in ,

أربعة دروس مستخلصة من إمبراطور أفريقيا الوسطى

فقط و بعد أربع سنوات من استقلال جمهورية أفريقيا الوسطى عن فرنسا في سنة 1960 بدأت البلاد بخوض غمار أزمة عميقة. فالإقتصاد كان يتهاوى و معدلات الفقر تزداد اضطراداً. و في محاولة البلاد للخروج من أزمتها استعان الرئيس ديفيد داكو بالصين -التي كانت بقيادة ماوتسي تونغ- بدلاً من فرنسا لتقديم يد العون لها.

قام ماوتسي تونغ بتقديم المعونة مقابل تطبيق الإصلاحات الشيوعية و لكن خلال سنتين من التجربة الجماعية تدهورت الأوضاع من سيء إلى أسوأ.

و في محاولةٍ لإنقاذ البلاد من الإنهيار الكامل قام جان بوكاسا قائد الجيش و ابن عم الرئيس بانقلاب عسكري و استولى على السلطة في عام 1966. تبع ذلك عقد كامل من الديكتاتورية المطلقة و الفقر و الإستغلال الوحشي للسلطة. و هنا نقوم بذكر أربعة جوانب تذكرنا بأن السلطة المطلقة لا يجب أن تملك من قبل إنسان.

بشائر الإستبداد

مثل العديد من المتطرفين وعد بوكاسا بإصلاحات للحد من الفقر المتفشي و العودة بالبلاد إلى الديمقراطية.

و في الوقت نفسه وبعد أن اختبر بوكاسا قوة السلطة أدرك أن الحد من هذه السلطات لن يسمح له بالسيطرة الكاملة لتحقيق إرادته.. فقام بزيادة سلطته في جميع أجهزة الدولة، و لتبرير هذا التغيير في نواياه أكد بوكاسا أن استحواذه على السلطة ضروري للتنمية ورفض جميع البدائل السياسية ملغياً السلطة التشريعية و الدستور ليشكل بدلاً منها مجلسه الثوري.

في ظل غياب النقد المؤسساتي قام بوكاسا بتعديل الحكومة وفقاً لرغبته. و خلال حكمه الذي استمر 13 عاماً أعلن نفسه رئيساً للبلاد و قائداً للجيش و رئيساً لمجلس الوزراء و قائداً للجيش و إمبراطوراً .

و لن يجرؤ أحد خلال فترة حكمه على التشكيك في صوابية قراراته و إلا فسيتعرض للموت على يد فرق الإعدام أو يغدو طعاماً للتماسيح .

عشوائية الوحشية

سيطرت سطوة السلطة على بوكاسا بشدة، بحيث أنه قضى جل فترة حكمه في القضاء على أعدائه و لم يتفرغ أبداً لبرنامجه التنموي الذي كان قد وعد به.

فقام بذبح الفلاحين الذين احتجوا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية. كان طاغية بكل ما للكلمة من معنى و لم ينج أحد من غضبه حتى أفراد حكومته.

إحدى هذه الحالات كان أحد حلفائه، وزير الدولة الكابتن ألكسندر بانزا و الذي أعدم بوحشية بسبب الخيانة لأنه حاول الإطاحة ببوكاسا في انقلاب فاشل مدفوعاً بسوء معاملة الأخير له بعد أن ساعده بانزا في الإستيلاء على السلطة سنة 1966 شوهه بوكاسا بشدة قبل أن يتم سحله في الشوارع ثم يعدمه رمياً بالرصاص.

لم يسلم حتى الأطفال الأبرياء من الإمبراطور المجنون، حيث قام بحقن ابن حارس قصره بالسم و قتله بعد تورط والده في محاولة فاشلة لاغتياله. و الأفظع كان مذبحة راح ضحيتها 100 طفل من أطفال المدرسة الإبتدائية في نيسان سنة 1979.

حيث كان بوكاسا قد فرض في وقت سابق زياً رسمياً لتلاميذ المدارس، هذا الزي المكلف الذي يصنعه معمل مملوك لزوجته. و خلال أحد الإحتجاجات قام الأطفال برمي سيارته الرولز رويس بالحجارة مما أثار غضبه  فأمر حراسه بإطلاق النار على الأطفال ليلقى الكثير من الأطفال مصرعهم جراء الهجوم بينما قُتل باقي الأطفال على يد بوكاسا و حراسه ضرباً في السجون .

الركود الاقتصادي

بعد إعلان نفسه إمبراطوراً في ديسمبر عام 1976 أهدر بوكاسا ثلث ميزانية البلاد على تتويجه. و في تقليد لمثله الأعلى نابليون بونابرت أنفق ما يعدل 80 مليون دولار أميركي في هذا الحفل. تاجه المرصع بالألماس بلغت قيمته 20 مليون دولار. كما أمر بوكاسا بأن يطلى عرشه و التاج بالذهب الخالص و قُدم للمدعوين 60.000 زجاجة شمبانيا. و بالنسبة لبلد ضعيف من الناحية المالية أدت هذه التصرفات للإفلاس.

لم يعرب بوكاسا في أي وقت من الأوقات عن قلقه من الوضع المالي للبلاد بل كان يفضل قضاء الإجازات و الإنفاق على السيارات الفاخرة كما سمح لزوجاته البالغ عددهم 17 و أطفاله البالغ عددهم 50 بالوصول إلى خزائن الدولة بسهولة و إثراء أنفسهم.

كما أعطى غياب الشفافية الحرية لبوكاسا لنهب موارد البلاد المعدنية. فعلى سبيل المثال قام بتقديم اليورانيوم إلى فرنسا مقابل الدعم العسكري و اعترف فيما بعد بإرسال ماس بقيمة ملايين الدولارات إلى شركائه و حلفائه الأجانب.

إرث الفقر

قبل توليه السلطة كانت خطته بسيطة و تتلخص في القضاء على الشيوعية و القضاء على الفقر و مع ذلك فقد قام بتأميم جميع الكيانات العامة و جعلها كاحتكار شخصي له .

و مع انخفاض القطاع الخاص بشكل كبير لجأ الناس إما للعمل لدى الحكومة التي كانت تكافح لدفع الرواتب أو العودة للزراعة.

في المناجم كانت ظروف العمل سيئة للغاية و لم يكسب الناس سوى االقليل لقاء عملهم بينما نهب بوكاسا جزء كبير من العائدات .

في المزارع لم تكفي عائدات الإنتاج لتغطية الموارد التي اسثمرها المزارعون . و سرعان ما أصبحت جمهورية أفريقيا الوسطى تعاني من الفقر المدقع ، و حتى تاريخنا هذا لم تزل البلاد كأحد أفقر البلدان على وجه الأرض .و لم يتعافى الناتج المحلي الإجمالي إلا بعد تسع سنوات من إطاحة فرنسا ببوكاسا.

مضى 21 عاماً منذ أن توفي بوكاسا كرجل حر في منزله المريح في العاصمة بانغوي و لكن بالنسبة للملايين التي تضررت جراء جشعه و إرهابه لا يمكنهم نسيان شروره و كأنها لم تكن.

تراثه المروع دليل على أن السلطة المطلقة قد تكون مرضاً و كما لاحظ باري غولد ووتر:

“أولئك الذين يسعون للسلطة المطلقة ،على الرغم من أنهم يسعون لتحقيق ما يرونه جيداً بنظرهم، هم يسعون لتحقيق أفكارهم المثالية على الأرض … و يجب معارضتهم.”

ترجمة: محسن ديوب.

المقال الأصلي من تأليف ابراهيم أنوبا، كاتب نيجيري يكتب حول الاقتصاد الأفريقي والعلاقات الدولية.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة فريق وندرلاست

مشروع يعمل على الدفاع عن أفكار ومبادئ الحرية، ويشجع على العمل والإنتاج والتحصيل المعرفي البنّاء. نحنُ نُقدم مرجعا معرفيا ينمو باستمرار، يشمل مواد ومقالات عن الحرية الفردية والملكية الخاصة، السوق الحرة وأخلاقيات السلم وعدم الاعتداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعزائي المتخرجين الجدد، إنسوا أمر البحث عن شغفكم

الحرية: أعظم استراتيجية عسكرية!