in , , ,

هل كان كارل ماركس على خطأ؟

لعل أولئك اللذين يتحدثون عن “الوقوف على الجانب المحق في حركة التاريخ” قد تبنّوا -بعلمهم أو بدونه- عنصراً أساسياً من تحليل ماركس للرأسمالية: وهي الفكرة القائلة بكون النظام الرأسمالي يتبع سبيلاً محدداً للتطور التاريخي يتصف بكونه منفتحاً على التفسير والتنبؤ العلمي، وهذا ما يفترض أن يقود الإنسانية إلى مجتمع أرقى وأفضل (وهي الاشتراكية).

تم نشر كتاب البيان الشيوعي لكاتبيه كارل ماركس وفريدريك إنجلز عام 1848، كما نشر المجلد الأول من كتاب رأس المال لكارل ماركس عام 1867، أما الجزآن الباقيان فقد تم تنسيقهما ونشرهما بعد وفاة ماركس عام 1883 من قبل فريدريك إنجلز.

جميع تنبؤات ماركس أخفقت في التحقق

كان ماركس على قناعة بأن تلك العقود الوسطى من القرن التاسع عشر كانت تمثل نهاية الحقبة الرأسمالية في عالم الصناعة، وتبين كتابته أنه كان مؤمناً بكون الثورة الاشتراكية قريبة لا محالة حتى أنها ستحدث خلال حياته.

ومن منظور يومنا الحالي، وبعد حوالي 170 عام من تاريخ إصدار البيان الشيوعي، يبدو أن رؤية ماركس للقرن التاسع عشر ليست أكثر من وجهة نظر متفائلة لثائر معاد للرأسمالية ومؤمن بأن “دولة العمال” الموعودة تلوح في الأفق.

ليس هناك شيء مشوق في كون المرء “اشتراكياً علمياً” (كما أن هذا لن يجذب الكثير من الأنصار) في حال كانت نظرة المرء نحو المستقبل القائمة على أساس نظريته حول تطور التاريخي تقود إلى الاعتقاد بكون الثورة الاشتراكية قادمة، ولكن ليس قبل 200 عام على الأقل!

فشل توقعات ماركس حول الرأسمالية

لم تقتصر أخطاء ماركس على فهم “تمخضات ولادة” الرأسمالية على أنها “حشرجة الموت” الأخيرة لها، بل إنه أخطأ أيضاً في قراءة كيفية تطور الرأسمالية، ذلك أنها كانت في بدايات تطورها كنظام اقتصادي حين نشر ماركس كتاباته، ولم تكن تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولعل تعبير “التوقيت غير المناسب” هو ألطف تعبير يمكن أن يعبر عن عدم فهم موقع الرأسمالية على الخط الزمني للتاريخ المعاصر.

بسبب فظاظتها، فقد فشلت جميع “تنبؤات” ماركس في التحقق، وفي الأعوام الـ 150 منذ نشر المجلد الأول من كتاب رأس المال، حدثت زيادة كبيرة في الاستثمارات الرأسمالية التي لم تؤد إلى تركيز ملكية الثروة في أياد أقل وأقل، كما أنها لم تؤد إلى ازدياد “البؤس” لدى عامة الشعب، حتى أنها لم تؤد أيضاً إلى زيادة انقسام المجتمع إلى فئتين: فئة “المالكين” أصحاب الثروة، وفئة “البروليتاريا” عديمي الأملاك.

على النقيض من ذلك، فقد كانت أكثر الظواهر الاجتماعية تميزاً خلال الأعوام الـ 200 الأخيرة هي توسع ونمو “الطبقة المتوسطة” بدلاً من انقسام المجتمع إلى “أغنياء” و “فقراء”، هناك طيف واسع من الفئات الميسورة مالياً أو غير الميسورة كثيراً، مع وقوع النسبة الكبرى من أفراد المجتمع ضمن الطبقة المتوسطة الضخمة والنامية.

بدلاً من أن يؤدي نمو رأس المال إلى تجمع الثروة والدخل لدى أشخاص محدودين، أدى هذا إلى توزيع الملكية والثروة بين أفراد المجتمع الصناعي، وهناك على الأقل سببان لهذا التطور الذي اتخذته الرأسمالية.

الوساطة المالية وتوزيع الثروة

أولاً، كان هناك ظهور الأسواق المالية والوساطة المالية، ظهرت البنوك الحديثة والمنشآت المالية على شكل وسطاء لجمع وتقنين الموارد المالية القابلة للإقراض من أصحاب المدخرات إلى أيدي أشخاص آخرين يرغبون في الاستثمار.

ومن أجل تقليل احتمال الخسارة على جانب المقترضين، كان من الأفضل أن يتم توزيع هذه الموارد المالية على طيف واسع من المقترضين بمبالغ وأنواع متفاوتة، كما أدى ذلك إلى وجود درجات مختلفة من المخاطرة ترتب عليها مبالغ فائدة مختلفة ومتطلبات تعويض أو كفالة.

أدى اقتصاد السوق المتطور إلى إحداث طلب على طيف واسع ومتنوع من المهارات والمواهب في سوق العمل

كان من نتائج تدفق الموارد المالية إلى أيادي مستثمرين كثر -لم يكن بمقدورهم في السابق إنشاء مشاريع استثمار جديدة أو توسيع استثمارات سابقة- إلى خلق مصادر جديدة ومتنامية من الثروة، إذ كانت معظم هذه الاستثمارات رابحة وأدت إلى عائد مادي جيد نتيجة الاستغلال المدروس لهذه المدخرات، وبذلك ظهر أصحاب رأس مال جدد، ممتلكات جديدة، وأشكال جديدة من وسائل إنتاج الثروة.

وبدلاً من تركز رأس المال والثروة، فقد توزعت هذه الثروة وتوسعت دائرة انتشارها مع استمرار الاستثمارات الناجحة في إنتاج عائد مادي يفيض منه مدخرات كافية يمكن إقراضها لأشخاص آخرين من أجل إنتاج استثمارات أخرى عبر شبكة الوساطة المالية المصرفية المتنامية.

تنوع العمل بدلاً من بقائه متجانساً

ثانياً، افترض ماركس أن تقنيات الإنتاج الضخم (Mass Production) ستؤدي إلى تشابه مهارات العمل المتطلبة للعمل في المجال الصناعي، مختزلة جميع الأعمال البشرية المطلوبة بعدد من الوظائف البسيطة والمتشابهة وقليلة الأجر.

ولكن التصنيع وما تبعه من عالم جديد قائم على تقنيات حديثة أدى إلى نتائج عكسية لما توقعه ماركس، إذ أدى اقتصاد السوق في العالم المتطور إلى زيادة الطلب على طيف واسع من المهارات والمواهب المهنية، وهكذا لم تكن النتيجة هي تجانس أشكال العمل واختزالها، إنما تنوع الوظائف ومتطلباتها إضافة إلى مزايا مختلفة لكل نوع من الأعمال.

من هنا ظهر طيف كبير من الرواتب المتناسبة مع هذه الأعمال، أي ليس مجرد “مستوى مشترك” كما تنبأ ماركس، إنما ظهرت “بنية معقدة” من الرواتب النسبية التي تعكس الميزات المختلفة والمهارات التي يتطلبها كل عمل، إضافة إلى التمييز بين مهارات موظف وآخر في نفس المجال المهني.

رأس المال والعمل أمران متكاملان

بالإضافة إلى ما سبق، فشل ماركس في تقدير العلاقات الإنتاجية الحقيقية ما بين “العمل” و “رأس المال”، من وجهة نظر واحدة، يكون رأس المال المادي والعمل البشري بديلين محتملين لأحدهما الآخر في مجالات وحالات خاصة ومحدودة، ولكن بالمعنى الواسع والجوهري يكون العمل ورأس المال جانبين أساسيين في جميع أشكال النشاطات الإنتاجية.

اقتصاد السوق الحر لا يؤدي إلى خلق جيش احتياطي من العاطلين عن العمل كما توقع ماركس

أولاً، ومع تراكم رأس المال واستثماره على مر العقود، كان من الغالب أن يزداد رأس المال الإنتاجي بشكل سريع مقارنة مع الزيادة في تعداد أفراد القوة العاملة، وهكذا أصبح العمل هو العامل “الأكثر ندرة” بالمقارنة مع رأس المال مع الزمن، وبذلك ازدادت قيمة العمل بشكل عام مقارنة مع رأس المال.

ثانياً، فقد أدى تطوير الإمكانيات الإنتاجية من خلال الاستثمار الرأسمالي إلى زيادة إنتاجية العمل، وهذا من خلال تطوير معدات وأدوات عمل أفضل وأحدث، مما أدى إلى زيادة قيمة العمل التي يمكن أن ينجزه العامل خلال مدة محددة من الزمن، وهذا ما رفع من قيمة العامل الإنتاجية بشكل إضافي.

ثالثاً، بالرغم من صحة الكلام القائل بأن استبدال بعض العمال عبر الاستثمار الرأسمالي يؤدي إلى خسارة بعض الوظائف، مع الوقت (بما أنه من الممكن الوصول إلى الناتج نفسه أو أكثر منه باستخدام أيد عاملة أقل)، أدى هذا إلى إعطاء فرصة لبعض العمال من أجل إنجاز مهام جديدة لم يكن من المقدور القيام بها في السابق، وهذا ما يؤدي إلى خلق فرص توظيف جديدة من أجل إنجاز أعمال لم يكن المجتمع قادراً على التفكير بها من قبل، وهكذا نرى أن اقتصاد السوق الحر لا يخلق “جيشاً احتياطياً” من العاطلين عن العمل كما توقع ماركس.

مفهوم ماركس الخاطئ حول الصراع الطبقي

متّبعاً أفكار عالم الاقتصاد الكلاسيكي دافيد ريكاردو (David Ricatdo)، رأى ماركس أن “المشكلة الاقتصادية” الكبيرة في العالم يمكن حلها عبر فهم كيفية وأسباب توزيع الدخل بين “الطبقات العظمى” في المجتمع، وهذه الطبقات بحسب مؤلفات ريكاردو هي: طبقة المالكين، طبقة الرأسماليين وطبقة العمال.

ولكن هذه الطريقة في صياغة “المشكلة الاقتصادية” تصنف وتجمع الناس ضمنياً تحت مسميات محددة (“عمال” أو “رأسماليين”)، وتفترض أن كل شخص مصنف بهذه الطريقة سوف يرى مصلحته (أو يجب أن يرى مصلحته) في ضوء علاقته كفرد من هذه “الطبقات” الاجتماعية مع حصته من الأرباح المبنية على وجوده في هذه الطبقة الاقتصادية.

في الواقع، ينتمي معظم الأشخاص إلى عدة طبقات اجتماعية في نفس الوقت.

ولكن المجتمع الرأسمالي المعقد لا يقوم بتصنيف الناس بهذا الشكل النموذجي والمبسط، إذ يوجد عدد متزايد من الأفراد الذين يمكن أن يصنفوا تحت طبقتين اجتماعيتين في الوقت ذاته، على سبيل المثال، يمكن للفرد الواحد أن يعمل لدى شخص آخر (وبذلك هو يحصل على راتب شهري)، وهو يملك حساب توفير في مصرف ما (أي يحصل على فوائد مالية من خلال استثماراته)، أو يشتري أسهماً في شركة ما (أي يحصل على دخل ربحي “رأسمالي”)، وفي هذه الحالة مثلاً، ما هي الطبقة الاجتماعية التي يمكننا إلحاق هذا الشخص بها بحسب تصنيف ماركس وريكاردو؟

حتى أنه يمكننا القول إن التقسيم المتطور للعمل في عالمنا المعاصر يؤدي إلى امتلاك الموظفين وأرباب العمل في مجال صناعي أو تجاري محدد العديد من القواسم المشتركة، أكثر من تلك التي يملكها هؤلاء الموظفون مع موظفين آخرين يعملون في مجال آخر.

لذلك تكون المصلحة المشتركة لديهم هي الاستعانة بالحكومة في سبيل القيام بالتدخل لمنع المنافسة، والحصول على حصة في السوق، إضافة إلى الحصول على ميزات ربحية على حساب الشركات المنافسة والمستهلكين في السوق نفسه أو الأسواق الأخرى من أجل الحصول على مكتسبات إضافية بمساعدة الحكومة وتوزيعها فيما بينهم.

الأخطاء في الفلسفة المادية الجدلية لكارل ماركس

لطالما فرق علماء الاقتصاد الكلاسيكيون بين ما دعوه باسم الحاجات والدوافع “المادية” و “غير المادية”، والمفهوم الرئيسي الذي قامت عليه هذه المقاربة الكلاسيكية هي أن علم الاقتصاد هو -كمجال دراسة- العلم الذي يدرس إنتاج الثروة وتوزيعها، أي النشاطات المادية الذي يتبعها الإنسان بحثاً عن سبل بقائه وتحسين نوعية حياته.

تغيرت النظرة إلى علوم الاقتصاد، وأصحبت تعتبر هي المنطق الذي يحكم الأفعال والخيارات.

أما التغيير الذي أضافه ماركس إلى هذه النظرة الكلاسيكية كما رأينا، هو الحجة القائلة بكون الجانب المادي حياة الإنسان (مثل إنتاجيته في العمل) هو العامل الأهم في تقرير وتسيير جميع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع المجتمع، كما أن “قوى الإنتاج” (التكنولوجيا المسيطرة والأشكال المادية لرأس المال المتضمنة بها) تحدد “البنية العظمى” للنظام الاجتماعي من خلال المؤسسات والعلاقات البشرية.

أي أن المادة وشكلها في سياق القوى المادية للإنتاج هي التي تحكم “العقل” وتشكله، كما أنها تتحكم في تشكيل الأفكار البشرية والعلاقات الاجتماعية.

في أواخر القرن التاسع عشر، تزايد اهتمام خبراء الاقتصاد بمبدأ الندرة إلى حد اعتباره أمراً أساسياً في فهم الاقتصاد، كما تمت إعادة صياغة المفاهيم الاقتصادية في ضوء دراسة مفهوم السلوك التوفيري تحت عائق الوسائل المحدودة والتي لا تكفي لسد جميع الرغبات.

في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، طور علماء الاقتصاد مقاربة جديدة أدت إلى توسيع وصقل الفكرة التوفيرية إلى حد أبعد، وخاصة من خلال كتابات ومؤلفات اقتصاديي المدرسة النمساوية، ومن أبرزهم لودفيغ فون ميزس (Ludwig von Mises)، هانز ماير (Hans Mayer) وريتشارد ستريغل (Richard Strigl)، والاقتصادي البريطاني ليونيل روبنز (Lionel Robbins)، أما علم الاقتصاد فصار ينظر إليه على أنه “منطق الأفعال والخيارات“: العامل المحدد لمجال الاستفسار للتحليل الاقتصادي ليس فقط الدوافع التي تدفع بالأشخاص إلى إجراء أفعال ما -وهي الأهداف المادية مقابل الأهداف غير المادية- إنما هو العلاقات التي تضفي “جانباً اقتصادياً” ما على جميع التصرفات البشرية: وهذه هي الحاجة للاختيار ما بين أهداف متنافسة عندما تكون الوسائل والقدرات محدودة وغير قادرة على تحقيق جميع الأهداف أو الغايات.

وهنا يقوم الفرد بمقارنة جميع الأهداف الموجودة بغض النظر عن محتواها، مثلاً قد يؤدي عدم توفر وقت كاف إلى دفعك للاختيار ما بين الأعمال الخيرية أو الأعمال ذات العائد المادي، أو الاختيار ما بين “الخبز” و “الفخر”، وهنا لا يوجد شيء محدد في “الجانب المادي” من الحياة، عدا عن كون الوسائل المتوفرة قابلة للاستخدام في سبيل تحقيق مجموعة من الأهداف على حساب أهداف أخرى.

لا يوجد “تاريخ اقتصادي” منفصل يحكم الأحداث البشرية

ولذلك، يبدو أن تفسير التاريخ بشكل مادي بحت لا يفضي إلى معنى مفهوم، كما أن التنبؤ بالمستقبل عبر هذه النظرة لا يؤدي إلى نتائج دقيقة، يوجد شكل واحد وشامل فقط من التاريخ، وهو تاريخ سعي الإنسان خلف أهداف متنوعة ولأسباب مختلفة تحمل معاني متنوعة بالنسبة لكل فرد من البشر، كما يمكننا توضيح هذه الفكرة أكثر عبر الاستعانة بما قاله الاقتصادي البريطاني جون جوكرز (John Jewkers) في محاضرته (The Economist and Economic Change) عام 1954:

«في المعنى العام، لا يوجد بالتأكيد ما يدعى بالمستقبل الاقتصادي، يوجد فقط المستقبل الذي ترتبط فيه العوامل الاقتصادية معاً، بشكل حتمي ودون أي أمل في الانفصال عن بعضها، كما أن الكون بمجمله ومختلف قواه يحدد مسير الأحداث، هذا النمط من الأسباب والنتائج، حتى وإن نظرنا إليه بعد أن تتحول هذه الأحداث إلى تاريخ فهي تكاد أن تشلّ العقل بسبب تعقيدها الكبير… إذا كان من الممكن وصف التاريخ الصناعي، لماذا لا نتحدث أيضاً عن المستقبل العلمي، المستقبل السياسي، المستقبل الاجتماعي، والمستقبل المنفصل لكل مجال من المجالات؟».

بكل تأكيد، كلما تطور المجتمع من ناحية ارتفاع المستوى المادي للمعيشة، كلما قلت أهمية البحث عن الغايات المادية بمعناها الضيق (مثل الطعام واللباس والمأوى)، كلما كان المجتمع أكثر إنتاجاً كلما كانت هذه الغايات الأساسية متوفرة بشكل كاف لدى الغالبية الساحقة من الشعب.

نتيجة ذلك، تنتقل اهتمامات هذه الشعب ورغباته إلى هوامش أبعد من الاهتمامات مثل الفن أو نمط الحياة المميز، ولذلك تظهر اهتمامات ورغبات جديدة على المستوى الشخصي تحدد معايير جديدة لما ندعوه بـ “الحياة الجيدة”,

يمكننا القول إن الرأسمالية هي ما يزيد السعة الممكنة لعدد متزايد من الأفراد للتفكير بوسائل مناسبة لاستغلال قدر أكبر من “وقت الفراغ” الخاص بهم لتحقيق أهداف مرغوبة وقابلة للتحقيق (ولنقتبس من ماركس “الذهاب لصيد السمك في الصباح” و “صيد الحيوانات في المساء”..)، وهذا ما يجعل الرأسمالية هي ما يوفر الوسائل والإمكانيات اللازمة لتوفير وقت أكثر لكل شخص من أجل القيام بما أسماه ماركس “النشاطات الذاتية”.

الادعاء الخاطئ بأن “القوى الإنتاجية” هي ما يتحكم بأفكار الأشخاص

لعل الحلقة المفقودة الأهم في نظرية ماركس للتطور المادي التاريخي هي التأكيد على أن أفكار الأشخاص تنشأ من حالة العلاقات الإنتاجية التي يعيشون من خلالها، وكما أشار الخبير الاقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميزس (1881 – 1973) في كتاب (Theory and History) عام 1957، هذا يقترب من مبدأ التجسيم (Anthropomorphism)، وهو نسب الخواص البشرية والواعية إلى جوامد خالية من الحياة:

«الآلة هي أداة من صنع الإنسان.. التجسيم هو أن ننسب أية نشاط أو صفة إلى الآلة.. الآلة ليس لها ذكاء؛ فهي لا تفكر ولا تختار أهدافاً ولا تلجأ إلى وسائل في سبيل تحقيق غايات منشودة ما، فهذا من صفات البشر.

في تعاليم ماركس.. تقنية الإنتاج هي الشيء الحقيقي، الشيء المادي الذي يحدد في النهاية المظاهر الاجتماعية والسياسية والفكرية لحياة الإنسان.. وهذه الفرضية الأساسية مفتوحة على ثلاثة اعتراضات غير قابلة للنفي.

أولاً، الابتكار التكنولوجي ليس أمراً مادياً، فهو نتيجة عملية ذهنية قائمة على المحاكمة العقلية واستحضار أفكار جديدة، أما الأدوات والآلات فيمكن أن ندعوها أشياء مادية، ولكن العمل العقلي الذي اخترعها هو ’روحي’ بكل تأكيد.

ثانياً، إن اختراع وتصميم الأدوات الحديثة تقنياً ليس كافياً بحد ذاته من أجل إنتاجها، فالمطلوب -إضافة إلى المعرفة التكنولوجية والتخطيط- هو رأس المال الذي جرى جمعه مسبقاً عبر الادخار.. وبذلك لا تكون العلاقات الإنتاجية هي نتيجة القوى الإنتاجية المادية، بل على العكس من ذلك، تكون هي الشرط الأساسي الذي لا غنى عنه من أجل وجودها…

إضافة إلى ذلك، علينا أن نتذكر أن استخدام الآلات يفترض وجود تعاون اجتماعي تحت مفهوم تقسيم العمل.. كيف إذاً يمكن تفسير وجود المجتمع بالرجوع إلى القوى الإنتاجية المادية التي بحد ذاتها لا يمكن أن تظهر إلا في سياق علاقة اجتماعية؟»

إن الآلات والتكنولوجيا ووسائل الإنتاج الحديثة ظهرت نتيجة وضع البشر أهدافاً أمامهم، ومن ثم محاولة إيجاد طرق لتحقيق هذه الأهداف من خلال صياغة خطط لإنشاء هذه الأدوات ذات الاستخدامات المتنوعة، بعبارة أخرى، الأفكار هي من يصنع الآلات، أما الآلات فلا يمكن أن تستحضر أفكاراً بحد ذاتها.

لماذا مجموعة محددة من الأهداف بدلاً من أخرى؟ لماذا ينتج عن العملية الإبداعية البشرية شكل محدد من التكنولوجيا وليس شكلاً آخر؟ لماذا يتم تطبيق هذه التقنيات في مجال محدد وليس الآخر؟ الجواب الصريح هو أننا لا نعلم بشكل واضح. كل ما يكون الإنسان هو في النهاية مادة (ككائن مادي)، ولكن الأسباب التي تجعل الفيزيولوجيا البشرية تفضي إلى مجموعة من الأفكار دوناً عن بعضها الآخر هو أمر معقد وغير مفهوم.

آلية دخول الفكرة الجديدة إلى رأس إنسان ما هو أمر لا يستطيع أحد تفسيره بشكل واضح.

لقد كان ماركس -مثله مثل الكثير من الأشخاص في ذلك الزمن- مسحوراً بفكرة العلوم الفيزيائية كمفتاح يفتح جميع أسرار الكون، فقط لو يمكن كشف “المبادئ الأولى” الصحيحة، وبعد ذلك يمكننا معرفة التاريخ البشري بشكل كامل بل ورؤيته أمام أعيننا، بشكل مشابه لتحريك ريشة القفل في خزينة ومشاهدة كامل محتوياتها دفعة واحدة.

نحن لا نعلم أصل الأفكار، يمكن تاريخياً أن نتبع تطور مجموعة من الأفكار ضمن شخص محدد، وتطور هذه الأفكار بين الأفراد، ولكن الآلية التي تدخل فيها فكرة ما إلى ذهن الشخص هو أمر غير مفهوم ولا يمكن لأحد أن يدعي القدرة على تفسيره بوضوح.

كل ما يمكننا رؤيته هو أن هناك “عقل” وهناك “مادة”، وهما يتفاعلان ويتواصلان باستمرار، ولكن “العقل” -على قدر ما يمكننا فهمه ككائنات بشرية- هو ليس بـ “المتغير الرياضي” المعتمد على قيم أخرى لتحديده، ولا يمكننا رؤية قيمته على خط بياني بعد أن نحسب “المتغير المستقل” للعوامل الفيزيائية التي تؤثر على الإنسان بشكل أو بآخر.

المعرفة البشرية وعدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل

في كتابه (Poverty and Historicism) الذي صدر عام 1957 أشار الفيلسوف كارل بوبر (Karl Popper) إلى الحقيقة المؤكدة بعدم قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل نتيجة اعتماده على المعرفة التي يمتلكها الأشخاص، واستحالة أن نعرف اليوم ما قد يفكر به شخص ما غداً، وعبر عن ذلك بالقول:

«إن مسيرة التاريخ البشري متأثرة بشدة بنمو المعرفة البشرية… لا يمكننا باستخدام الوسائل العلمية أو المنطقية التنبؤ بالنمو المستقبلي لمعرفتنا البشرية… ولذلك لا يمكننا التنبؤ بالمسيرة المستقبلية للتاريخ البشري… هذا يعني أننا يجب أن نرفض احتمالية وجود تاريخ نظري؛ أو بعبارة أخرى وجود تاريخ علمي اجتماعي يتوافق مع الفيزياء النظرية، لا يمكن أن يوجد نظرية علمية للتطور التاريخي تفيد كأساس للتنبؤ التاريخي.»

باختصار، لا يمكننا أن نعرف اليوم جميع ما قد نعرفه غداً؛ وإلا فإن هذه المعرفة ستكون موجودة في الأصل وليست أمراً مجهولاً سنعرفه فيما بعد، ولكن ما يخبئه لنا المستقبل ليس فقط معتمداً على المعارف التي سيحصل عليها الأفراد في أوقات مختلفة مستقبلاً، بل على كيفية فهمهم وتفسيرهم لهذه المعارف في سياق جميع ما يعرفونه وعاشوه حتى تلك اللحظة، والأهمية التي يرونها لهذه المعرفة الجديدة في سعيهم لتحقيق الأهداف والطموحات التي وضعوها لأنفسهم وعقدوا العزم على تحقيقها (وهذه الأهداف نفسها قابلة للتغيير مع مرور الوقت واكتساب خبرات جديدة كل يوم).

الاتجاهات التاريخية ليست أموراً ثابتة ولا حتمية

لا يمكننا أيضاً افتراض تسبب حدث ما في مجموعة من الأحداث اللاحقة لمجرد وقوع هذا الحدث قبلها، فهذه مغالطة منطقية شائعة، الأقدمية الزمنية والسببية أمران مختلفان ولا يجب الخلط بينهما، وهذا ما لاحظه عالم الاجتماع المحافظ روبرت نيسبت (Robert Nisbet) الذي كتب:

«كم من السهل لنا عندما ننظر إلى التاريخ -أعني هنا ’التاريخ’ الذي انتقيناه كمؤرخين وعلماء اجتماع- أن نرى اتجاهات وميولاً اجتماعية ونفترض أنها تملك القدرة المطلقة وغير المشكوك بها على النمو والتأثير في التاريخ بشكل محدد… ولكن العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل هي علاقة زمنية وليست سببية.»

كم مرة بدت الاتجاهات الاجتماعية أمراً حتمياً ولا مفر منها! معظم الأشخاص في بدايات القرن العشرين كانوا واثقين أن جميع الإنجازات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للنظام الليبرالي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر ستؤدي بكل تأكيد إلى مزيد من الحريات الشخصية والرفاه المادي، ومن المرجح أن ذلك سيجلب السلام للإنسانية، ولم يتوقع الكثيرون ذلك الدمار والهلاك البشري والمادي الذي ستجلبه تلك “الحرب العظيمة” بين عامي (1914 – 1918) إلى الإنسانية.

الكثير من مناصري الليبرالية الذين عاشوا في ثلاثينات القرن الماضي كانوا قلقين بشكل كبير، خائفين أو حتى مؤمنين أن عهد الحرية كان قريباً من النهاية بسبب صعود التيارات الجماعية المعاصرة بمختلف أشكالها مثل الثورة الشيوعية في روسيا، الحركة الفاشية في إيطاليا، وصعود هتلر والنازيين إلى رأس السلطة في ألمانيا، وتوقيع فرانكلين دي روزفلت على ’الاتفاقية الجديدة’ في الولايات المتحدة.

ولذلك فقد كان الكثيرون خائفين من حلول حرب عالمية ثانية تنهي الحضارة البشرية بالشكل الذي نعرفه بانتصار الأنظمة الجماعية الشمولية في كل مكان، ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن على هذا الشكل كما نعلم جميعاً.

خلال معظم الفترة الزمنية التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، أيقن الكثيرون في الغرب أن الماركسية التي دعمها وقادها الاتحاد السوفييتي ومن ثم الصين الشيوعية كانت تمثل نهاية الديمقراطية الليبرالية وجميع أشكال اقتصاد السوق.

الكثير من “اليساريين” في الغرب لم يطيقوا الانتظار توقاً إلى اليوم الذي قد تنتصر فيه أنظمة التخطيط المركزي الاشتراكي في مكان ما من العالم، أما أولئك الذين يميلون إلى اليمين كانوا قلقين لأنهم ظنوا بأن “الغرب” لم يعد محافظاً على الشخصية الفكرية والقناعات لمعاداة الشيوعية والانتصار عليها كقوة أيديولوجية وعسكرية في الصراع العالمي الذي رسم الحرب الباردة، وهذا التوقع أيضاً لم يكن صحيحاً بالطبع.

لا يوجد شيء اسمه “الجانب الصحيح من التاريخ” بالمعنى الذي افترضه ماركس

في تسعينات القرن الماضي، وبعد هدم جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، بدأت الاتجاهات التاريخية الحديثة في تأمين مستقبل للبشرية على شكل أنظمة من “الديمقراطية الرأسمالية”، حتى أن البعض زاد على ذلك وافترض أن الإنسانية قد وصلت إلى “نهاية التاريخ” بسبب قطع أشواط كبيرة في مجال التطور السياسي والاقتصادي.

الآن وفي القرن الحادي والعشرين، الكثير من قارئي الحركات التاريخية يخافون من سقوط أجزاء واسعة من أوروبا في يد التيارات الإسلامية الأصولية، أو صعود الصين كقوة عالمية كبرى تملك صيغة ناجحة من الإدارة الديكتاتورية الميالة للرأسمالية، أو تراجع قوة الولايات المتحدة تحت ضغط قوى الاشتراكية الشعبية، الإفلاس المادي، أو الحركات “التقدمية” التي تجتمع تحت مسمى (political correctness) وتقمع حرية التعبير باسم احترام حقوق الأقليات والمساواة ومسميات أخرى عديدة، وليس من الضروري أن تنتهي هذه المعركة بخسارة.

لا يوجد شيء اسمه “الجانب الصحيح من التاريخ” بالمعنى الذي افترضه ماركس، إذ يستمر الكثير من اليساريين إلى اليوم في استخدام هذا التعبير بوصف أطراف تاريخية محقة ومخطئة، ولكن هذا الأمر لا يتعدى كونه مجموعة من العبارات الرنانة عديمة المعنى تعطيهم شعوراً مرضياً بكونهم أصحاب الحق، ومن الممكن بكل بساطة أن يؤدي ذلك إلى إسكات من يشكك بكون “السياسات التقدمية” -وهي عبارة منمقة ولطيفة تعني في الحقيقة الاشتراكية أو الشمولية أو حتى الديكتاتورية- تمثل التقدم الحقيقي.

يصبح هذا الأمر أسهل عندما يفشل الكثيرون من المحافظين أو حتى بعض الليبراليين الكلاسيكيين بصياغة فلسفة التفردية السياسية والاقتصادية، رأسمالية السوق الحر، وسلطة الحكومة المحدودة دستورياً بشكل مستمر أو يفشلون في الدفاع عن هذه الأفكار.

كان السلام والرخاء والازدهار الإنساني في أفضل حالاتهم عندما كانت الأفكار الليبرالية هي المنتشرة والمسيطرة.

بالرغم مما ذكرناه سابقاً، فإننا لا نقول أن عبارة “الجانب المحق في التاريخ” هي عبارة خالية من المعنى تماماً، فالتاريخ هو ليس محصلة مجموعة غامضة من القوى الخفية التي لا نستطيع فهمها وملاحظتها والسيطرة عليها، على العكس من ذلك، فالتاريخ هو محصلة الأفكار البشرية، والمفاهيم التي تتحدث عن الطبيعة البشرية، وكيف يمكن للبشر أن يعيشوا معاً، والنظام السياسي والاقتصادي الأفضل بالنسبة إلى الإنسانية بشكل عام، وإلى مجموع الأفراد المشكلين للمجتمع.

أظهر التاريخ إلى وجود حرية بشرية، ازدهار حضاري بشري، وسلام وطمأنينة أكبر خلال تلك الفترات التي سادت فيها الأفكار المنادية بالحرية الشخصية، الأسواق الحرة، والسيطرة الحكومية المحدودة، وكلما ازدادت درجة السيطرة الحكومية وقيادتها لمختلف جوانب الحياة، كلما قل ازدهار وتطور المجالات السابقة.

ليست المهمة أن تكون على “الجانب التاريخي الصحيح” المزعوم، إنما جعل التاريخ بنفسه يعكس انتصار ونجاح أفكار وقيم الحرية البشرية، ولكن هذا الأمر لا يتحقق بهذه البساطة، إنما يحتاج إلى أن يفهم كل منا معنى وقيمة وأهمية الحرية بالمفهوم الليبرالي الكلاسيكي، إضافة إلى الاستعداد للدفاع عن هذه الأفكار ونشرها في محيطنا البشري.

وهذا ما قد يغير مسرى التاريخ.

مؤلف المقال: ريتشارد إبيلينغ

وندرلاست، مقال من ترجمة: داليا المتني –  تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة داليا المتني

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

مسجد دجيني الكبير: أكبر مبنى من الطوب الطيني في العالم

ماهي العلمانية؟