات الحكومية من أجل تمرير قوانين في صالحها وهذا هو النظام الذي انتقده آدم سميث وآين راند بشدة لأنه يعتبر بشكل واضح خرقًا للمنافسة الحرة و الشفافية الاقتصادية.

التدخل في سياسات الدول الأعضاء

كما قلنا من قبل، كانت بريطانيا دولة مستقلة سياسيا واقتصاديا وكانت تعتبر من أهم الدول في العالم في جميع المجالات وكان لديها العديد من الحلفاء. ولكن بسبب دخولها للاتحاد الأوروبي لم تعد قادرة بالقيام بأية علاقات تجارية أو اتفاقيات اقتصادية و سياسية مع هذه الدول لأن الاتحاد الأوروبي يسيطر على جميع الأمور المتعلقة بهذا الشأن وتصبح الدولة بهذا مضطرة لأن تنصاع و تطبق جميع القوانين و الأوامر التي تضعها اللجنة الأوروبية.

اليوم، ومع الاتحاد الأوروبي، لم تعد بريطانيا مستقلة في قراراتها و سياساتها الاقتصادية.

مثال على هذه القوانين المفروضة :

– قضية اللاجئين، بريطانيا ضد سياسة الهجرة الجماعية لكن بسبب الاتحاد الأوروبي فرضت عليها هذه السياسة مثل ما حدث لجميع الدول الأعضاء و الدول الوحيدة التي تقف أمام هذا الأمر هي التشيك، بولندا و هنغاريا. رغم معارضتها لهذه السياسة، فإنه يفرض على بريطانيا استقبال عدد كبير من اللاجئين.

– قضية الدخول في حروب و معاداة أي جهة معادية مع الاتحاد الأوروبي، حيث أن الاتحاد الأوروبي يتحكم حتى في السياسة الخارجية لبريطانيا بشكل مهم و هنا نجد الدولة تخسر سيادتها و تصبح فقط تابعة لسياسات حكومة أخرى.

– إعطاء ثروات شعب لشعوب أخرى (الضرائب و التضخم). إذ تتحمل الدول الأعضاء مسؤولية أخطاء الدول الأخرى غير المسؤولة، كمثال الأزمة التي ضربت إسبانيا واليونان وفرنسا وإيطاليا، فيصبح مفروضًا على جميع الدول الأوروبية الأخرى أن تساهم في مساعدتها.

– فرض سياسة اقتصادية تسمى بالحمائية Protectionism، وتعتبر هذه السياسة أكبر خطر على اقتصاد الدولة.

يفرض الاتحاد الأوروبي على جميع أعضائه تجارة خارجية محددة مع بعض الدول الإفريقية والآسيوية. وبما أننا ذكرنا التجارة الخارجية، يجب علينا أن نتطرق للمشاكل التي تعاني منها بريطانيا في الجانب الاقتصادي بسبب الاتحاد الأوروبي.

تفرض على البضائع في الدول الأوروبية العديد من القوانين، أي العديد من العراقيل أمام الحرية الاقتصادية، على فتح شركة جديدة مثلًا. ما يحدث مشابه لكونك تدخل في حقل ألغام قانوني، وهذا يكون فقط شاملًا للشركات الصغيرة والمتوسطة و يكون قاتلا للنمو و الابتكار. وهذه القوانين تفرض تكاليف عالية، وخرق أي قانون دون قصد قد يتسبب في إغلاق شركتك ويصعب على الشركات الصغيرة و المتوسطة المنافسة و التطور.

أما بالنسبة للشركات الكبرى فهي لا ترفض القوانين بشكل كبير لأن هذا في صالحها لقمع المنافسة من الشركات الصغرى والمتوسطة. الشركات الكبرى تحب الاتحاد الأوروبي لأنه يخلق قوانين تدمر المنافسين الصغار و تقوم هذه الشركات الكبرى بالضغط على بروكسيل، فتجد على الدوام العديد من الدعوات للحفلات و الهدايا في مكاتب البيروقراطيين والسياسيين الأوروبيين من اللوبيات والشركات الكبرى التي تحب السياسة بمعناها الحديث.

الشركات الأوروبية تحاول منع المنتجات الخارجية والشركات الخارجية خوفا من المنافسة القوية على منتجاتهم لأن البضائع الآسيوية و الخارجية من بعض المناطق تتميز بجودة عالية وبثمن منخفض، ولهذا فإن الشركات الكبرى تحاول الضغط في بروكسيل من أجل إيقاف تدفق المنتجات الخارجية.

يقوم موظف بروكسيل يقوم بتقديم ثلاثة حلول:

– أولًا: الرسوم الجمركية، أي الضرائب على المنتجات الخارجية.

– ثانيا: الكوطا (تحديد النسب) أي الحد من عدد المنتجات الآتية من الخارج.

– ثالثا: القوانين المعقدة.

و هذا يؤدي لارتفاع الأسعار و ارتفاع تكلفة المعيشة.

هناك أيضا قطاع الصيد الذي تأثر و تدهور بشكل كبير جدا بعد دخول بريطانيا للاتحاد الأوروبي بسبب كثرة المعاهدات و القوانين التي يفرضها الاتحاد. كانت بريطانيا تمتلك أكبر ميناء في العالم وعددًا كبيرًا من سفن الصيد. واليوم، أصبحت تمتلك عددًا قليلًا، أقل من نصف ما كان عندها من قبل من سفن الصيد. وقد تسبب هذا في خسارة العديد من الوظائف التي لا يمكن تعويضها في بريطانيا.

الاتحاد الأوروبي يتحكم في الميزانيات الخاصة لكل دولة من أعضائه وفي طريقة تسييرها. ويجب أن يتم المصادقة عليها أولا من طرف الاتحاد قبل ان يتم التصويت عليها من قبل برلمان الدولة، أي أن قانون المالية الخاص بالدولة يجب أن توافق عليه و تدقق فيه أوروبا أولا و ترى ما إن كانت تقبل به أم لا، ثم آنذاك يمكن للدولة تمريره. أي أنه لا وجود للاستقلالية في اتخاذ القرار حتى في الشؤون الداخلية.

السياسة الزراعية المشتركة Common Agriculture Policy

يفرض الاتحاد الأوروبي على أعضائه برنامج سياسة زراعية موحدًا. يضمن هذا البرنامج شراء المنتجات باهظة الثمن من المزارعين الأوروبيين الأثرياء، على حساب المستهلكين البريطانيين ومنتجي البلدان النامية. هذه الحواجز الزراعية تجعل الأسر البريطانية تدفع أكثر بكثير كل عام مقابل الغذاء، وتعرقل الفقراء بشكل كبير.

وعلى الرغم من تحسن السياسة الزراعية المشتركة في التاريخ الحديث، إلا أن الحواجز الجمركية لا تزال قائمة، وما زال البروتوكول الحاد من الواردات من العديد من البلدان النامية يمنع دخول البضائع من هذه الدول بأثمنة أرخص.

المزارعون الأوروبيون يحبون الحمائية و يحاولون القيام بنفس الشيء مع المنتجات الزراعية الإفريقية وهذا يضر بالمواطنين الذين يستهلكون كل هذه المنتجات بثمن مرتفع، فلو كانت بريطانيا اليوم مستقلة عن الاتحاد الأوروبي لكانت تسمح باتفاقيات تجارة حرة مع العديد من البلدان النامية من أجل منتجات يتم إنتاجها بثمن منخفض جدا وجودة عالية مقارنة بما يمتلكونه الآن.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيعود بنتائج إيجابية على دول افريقية ودول خارج الاتحاد الأوروبي.

فعلى سبيل المثال، حصلت القارة الأفريقية بأكملها في عام 2014 على 2.4 مليار دولار من إمداداتها الوفيرة من القهوة، في حين جنت ألمانيا غير المعروفة بمزارع البن 3.8 مليار دولار عن طريق تجهيز البن الخام وإعادة تصديره.

تخيل الفائدة المحتملة للمزارعين الأفارقة إذا كان يمكن الحصول على حصة من العمل والتنافس مع المنتجات الألمانية.

الاتحاد الأوروبي يفرض تعريفة 7.5% على القهوة المحمصة المستوردة، ولكن لا تفرض شيئا على القهوة الخضراء الخام الأقل قيمة. لا عجب أن كمية كبيرة من القهوة الأفريقية المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي أرخص.

لكن للمملكة المتحدة الآن القدرة على فضح هذه المعاملة القاسية من خلال إلغاء هذه الضرائب التنازلية والسماح للمنتجين المغامرين في البلدان الفقيرة بالتنافس على قدم المساواة. ليس بإمكان هذا فقط تحرير المنتوجات الموجودة حاليا تحت تعريفات الاتحاد الأوروبي، بل أنه سيؤدي أيضا إلى المزيد من الخيارات للمستهلكين في المملكة المتحدة. ستجد منتجات جديدة من جميع أنحاء العالم طريقها إلى السوق وبأسعار أرخص عن طريق التحرر من رسوم الاستيراد وزيادة المنافسة.

إذا استعادت بريطانيا السيطرة على قوانينها التجارية سيمكن أن تصبح رائدة عالميا في تحرير الدول الفقيرة تجاريا ومن شأن هذا أن يساهم في ازدهارها وازدهار شركائها التجاريين.

دور ألمانيا وعرقلة الاتحاد الأوروبي لعملية بريكزيت

ألمانيا لا تريد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأن بريطانيا تعتبر من أهم الأسواق لألمانيا، حيث تجد المنتجات الألمانية طاغية على المنتجات البريطانية، والميزان التجاري بينهما فيه عجز دائم من جانب بريطانيا.

ألمانيا تستغل عن طريق الاتحاد الأوروبي الاتفاقيات من أجل مصالحها الخاصة حتى تتمكن من الدخول للسوق البريطانية بشكل أسهل و أسرع و عندما رأت أن بريطانيا تحاول الخروج قامت بمحاولة عرقلتها اقتصاديا في مفاوضات الخروج.

و لكي تعلموا كيف أن الشركات والبنوك أصبحت تتعاون مع الاتحاد الأوروبي من أجل فرض قرارات سياسية، حدث في اليونان أن بنك ACB تحكّم في حركة تدفق الأموال في البنوك اليونانية في وقت الاستفتاء لكي يفقد الشعب الثقة في الحكومة اليونانية ويقوم بالتصويت من أجل البقاء في الاتحاد.

شيء آخر يجعل بريطانيا تطالب بالخروج هو مقارنة نفسها بسويسرا، فسويسرا لم تقتنع بالانضمام للاتحاد الأوروبي وقام الشعب بالتصويت ضد قرار الانضمام واليوم تعتبر سويسرا من أنجح الدول اقتصاديا و سياسيا في أوروبا.

بريطانيا قامت بمقارنة اقتصادها مع اقتصادات الدول الأوروبية الأخرى التي لا تتواجد في الاتحاد الأوروبي وقارنت نفسها مع سويسرا لتجد أن هذه الدول متفوقة عليها بشكل كبير في حسن المعيشة وجودة الاقتصاد والمنتوجات، متفوقة عالميا من ناحية الجودة والأسعار وتعتبر من أهم الدول في العالم اقتصاديا دونما الحاجة للدخول للاتحاد الأوروبي.

يعني هذا أن فكرة أن الدولة الأوروبية إن لم تكن ضمن الاتحاد ستكون خاسرة اقتصاديا لا تصمد أمام مثال دولة كسويسرا التي تعتبر مزدهرة وتعيش برفاهية باستقلال تام على الاتحاد الأوروبي.

لابد من وجود بعض الخسائر التي ستلحق ببريطانيا في بداية محاولة الخروج من الاتحاد، خاصة بسبب محاولة الاتحاد الأوروبي معاقبة بريطانيا على هذا القرار لأن خروج بريطانيا سيؤثر سلبًا على الاتحاد الأوروبي وسيجعله يخسر خامس أكبر قوة اقتصادية في العالم، ونرى كيف انه تظهر جليًا في المفاوضات مع بريطانيا محاولة الاتحاد الأوروبي لعرقلة الخروج و خنق الاقتصاد البريطاني وجعل مهمة الانسحاب أصعب لكي يعتبر هذا مثالًا لباقي الدول التي تفكر في الخروج من الاتحاد.

إعداد: محمد مطيع

تدقيق لغوي: شهاب البرقاوي

المصادر:

http://bit.ly/2IhTdx9

http://bit.ly/2FKCLH0

http://bit.ly/2FKCLH0

http://bit.ly/2FxejFI

http://bit.ly/2oYiVP8

http://bit.ly/2IdHnnH

http://bit.ly/2FDraK3

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدخل قصير إلى الليبرتارية والليبرالية الكلاسيكية

أفضل الطرق لطلب زيادة على الراتب في العمل