شغف المعرفة

لا تهدر مواهبك مع الحكومة

إذا كان عليك الاختيار بين العمل لصالح غوغل أو الحكومة، ماذا سيكون خيارك؟

لنفترض أنك موهوبٌ من الناحية التكنولوجية. ومُنحت الفرصة لتطوير تلك المواهب في غوغل أو في الحكومة. أيهما تختار؟ الجواب واضحٌ جدًّا لأن السؤال هو تقريبًا بلاغيٌّ.
العمل في غوغليبلكس – Googleplex في ماونتن فيو، كاليفورنيا، يسمح للموهوبين بتطوير الأفكار مع بعض أعظم العقول في العالم بالتنسيق مع بعضٍ من أفضل الامتيازات التي قد تقدمها الشركات على الإطلاق. الكفاح من أجل الموهبة في وادي السليكون كبيرٌ جدًّا، حتى أن الطهاة في المنطقة يقومون بحروب مزايدة من أجل تقديم خدماتهم.

ستكون غوغل مكانًا رائعًا جدًّا للعمل، حتى مع تجاهل الأجر الرائع، وهو الأجر المُنصف والعادل في واحدةٍ من أكبر قصص النمو في القرن الحادي والعشرين. هناك أيضًا التفكير في العمل التالي: حيث أن العمل في غوغل يكسبك مؤهلاتٍ رهيبة للحياة.

سببٌ للحزن؟

منطقيًا، يريد الموهوبون التعبير عن مواهبهم في السوق. والخبر السار هو أنهم يحصلون على تلك الفرصة. وبفضل الارتفاع الكبير في اهتمام المستثمرين بوادي السيليكون، فإن شركاتٍ مثل غوغل، وفقًا لفرهاد مانجو Farhad Manjoo من صحيفة نيويورك تايمز:

“تمول أكبر وأهم المتغيرات العالمية، وهي تنفق على أفكارٍ قد نراها، بعد سنواتٍ من اليوم، تغيّر حياة الكثيرين على كوكب الأرض”.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التطور السعيد، فإن مانجو محبط. إن قلقه، إذا كان القراء يمكن أن يصدقوا، هو أن:

“شهية الحكومة الأمريكية لتمويل أشياءٍ كبيرةٍ (البحث العلمي، وتكنولوجيا out-of-this-world، وبرامج البنية التحتية) مستمرةٌ في الانخفاض”.

ويؤكد مانجو أن هذا الأخير:

“يخلق تعقيدًا ظاهرًا: عمالقة التكنولوجيا، وليس الحكومة، يبنون مستقبل الذكاء المصطنع”.

دعونا نرى تعليقات مانجو.

أولًا، ليس للأفراد الذين يعملون في الحكومة ستة أصابع في كلّ كفٍّ، ولا توجد لديهم زمر دم مختلفةٌ عن المواطنين الأمريكيين، ولا يؤدي توظيف حكومة الفيدرالية لهم إلى دخول صفاتٍ ملائكيةً أجسادهم بشكلٍ سحريٍّ. ولتكرار المعنى، كان الأفراد الذين يعملون في الحكومة لا يعملون في الحكومة من قبل. إنهم مثلنا تمامًا، على الرغم من أن البعض قد يشير بإنصاف إلى أنهم أقل طموحًا وأقل توجهًا نحو المخاطر.

ربما ترغب في الاعتراف أكثر من مانجو، إن العمل الحكومي إلى حدًّ ما تعبيرٌ عن مادة تجميلية لشخصية الفرد، بما في ذلك الرغبة في تجنب خطر فقدان الوظائف التي غالبًا ما تحدد العمل في العالم الحقيقي. وباختصار، فالمفكرون والمبتكرون والمجازفون الكبار لا يهاجرون عمومًا إلى البيروقراطية ودفع الأجور. فلماذا إذن، يريد أولئك الذين يستلمون أموال الآخرين متابعة “الأمور المتغيرة عالميا”؟

 

حسنًا، ولكن الرد المتكرر من أولئك الميّالون للدفاع عن دور الحكومة في تشكيل مستقبلنا التكنولوجي هو أنه لو لم

إن العمل الحكومي إلى حدًّ ما تعبيرٌ عن مادة تجميلية لشخصية الفرد، بما في ذلك الرغبة في تجنب خطر فقدان الوظائف التي غالبًا ما تحدد العمل في العالم الحقيقي. وباختصار، فالمفكرون والمبتكرون والمجازفون الكبار لا يهاجرون عمومًا إلى البيروقراطية ودفع الأجور. فلماذا إذن، يريد أولئك الذين يستلمون أموال الآخرين متابعة الأمور المتغيرة عالميا؟

يتواجد الاستثمار الحكومي الماضي في البحوث فلن تكون هناك إنترنت، ولن توجد تكنولوجيا نظام تحديد المواقع GPS التي تقود وتشكل “سوق العمل المستقل gig economy” بشكلٍ متزايدٍ. بالعودة لعام 2013، دعا ألان سلون Allan Sloan بشكلٍ مضحكٍ أنه إذا لم توجد البحوث الاتحادية فـ “لا يوجد أربانيت، والذي يعني لا يوجد إنترنت. وبغياب الإنترنت، لن يوجد موقع أمازون، ولا ثروة شخصية قيمتها 25 مليار دولار لجيف بيزوس Jeff Bezos”. لا شك أن بعض الذين يجب أن يعرفوا أكثر يعتقدون أنه إذا لم تكن للقوات الجوية، لن تكون هناك تكنولوجيا نظام تحديد المواقع GPS.

 

القيام بالأمور البدائية

 

في الواقع، أنشأت الحكومة الفيدرالية إصداراتٍ بدائيةً وغير قابلةٍ للتسويق من الإنترنت ونظام تحديد المواقع. ولم تنشئ الحكومة الإنترنت أو نظام تحديد المواقع العالمي بقدر ما استخرجت موارد من القطاع الخاص وأدت إلى خطواتٍ لم يكن لها أيّ تطبيقاتٍ في السوق.
وفيما يتعلق بنظام تحديد المواقع العالمي GPS وحده، استغرق الأمر سنواتٍ من الاستثمار الخاص للتقدم الملاحي للوصول إلى المستهلك بطريقةٍ سهلة المنال تقريبًا. ثم كانت الشركات الريادية مثل أبل Apple وسامسونج Samsung هي من رأت قيمةً لإدراج GPS في الهواتف الذكية، فقط للعقول النيرة الأخرى مثل ترافيس كالانيك Travis Kalanick لرؤية الاحتمالات التجارية لتكنولوجيا GPS على الطريق إلى أوبر Uber.

ولذلك، بالنسبة لسلون  Sloan وآخرين فإن فكرة أنه لن يكون نظام تحديد المواقع أو شبكة الإنترنت بدون التجارب الحكومية بلا شكّ سخيفةً مثل اقتراح أنه من دون الإنفاق الحكومي على البنية التحتية، فإننا سنكون حتى اليوم نسافر بالخيول من لوس أنجلوس إلى سان فرانسيسكو.
عذرًا، ولكن القطاع الخاص الذي زوّدنا بالسيارات والطائرات من المؤكد سيكون له الطريق السريع الخالي من حركة المرور بغياب توفير الحكومة لوسائل المواصلات الحالية التي تتوقف بانتظام.

بإعادة صياغة قول سلون، دون بناء ثروة القطاع الخاص لن توجد طرق، لا تكنولوجيا مثيرةً للتحدث عنها، وبالتأكيد لا الاستثمار الفيدرالي بحدّ ذاته. فقط في غرفة الأخبار في نيويورك تايمز توجد وظائف الحكومة ببساطةٍ، جنبًا إلى جنبٍ مع قدرة الموظفين الفيدراليين لإنفاق الكثير من المال زاعمين تشكيلهم للمستقبل. تجاهل مانجو أن دافعي الضرائب قد قدموا أموالهم تاريخيًا بدرجاتٍ متفاوتةٍ بحيث يمكن للعمال الفيدراليين “العبث”.

الأمر الذي يقودنا إلى جانبٍ حاسمٍ من التقدم التكنولوجي الذي يفسر لماذا تكون محاولات الحكومة الفيدرالية لتشكيل المستقبل بنتائج عكسيةٍ تمامًا.

في العالم الحقيقي، الفشل، والكثير منه، هو ما يجعل النجاح في نهاية المطاف ممكنًا. كما أشار مؤسس شركة بيكسار Pixar إد كاتمول Ed Catmul في كتابه الأساسي 2014 الإبداع Creativity, Inc.، جميع الأفلام المنتجة داخل أستوديو كاليفورنيا الشمالية “تمتص” في البداية.

ما هو مهم هو أن موظفي بيكسار Pixar يتسابقون لإدراك أخطائهم، إذ ليس لديهم خيارٌ سوى القيام بذلك أمام المساهمين الواجب إرضائهم.  بالطبع هذه الرغبة في إثراء أصحابها تفرض تحسنًا شديدًا الذي هو في البداية أقلّ بكثيرٍ من عظيم.

 

لا شيءٌ ممتازًا تلقائيًّا

 

وقد حدد الفشل المعترف به دائمًا التطور التكنولوجي في العالم الحقيقي. شعر توماس إديسون أنه كان يومًا جيدًا إذا كان قد جرب فيه كثيرًا، فقط ليخطئ في كلّ مرةٍ. وقدم الفشل معلوماتٍ حاسمةً لتحقيق النجاح في نهاية المطاف.

مؤخرًا، يتطلع جيف بيزوس  Jeff Bezos للمنتجات الرائجة مثل إيكو Echo، منذ جمع المنتجات الفائزة الكثيرَ من التجارب التي من شأنها أن تؤدي بالتأكيد إلى الكثير من الخاسرين في إنتاج المعلومات. ولا يمكن للتكنولوجيين الحكوميين العمل بهذه الطريقة نظرًا للحقيقة الأساسية التي تفيد بأن الفشل لا يعلم تجاربهم. وبغض النظر عن نقص المواهب داخل البيروقراطيات الحكومية، فإن المشكلة الأكبر هي أن التدفق غير المحدود لأموال الناس الآخرين يعني أن عمليات الترقيع الحكومية تحدث مسببةً الخسارة، والتي بدونها لن تكون هناك انتصاراتٌ.

بطريقةٍ أو بأخرى غاب كلّ هذا عن مانجو، استنتاجه هو أنه:

“سيكون من الحكمة إعطاؤهم أو السماح لهم تولي المستقبل لأنفسهم”.

يقترح مانجو استمرار العمل بواسطة الموظفين غير الحكوميين حتى أولئك الذين يوظفهم لوياثان Leviathan (التنين) يمكنهم تجربة أكثر من ذلك. ألا نحب جميعًا المال المجاني لنفعل ما نريد؟ (في الواقع، ليس تمامًا، ولكن هذا أمر آخر). لقد غاب عن مانجو – على ما يبدو- في عمودٍ مليءٍ بالأخطاء أن جميع خطوات تطوير الحياة قد صُنِعت منطقيًا في القطاع الخاص. ويسبق التقدم الرأسمالي الفشل الذي نادرًا ما يُبلَّغ بكلامٍ متناقضٍ بأنه “استثمارٌ حكوميٌّ“.

يندب مانجو بأن شركات التكنولوجيا الكبيرة هي التي ابتكرت “أكبر، وأكثر أمور العالم تغيرًا”. ما لا يراه في حيرته الدائمة هو أن هذا سيكون صحيحًا في حال استثمار الحكومة الفيدرالية مئات المليارات سنويًا في التكنولوجيا، أو، حتى أفضل، لا شيء على الإطلاق.

______

وندرلاست، ترجمة: رأفت فياض

كُتب المقال بواسطة جون تامني
جون تامني هو مساهمٌ في فوربس Forbes، و محررٌ في ريل كلير ماركتس RealClearMarkets، وهو زميلٌ بارزٌ في الاقتصاد في ريسون Reason، ومستشارٌ اقتصاديٌّ رفيعٌ في توريدور للبحوث والتجارة Toreador Research & Trading. ومؤلف كتاب “من يحتاج إلى بنك الاحتياطي الفدرالي؟”Who Needs the Fed?  (مقابلة، 2016)، بالإضافة لكتاب الاقتصاد الشعبيPopular Economics  (ريجنيري للنشر Regnery Publishing، 2015).

 

 

تعليقات
جاري التحميل...