in ,

الحرية: أعظم استراتيجية عسكرية!

لكل تلك الأسئلة الإجابة ذاتها، وهي أيضاً نفس الإجابة لمن يستفسرون عن قضية الدفاع الوطني في المجتمع الحر.

والسر يكمن في لامركزية القوى العسكرية، فهذه الإستراتيجية أثبتت فعاليتها مراراً وتكراراً على مر التاريخ، وتميزت بأنها أكثر مرونة ورشاقة بالإضافة لقدرتها على التكيّف مع المتغيرات الطارئة والتي تتطلب اتخاذ قرارات ذاتية وتلقائية وفقاً لتقدير الأفراد للحالة. على عكس القوى العسكرية المركزية التي تعاني من الجمود والحركة المقيدة.

درسٌ من السويسريين

عادةً ما ننظر للبدان التي مثل سويسرا وغيرها ذات الحكومات المصغرة، على أنها أهداف سهلة الإحتلال، فلو كانت كذلك، لماذا تجنب النازييون غزوها، ولماذا نصح الخبراء هتلر بغزو القوى العسكرية المركزية مع أنها كانت أكبر؟

لقد قدّر الإستراتيجيون النازييون تكلفة غزو سويسرا بما هو أكثر من 200.000 إصابة، وذلك بالنظر لحقيقة أنّ الشعب السويسري نفسه هو الجيش، بخلاف بقية البلدان في أوروبا.

فقد تم حث الشعب في سويسرا على التدجج بالسلاح، كما افتتحوا أيضاً معسكرات تدريبية طوعية، يتعلم الجميع بها كافة التدابير اللازمة في حالات الحرب، كالوصول بسرعة للملاجىء، استخدام الأسلحة الفردية وغيرها من الإستراتيجيات التي تحول الشعب إلى جيش لا يقهر.

ماذا كانت تعني هذه الإستراتيجية الدفاعية للنازيين؟

1- صعوبة تحديد من هو العدو المقاتل بالضبط.

2- بدون إدارة مركزية للعمليات، أثبت التكتيك العسكري التقليدي فشله في تحديد وتثبيت أجسام ملموسة للإغارة على العدو.

3- بدون معرفة الأهداف المادية للإغارة، كانت النتائج غامضة واحتمال النصر متأرجح وغير مؤكد.

ووفقاً لهذه المعطيات قرر النازييون عدم الخوض في بحيرة الدم الراكدة هذه، واتجهت الأنظار للقوى ذات الإدارة المركزية، وكانت الضحية فرنسا، حيث تمكن النازييون من اجتياحها في غضون 6 أسابيع فقط، وبلغ عدد القتلى بصفوفهم حوالي 27.000 ألماني.

وكما توقع الإستراتيجيون النازييون استسلم الفرنسيون أنصار الفكر الجمعي مباشرة بعد استسلام حكومتهم، لكن السويسريون وقفوا بثبات وحافظوا على رابطة جأشهم طوال الحرب التي دمرت بقية أوروبا، لخّص Samuels L.K إنجاز الشعب السويسري بقوله:

“إن سويسرا دولة ليست أكبر من ولاية ماري لاند، كانت قادرة على ردع غزوٍ من قبل أقوى آلات الشموليين الحربية التي عرفها التاريخ”

الجنرال باتون في مواجهة التخطيط المركزي النازي:

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ازدادت النزعة الإستبدادية لدى هتلر بإدراة تفصيلية لكافة القوات المنتشرة في أوروبا، كانت هذه الإدارة التفصيلية واسعة النطاق جداً، حتى علّق القائد الميداني النازي Van Rundstedt قائلا:

“لم أكن حتى أستطيع تغيير الحارس القابع خارج غرفتي دون الرجوع للزعيم الأعلى”

لطالما كانت ديناميكية التأقلم مفتاح النجاة لمعظم الأحياء، وفي غيابها كانت الوحدات النازية مضطربة وعاجزة عن التحرك والتعامل مع المفاجآت دون الرجوع للمخطط المركزي للعمليات ومضت في طريقها للهلاك.

في الناحية الأخرى كان الجنرال جورج باتون قد انتهج العكس تماماً، كانت استراتيجيته تعتمد على خفة الحركة، عامل الصدمة، البقاء بالقرب من ساحة المعركة، وعن غير قصد منه قام بإدراة المعركة بطريقة لامركزية بتجاهله للعديد من أوامر القادة.

كانت يتمتع بنظرة عامة لميدان الحرب، كما اعتمد أسلوب الألمان أنفسهم في الضربات الإستباقية، حوّل الوحدة المنهارة إلى قوة ضاربة.

أثبت باتون من خلال تكتيكه اللامركزي أنه أكثر تكيّفاً، مرونة، ورشاقة في اتخاذ القرارات من الخصم النازي مركزيّ التخطيط.

أذاقهم باتون طعم الحرب الخاطفة، وخلال أسبوعين فقط أعاد السيطرة على 600 ميل من الأراضي التي سيطر عليها النازييون في أوروبا.

الإستراتيجية العسكرية اللامركزية في الشرق الأوسط

ننهي تحليلنا التاريخي عن فعاليّة العمليات العسكرية اللامركزية في مثال من الشرق الأوسط، مرةً ثانية نحن أمام نموذج آخر لما يبدو على أنه عدواً سهل الإفتراس إلا أنه يُثبت كونه تحدياً صعباً حتى للقوى النووية العظمى في العالم.

من الحرب طويلة الأمد بين السوڤيت والميليشيا المحلية في أفغانستان “المجاهدون” وحتى التدخلات الأمريكية في المنطقة التي بدأت بالعام 2001، كلها بائت بالفشل، 30 عاماً لأعظم القوى العسكرية الحديثة لم تكن كافية للسيطرة على المنطقة واستقرارها.

كان للقوى اللامركزية في الشرق الأوسط المزايا نفسها التي شهدناها في أول المقال لدى السويسريين، تلك الطبيعة العفوية للمحليين وتكتيك حرب العصابات الماهرون به رفعا من صعوبة المسألة لدرجة لا تصدق، إذ لم تكن القوات الغازية قادرة على تحديد ماهية العدو أو حتى إدراك هجماتهم، فغياب الأهداف المادية يقلل من أهمية السلاح الجوي وأسلحة المدى البعيد، بالإضافة لوجود عدو مراوغ لا يمكن التنبؤ به ودائماً ما يتطور تدريجياً بشكل غير خطي، مثل تجربة الحرب الأمريكية في فيتنام.

وفقاً لتلك المعطيات، فإن الحرب مع العدو اللامركزي ستؤدي غالباً لحرب استنزاف طويلة الأمد والتي بدورها ستخلق ثقباً أسوداً لا ينتهي من الموت والدمار الإقتصادي وسيعكس سخطاً شعبياً واسعاً في الدولة الغازية، كتلك الأغلبية المتسقة من العامة التي رأينها عقب اجتياح الولايات المتحدة للعراق والذين رفضوا الحرب على العراق، التي بدأت في العام 2005 وانتهت في العام 2015 أُنفق خلالها ما يقارب 4.4 تريليون دولار.

عموماً، فإن لدى هذه الدول مثبطات قوية لغزو المناطق التي تعتمد لامركزية القوى العسكرية.

الدفاع في أمريكا الحرة

لقد أثبت لنا التاريخ مراراً وتكراراً بأن الحرية هي أكثر استراتيجية عسكرية فعّالية، وإن المخاوف من غزو دولة أجنبية لمجتمع أهلي هي بالتأكيد مشروعة، لكن لا أساس لها عند النظر إلى الحقائق.

ومع أكثر من 300 مليون بندقية تمتلكها ثلث الأسر في الولايات المتحدة تغدو القارة الأمريكية حصناً منيعاً.

فإذا كانت لدينا سوق حرة يبلغ معدل الثراء بها 3 أضعاف للفرد، وتوفر للأفراد حرية أكبر، وابتكار درجة عسكرية جديدة من التسلح، فإن احتمال احتلالنا من قبل دولة أجنبية غير ممكن أبداً.

ولنتذكر قول بنيامين فرانكلين:

[bs-quote quote=”هؤلاء الذين يتخلون عن حريتهم الأساسية لشراء بعض الأمن المؤقت، لا يستحقون لا الحرية ولا الأمن” style=”style-17″ align=”center” author_name=”بنيامين فرانكلين”][/bs-quote]

لقد كان محقاً، فبتخلينا عن حريتنا، نحن نتخلى عن أعظم إمكانياتنا في الأمن.

وندرلاست، ترجمة: قتيبه عثمان – المقال الأصلي من تأليف مات ريان

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة قتيبه عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة دروس مستخلصة من إمبراطور أفريقيا الوسطى

المجاعة تتعلق بالحرية، وليس بالطعام فقط