شغف المعرفة

جوهر الرأسمالية: الإبداع والمنافسة

المنافسة في السوق هي في قلب النظام الرأسمالي. وهي بمثابة القوة الدافعة للابتكار الإبداعي، وهي الآلية التي يتم من خلالها تقديم العرض والطلب في توازنٍ منسّقٍ بين العديد من السلع، وبوصفها الإطار المؤسساتي الذي يجد الأفراد من خلاله مكانهم بحريةٍ لتحقيق الكسب الأفضل في المجتمع.

ومع ذلك، فالاستماع إلى منتقدي الرأسمالية، يُظهر المنافسة كعمليةٍ قاسيةٍ ولا إنسانيةً تغذّي رغباتٍ ومطالب لا لزوم لها، أو كعمليةٍ لديها ميلٌ لتتطور إلى احتكاراتٍ مناهضةٍ للمنافسة متعارضةٍ مع “المصلحة العامة”، تعزّز المنافسة التجاهل “الأناني” لـ “الصالح العام” وتسيء توجيه الموارد من أهم استخداماتها القيّمة اجتماعيًا.

المنافسة من خلال الوسائل السياسية

وبما أن الموارد شحيحةٌ والمواقف الاجتماعية محدودةٌ جدًّا لتلبية رغبات الجميع في المكانة، فإن المنافسة ستتواجد. وتُعنى الأسئلة المصيرية بـ: كيف سيتقرر ما الذي سيُنتج؟ ولِمَن؟ وكيف يمكن تحديد وملء الأوضاع الاجتماعية في المجتمع؟

بالنسبة لمجمل التاريخ البشري تقريبًا، حُدِّدت هذه الأسئلة من خلال الغصب والإكراه. استخدم أولئك الذين يملكون قوةً بدنيةً أكبر أو مكرًا وخديعةً قدراتَهم المتفوقة والمهارات اللازمة للحصول على السلع التي يريدونها والوضع الذي يرغبونه على حساب الآخرين.

في تنافسٍ بين “قويٍّ” جسديًا و”ضعيفٍ”، غالبًا ما كان الوضع هو الذي “صنع الحق”. مكّن النهب والسرقة البعض من الاستيلاء على السلع ومن ثم إخضاع واستعباد المهزومين ليعملوا لصالحهم وقبول الغزاة باعتبارهم سادتهم الشرعيين.
معظم أشكال المنافسة، إن لم تكن كلها، كانت معاركَ من أجل السلطة والموقع السياسي. منح القرب من العرش والحصول على تأييد الملك أو الأمير سيطرةً واحدةً على الأرض والناس، وبالتالي حيازة الثروة المادية بأشكالها التي وُجِدت بها في الأوقات السابقة. أكّدت أساطير طبقة النبلاء الأرستقراطية، أسياد المزرعة، على أنها كانت مستودع النعمة، والسحر، والثقافة، وحاملة الأخلاق المدنيّة، وواهبة الحضارة. وقد أخفى ذلك الحقيقة بأن وقت فراغهم واهتمامهم في “الأشياء العليا” للحياة لم يكن ممكنًا إلّا –إلى حدّ كون أيًّا منهم مهتمًا فعلًا بشيءٍ آخر غير ملذاتهم وتساليهم الشخصية- بسبب نجاحهم في اكتساب سلطةٍ شرعيةٍ على إنتاج الآخرين.

 

التجارة والتبادل التجاري قديمان قدم التاريخ. أي شخص يتمعن بقراءة، على سبيل المثال، تقرير ماركو بولو (1254-1324) المشهور عن تجارب سفره إلى الصين من أوروبا والعودة في أواخر القرن الثالث عشر يجد وصفًا للتجار والمصنّعين والمُصدرين والمستوردين، في كلّ مكانٍ مرّ به في حوض البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وشرق وجنوب آسيا. ولكن كلّ هذه الأنشطة السوقية عملت في ظلّ أشكالٍ مختلفةٍ من القوانين، والقيود، والحظر الحكوميين، تبعًا لمدى وأساليب سيطرة الحكام السياسيين في ذلك الوقت في مختلف أرجاء العالم.

وقد تحكّمت النقابات التجارية في الدخول إلى المهن والحرف اليدوية في أوروبا في العصور الوسطى. وقد قلّصت النقابات الدخول التنافسيّ في مختلف خطوط العمل، وقيّدت أساليب الإنتاج التي يمكن للباعة استخدامها في تصنيع السلع بالأساليب التي توافق عليها جمعيات النقابات في المدن والبلدات المعنية، أما في الريف، ارتبط الفلاحون بالأرض التي امتلكها النبلاء وتقيّدوا بالتقنيات التقليدية للزراعة والمهن لتلبية احتياجات من يعيشون على الممتلكات.

 

المنافسة في السوق تحرر الشعب وتتيح الفرص

أدى التحرر البطيء للإنسان والإنتاج من هذه القيود، وانفتاح كلٍّ من اليد العاملة والمصنّعة إلى منافسةٍ قائمةٍ على السوق إلى تحرير عددٍ متزايدٍ من الناس من حياة القمع والفقر البائس. المنافسة تعني أنه بإمكان الإنسان ترك القيود القانونية التي ربطته بالأرض والعمل الإلزامي للأرستقراطية. الآن، يمكن للفرد إيجاد أكثر الأعمال التي تعجبه بحريةٍ أكبر في بلداتٍ بعيدةٍ عن مكان ولادته، وكسب دخلٍ أكبر بكثيرٍ مما كان يكسبه في أيّ وقتٍ مضى في المناطق الريفية، مهما اعتُبر ذلك الدخل متواضعًا بحسب معايير اليوم.
فالمنافسة تعني أنه بإمكان الفرد الحكيم الذي يملك الرغبة في تحمّل المخاطر إيجاد أعماله الخاصة وتصنيع منتجاتٍ من اختياره وتسويقها لمن يستطيع التفاوض والتقاعد معه بحريةٍ متزايدةٍ. وبإمكانه أيضًا تجربة طرق وتقنيات التصنيع الجديدة، كما بإمكانه التوظيف على أساس شروط العمل والأجور المتفق عليها، ويمكنه الاحتفاظ بالأرباح التي اكستبها ليس للعيش على نحوٍ أفضل فقط، إنما لاستثمار جزءٍ جيّدٍ من تلك الأرباح في عمله لتوسيع الإنتاج بطرقٍ جديدةٍ وأفضل.

 

لم يعد الإنتاج مركزًا على تلبية رغبات النخبة القليلة المحيطة بالملك والطبقة الأرستقراطية. وتهدف المنافسة القائمة على السوق الآن إلى تلبية الرغبات المتزايدة لشريحةٍ أوسع من السكان الذين يشاركون بشكلٍ متزايدٍ في عمليات تصنيع الثورة الصناعية الناشئة والمكثفة. يرجع الطابع “الثوري” للحقبة الصناعية الجديدة في أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر إلى حقيقة كون الإنسان أكثر حريةُ في الفكر والجسم للتجربة ولإقامة علاقاتٍ طوعيةٍ مع الآخرين بطرقٍ مختلفةٍ جذريًا عما كان عليه في العصور السابقة.

كانت لـ “الرأسمالية“، كما يُسمّى هذا الترتيب الاقتصادي الجديد للمجتمع، سمتها المميزة لفلسفة الحرية الإنسانية الجديدة، اعتمادًا على الفكرة الثورية بأن للأفراد حقوقًا فطريةً لا تُنتهك. إنهم يمتلكون أنفسهم، فهم ليسوا ولا يجوز أن يكونوا ملكًا لأيّ شخصٍ آخر. ولهم الحرية في العيش لأجل أنفسهم، موّجهين بمفهومهم الخاصّ للخير، ولا يجوز إجبارهم على لعب دور الخادم المضّحي لتنفيذ احتياجات الآخرين ورغباتهم.

 

المبدأ الأخلاقي وراء المنافسة الرأسمالية هو حظرٌ أخلاقيٌّ وقانونيٌّ على الإكراه في جميع العلاقات الإنسانية. إذا كنت تريد ما لدى الآخرين، إذا كنت ترغب في الحصول على الوسائل المادية لتحقيق الأهداف التي ستمنحك السعادة (كما تحددها أنت)، إذا كنت ترغب في جمعيةٍ واتحادٍ مع الآخرين لتحقيق الأهداف التي تعتبرها جديرةً بالاهتمام، فوسائلك الوحيدة لذلك هي القبول الطوعي والتوافق المتبادل مع زملائك البشر.

 

الرأسمالية كنظامٍ للمنافسة التعاونية

يشرح لودفيغ فون ميسس (1881-1973) في مقالته الشهيرة في الاقتصاد “العمل الإنساني” (1966):

“للتنافس في التعاون، والتعاون في منافسة كلّ الناس دورٌ فعالٌ في تحقيق النتيجة، أي إنّ هيكلية الأسعار في السوق (للسلع الاستهلاكية وعوامل الإنتاج)، وتوزيع عوامل الإنتاج في مختلف خطوط الرغبة-الاستياء (طلب المستهلكين)، وتحديد حصة كلّ فردٍ (الدخل النسبي المُكتسب في السوق)”.

إذا عدنا للوراء ونظرنا إلى المنافسة باعتبارها عمليةٍ اجتماعيةٍ أكثر شموليةً في العمل، فإن كلمات ميسس تساعد على تفسير منطق وإنسانية الاقتصاد الرأسمالي. التعاون السلمي والطوعي هو السمة المميزة لاقتصاد السوق، حيث يتنافس البائعون في تقديم بضائعهم إلى الجمهور المحتَمل للشراء، كما تجذب مطالب المُشترين الباعة لإنتاجها. ويتعاون الجميع في هذه العملية التنافسية باتباع “قواعد” لعبة السوق التي تستبعد العنف والاحتيال. يتوجب على الجميع محاولة الحصول على ما يريدونه من خلال تركيز جهودهم العقلية والجسدية على استنتاج طرقٍ ليقدموا للآخرين ما يريدون ويرغبون في تجارةٍ تبادليةٍ متفق عليها.

يتوجب على كلٍّ منهم تطبيق قدراته، ومواهبه، ومهاراته لتقديم منتجاتٍ أفضل ومنتجاتٍ جديدةٍ ومنتجاتٍ أقلّ تكلفةً لشركائه التجاريين المحتملين لأنّ كلًّا منهم يعلم أنه بإمكان كلّ واحدٍ من هؤلاء الشركاء المحتملين قبول عرض بعض منافسيه الحريصين على الحصول على أعمالهم. ويؤدي التفاعل بين المشترين والبائعين المتنافسين إلى هيكلية الأسعار الناجمة عن جميع السلع والخدمات المقدمة في السوق، وتحديد ما يشتريه ويبيعه كلّ شخص بطريقة تميل إلى تحقيق توازنٍ منسّقٍ بين ما يُطلب وما يُوفّر.

 

في الوقت نفسه، يجب إنتاج كلّ ما يُشترى ويُباع أولًا تقريبًا. وهذا يعني أنه يجب توجيه الموارد الموجودة في المجتمع وتطبيقها لإنتاج تلك السلع التي نحن جميعًا نرغب بها ونحتاجها. ويجب على العاملين في النظام الاجتماعي لتقسيم العمل الذين يقومون بدور ومهمة منظم الأعمال (المصمم والمنسق ومدير أنشطة مؤسسة خاصة) جمع وتنظيم الأرض والعمل ورأس المال لتكون أكثر فعاليةً زكفاءةً اقتصاديًا وتقديم سلعةٍ مكتملةٍ نهائيّةٍ إلى السوق.
ويجب على أصحاب المشاريع المغامرين التنافس فيما بينهم على توظيف العمال والمواد الخام والسلع الأساسية (الآلات، والأدوات، والمعدات)، وتنظيم استخدامها من أجل تقديم السلع الاستهلاكية إلى الأسواق. وتقدّر المنافسة ما يستحقه كلّ عاملٍ من عوامل الإنتاج المختلفة.

 

بدورهم، يقدّم أصحاب عوامل الإنتاج هذه (العمال الباحثون عن عمل، وأصحاب الأراضي والموارد، والمقرضين من المدخرات الذين يبحثون عن المقترضين المهتمين) خدماتهم أو منتجاتهم إلى أصحاب المشاريع المتنافسين. ومرةً أخرى، فإن النتيجة التعاونية لهذه المنافسة من جانبين تحدّد تخصيص موارد الإنتاج النادرة هذه بحسب تقدير استخداماتها الأكثر قيمةً في إنتاج السلع والخدمات البديلة، كما يحدّد هذا أيضًا تكلفة كلّ عاملٍ من عوامل الإنتاج هذه، بما في ذلك الأجور المتعلقة بأنواع العمل المختلفة، حيث يمكن لكلّ عاملٍ (حِرَفيّ) عندها أن يعيد دخول السوق كمستهلكٍ لطلب المنتجات التي ساعدت أنشطته في تقديمها إلى الأسواق.

روّاد الأعمال “القوة الدافعة” للسوق

كما يلخص لودفيغ فون ميسس طبيعة العملية التنافسية:

“اقتصاد السوق هو النظام الاجتماعي لتقسيم العمل في ظلّ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. يعمل الجميع باسمه. ولكن تهدف أعمال كلّ فردٍ إلى تلبية احتياجات الآخرين إضافةً لحاجاته الخاصة، حيث تخدم أعمال كلّ شخصٍ زملاءه. يوجه السوق هذا النظام، كما يوجه السوق أيضًا أنشطة الفرد إلى المجالات التي تخدم رغبات زملائه بشكلٍ أفضل. لا يوجد في تشغيل السوق أيّ إكراهٍ أو إجبارٍ. حيث تقوم الدولة بحماية حياة الفرد وصحته وممتلكاته من العدوان العنيف أو الاحتياليّ من جانب العصابات المحلية والأعداء الخارجيين.

كلّ إنسانٍ حرٌّ، لا أحد يخضع للاستبداد. الفرد يدمج نفسه بنفسه في النظام التعاوني. حيث يوجهه السوق ويكشف له الطريقة التي من خلالها يعزز مصالحه الخاصة بالإضافة لمصالح الآخرين. السوق أمرٌ مهمٌّ جدًا، حيث ينظّم السوق وحده النظام الاجتماعي بأكمله ويمنحه معنىً وإدراكًا.

السوق ليس مكانًا، أو شيئًا، أو كيانًا جماعيًا، فالسوق عمليةٌ يحركها التفاعل بين أعمال مختلف الأفراد المشتركين في إطار تقسيم العمل”.

إن رواد الأعمال الذين يتخيلون وينظمون ويوجهون الأنشطة الإنتاجية عبر الزمن، هم ما أشار إليه لودفيغ فون ميسيس بأنه “القوة الدافعة” لعملية السوق بأكملها. في حين أن الطلب على السلع الاستهلاكية هو ما يوجه جميع أنشط السوق، فإن رجال الأعمال هم من يقرر ما يجب إنتاجه، وكيف يُنتج وأين ومَن سينتجه. تستغرق عمليات الإنتاج وقتًا طويلًا، سواءً كان هذا الوقت يومًا، أو أسبوعًا، أو شهرًا، أو حتى عدة سنوات. وبالتالي، يجب اتخاذ القرارات “اليوم” لضبط حركة عمليات الإنتاج حتى يمكن تقديم المنتج النهائي في السوق في المستقبل البعيد.

وهكذا، في نظام تقسيم العمل، يهتم رواد الأعمال بالطلبات المستقبلية المترقبة، واستنتاج الأسعار التي يمكن بيع المنتجات المرغوبة بها في المستقبل، وطرق إنتاجها التي تقلل تكاليف الإنتاج إلى الحدّ الأدنى من أجل تحقيق الربح، أي كسب إيرادات أكبر من النفقات المتكبدة. في حين أن جميع المساهمين الآخرين في عملية الإنتاج يقومون بذلك عادةً مقابل الأجور أو أسعار المواد الأولية أو الفوائد المتفق عليها تعاقديًا، يتحمل رواد الأعمال (أصحاب المشاريع) عدم اليقين في حصوله، في الواقع، على ربحٍ من المشروع الذي يديره. وهذا يعني أنه يتحمل أيضًا إمكانية المعاناة من الخسائر بدلًا من كسب الأرباح، وهو وحده من يتحمل عبء عدم اليقين هذا.

 

الربح والخسارة وروح ريادة الأعمال

المنافسة في الأعمال الحرة هي في الحقيقة منافسةٌ على الرؤى البديلة لشكل أمور السوق، مع الحصيلة النهائية التي يحددها المستهلكون الذين قد يشترون أو لا يشترون المنتج، والذين قد يكونون مستعدين أو غير مستعدين لدفع سعرٍ معيّنٍ، بحيث تكون الإيرادات تغطي أو تتجاوز النفقات التي يتكبدها رواد الأعمال.

إن رواد الأعمال غير الناجحين الذين يعانون من خسائر والذين لا يستطيعون إصلاح توقعاتهم الخاطئة يخرجون في النهاية من الأعمال التجارية، مع وصول أصولهم إلى أيدي روّاد الأعمال المغامرين الآخرين الواثقين من إمكانية إدارة استخدامها على نحوٍ أكثر فعاليةً في خدمة المجتمع المستهلك. رواد الأعمال الناجحون قادرون على استخدام كلّ الأرباح أو جزءٍ منها الأرباح لتوسيع أعمالهم لتلبية مطالب المستهلكين بشكلٍ أفضل.
وهكذا، فإن آلية الربح والخسارة التنافسية تميل دائمًا إلى وضع اتخاذ القرارات التجارية وحرية التصرف في الموارد النادرة في أيدي أولئك الذين يثبتون بنجاحٍ كفاءتهم في الاقتصاد الرأسمالي. ولكن كما أكد ميسيس أيضًا في مقالته عن “الربح والخسارة” (1952)، يستند نجاح المشاريع في النهاية على الخيال الإبداعي للفكر البشري، والقدرة على رؤية إمكانيات المستقبل بشكلٍ أفضل من الآخرين، وجعل الإنتاج مثمرًا، والتي تختبرها خيارات المستهلكين في السوق:

“في النظام الرأسمالي للتنظيم الاقتصادي للمجتمع يحدد رواد الأعمال مسار الإنتاج. ويخضعون في أداء هذه المهمة بشكلٍ تامٍ وغير مشروطٍ لسيادة المشترين والمجتمع الاستهلاكي.

“إذا فشلوا في إنتاج السلع التي يطلبها المستهلكون بسرعةٍ بطريقةٍ أفضل وأقل كلفةً، فإنه ستكبدون الخسائر ويتنحون في النهاية المطاف عن موقعم الرياديّ. ويحلّ محلهم الأشخاص الآخرون الذين يعرفون كيفية خدمة المستهلكين بشكلٍ أفضل.

“القرار الريادي هو ما يخلق الربح أو الخسارة. إنها الأعمال الفكرية، فكر رائد الأعمال، التي تُنشئ الأرباح في النهاية. الربح هو نتاج الفكر، والنجاح في توقع حالة السوق المستقبلية. إنه ظاهرةٌ روحيةٌ وفكريةٌ”.

المنافسة كعملية اكتشاف

ويمكن إضافة تركيز فريدريش أ. هايك (1899-1992( على “المنافسة كعملية اكتشاف” (1969). إن المنافسة مفيدةٌ، بل هي أساسيةٌ في عمليات السوق الإبداعية. وكما أشار هايك، إذا كنا نعلم مسبقًا من سيصل أولًا في سباق للجري ومن سيحل في المركز الثاني والثالث، وما إلى ذلك، بالإضافة للأوقات النسبيّة لكلّ متسابقٍ، فما هي الفائدة من انطلاق السباق؟
فمن خلال المنافسة فقط يمكننا معرفة كيف ينتهي السباق. فقط من خلال عمليةٍ تنافسيةٍ يمكننا اكتشاف قدرات كلّ فردٍ مقارنةً بالآخرين. وفي الواقع أيضًا، لا يستطيع كلّ الأفراد معرفة ما هي مقدرتهم بشكلٍ مؤكدٍ في ظروفٍ معينةٍ إلا إذا حاولوا معرفة ما يمكنه تحقيقه من خلال تحديّ ذاتهم.
ما هي السلع والخدمات الحالية أو الجديدة التي يريدها المستهلكون في المستقبل؟ من يستطيع استنتاج الطريقة الأكثر كفاءةً لتقديم سلعة أو خدمة إلى السوق؟ أيّ المنافسين يمكنه القيام بذلك بشكلٍ أفضل من خصومه؟ ما هي تطبيقات الموارد التي سيكون استخدامها الأكثر قيمةً بين البدائل؟ لا توجد طريقةٌ لمعرفة أجوبة أيّ أسئلةٍ من هذا القبيل مستقلةٍ في سوقٍ تنافسيةٍ مفتوحةٍ حيث توجد فرصٌ لكسب الأرباح ودوافعُ لدى جميع الأفراد للتجربة.

 

كلّ خصائص اقتصاد السوق التنافسيّ هذه ممكنةٌ ومتاحةٌ فقط بسبب المتطلبات المؤسساتية للنظام الرأسمالي. إن تخلّص الأفراد من القيود السياسية، وتحرير التفاعلات السوقية من القوانين الحكومية، والاعتراف بأنه لكلّ مشاركٍ في السوق حقوقًا في حياته وحريته وممتلكاته المكتسبة بأمانة، تمكّن المنافسة من الدخول الكامل إلى اللعبة. والتي من خلالها تصبح الحرية والرخاء ممكنَين للبشرية.

ولكن ماذا عن انتقادات النقاد التي تُركت لنفسها، قد تتحول المنافسة إلى احتكارٍ مؤذٍ وضارٍ اجتماعيًا، أو قد تخدم المنافسة طلبات المستهلكين بشكلٍ خاطئٍ ومسرفٍ؟ وسننتقل إلى هذه القضايا في الجزء التالي من هذه السلسلة.

 وندرلاست، ترجمة: رأفت فياض.

مقال من تأليف ريتشارد م. إبيلينغ: أستاذ الأخلاقيات وإدارة المشاريع الحرة المتميزة في الكلية في تشارلستون، ساوث كارولينا. وكان رئيس مؤسسة التربية الاقتصادية (fee) من 2003 حتى 2008.

 

تعليقات
جاري التحميل...