in , ,

المجاعة تتعلق بالحرية، وليس بالطعام فقط

هل تُعتبر المجاعات مجرّد أشياءٍ من الماضي؟ في العالم القديم، هدّد الحصاد السيء الحياة. في المئتي عامٍ الأخيرة ازداد الإنتاج الزراعي في العالم بشكلٍ كبيرٍ، واليوم، تدعم الأرض مليارات الأشخاص الأصحاء بفضل التقدم في التقنيات الزراعية والتجارة العالمية. وعندما أصبح الأفراد غير معرَّضين نسبيًا للعنف ولديهم إمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية، لم تعدْ المجاعة واسعة الانتشار مشكلةً اليوم. فالمواد الغذائية الأساسية رخيصةٌ، وفي الحالات الطارئة، توجد الكثير من النوايا الحسنة، حيث أن مجتمعًا يمتلك صحافةً حرّةً وأسواقًا مفتوحةً سوف يتلقى المساعدة.

لحسن الحظ، لا يعيش معظم البشر اليوم ويموتون بسبب هطول المطر على محاصيلهم أو عدمه. واليوم، تحدث حلقاتٌ من المجاعة الجماعية فقط عند تعرّض الناس للاضطهاد من قِبل أنظمة الحكم الاستبدادية أو لعنف العصابات المنظَّم على نطاقٍ أضيق.

بالنسبة للمأساة الأخيرة فى جنوب السودان، والتي أعلنتها الامم المتحدة رسميًا مجاعةً. وفي مقال صحيفة “واشنطن بوست” الصادر في التاسع من آذار/مارس، أعلن جورج كلوني أن المجاعة في جنوب السودان “من صنع الحكومة”، فلا تُصنَّف كمجاعةٍ بأسبابٍ طبيعيةٍ فقط مثل الطقس، بل أيضًا فإن أصابع الاتهام تشير بشكلٍ مباشرٍ إلى الإدارة في العاصمة جوبا.
وأشار الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل أمارتيا سين إلى أن الديمقراطيات العاملة لا تعاني من المجاعات. وفي المجتمعات الحرة، فإن أيّ حكومةٍ غير مؤهلةٍ تخلق مجاعةً جماعيةً ستخسر في الانتخابات. إن المساءلة التي يوفّرها الناخبون الأحرار والصحافة الحرة تحفّز السياسيين على الاستجابة لاحتياجات الشعب. لا تكمن المشكلة في أن الحكومات الاستبدادية تقوم بالقليل جدًّا لمنع المجاعات، بل في أنها تقوم بالكثير لتسبّب المجاعات.

وقد فاقت مجاعاتُ القرن العشرين مجاعةَ أيرلندا الكبرى “مجاعة البطاطا الأيرلندية” السيئة السمعة التي حدثت في منتصف القرن التاسع عشر. ففي الصين، قضى عشرات الملايين الأشخاص جوعًا في ظل حكم ماو تسي تونغ. كما أشرف النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي على العديد من المجاعات التي جوّع فيها عدّة ملايين حتى الموت، بما في ذلك المجاعة الجماعية المعروفة باسم هولودومور في أوكرانيا. وقد ارتبطت أحداث المجاعات هذه أحيانًا بسوء الأحوال الجوية، ولكن الجفاف لا يسبب المجاعات. ففي العالم الحديث بإمكان العنف وحده أن يؤدي إلى حصادٍ سيءٍ ليتحول إلى مجاعةٍ جماعيةٍ.

في عام 1931، كان هناك الكثير من المواد الغذائية التي تُزرع في أوكرانيا، ولكن الحكومة السوفياتية أخذت الطعام بالقوة ولم تبقِ أيّ شيءٍ تقريبًا لإطعام المزارعين. وهناك نوعٌ آخر من الاضطهاد الحكومي الذي زاد الوضع سوءًا، في هذه الحالة، وهو قمع حرية التعبير والصحافة الحرة. فقد نفى السوفييت وجود أشخاص يتضورون جوعًا، كما أخضعوا التقارير المعارِضة للرقابة، مما قللّ من فرص وصول مساعداتٍ من المجتمع الدولي. وبمساعدة الصحفيين الغربيين المقربين من ستالين، نجح السوفييت بالتغطية بشكلٍ فعالٍ على قضية المجاعة في أوكرانيا.

وقد استمرت أكثر المجاعات انتشارًا في إثيوبيا في القرن الماضي من عام 1983 إلى عام 1985. وكانت الحكومة في ذلك الوقت قد هاجمت الشعب الإثيوبي بعنفٍ، ونقّلتهم وفق مخططات التجميع. وفي ذلك الحين أصبحت أثيوبيا بلدًا فقيرًا عاجزًا بسبب التدخل الحكومي والفساد. وقد أتاحت حملةٌ تضليليةٌ للمسؤولين الحكوميين الاستفادةَ من المساعدات الدولية التي أرسلتها الدول الغنية، في حين أن الحكومة منعت تقديم الطعام في مناطق من البلاد حيث لم يكن الشعب داعمًا للنظام.

وتحدث الآن المجاعة الأحدث في جنوب السودان. امتلك شعب جنوب السودان مواردَ إنتاجيةً لتغذية نفسه، ولكن قام جنودٌ يمثلون كلًّا من الحكومة وقوات المتمردين بمداهمة القرى وتدمير وسائل الإنتاج، مثل الماشية، تاركين الناس يتضورون جوعًا. ويعرب كلوني في مقالته عن تفاؤله الحذِر في السماح للمساعدات الخارجية بالوصول إلى ضحايا المجاعة، لكنه يؤكد بأن المساعدات هي إصلاحٌ قصير الأجل. والمجاعات ستستمر حتى تصبح الحكومة مسؤولةً عن الفساد وسوء المعاملة. يفكّر كلوني كاقتصاديٍّ، فهو يتحدث عن الحوافز، وليس عن النيات.

وبعد وقتٍ قصيرٍ من تنبّه العالم الغربي لخطورة المجاعة في جنوب السودان، رفع الرئيس سيلفا كير رسوم الحصول على تصاريح العمل لعمال الإغاثة الأجانب من 100 إلى 10,000 دولار. ويعتبر هذا التغيير صغيرًا مقارنةً بهجمات الجنود الحكوميون العنيفة ضد عمّال الإغاثة، ولكنه يشير إلى الطريقة التي تنظر بها الحكومة إلى ضحايا المجاعة.
الحرية الاقتصادية للأفراد وحماية حقوق الملكية هما السبب في عدم حدوث المجاعات في ظل الديمقراطيات اليوم، كما وثق أمارتيا سين في كتابه “التنمية كحرية” فإن الجوع لا يتعلق فقط بالأغذية – بل يتعلق بالحرية.

وندرلاست، ترجمة: رأفت فياض
مقال من تأليف الدكتور جوي بوكانان أستاذ التحليل الكمي والاقتصاد في جامعة سامفورد.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة رأفت فياض

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

الحرية: أعظم استراتيجية عسكرية!

العادات العشر للأشخاص المنطقيين