in

أعزائي المتخرجين الجدد، إنسوا أمر البحث عن شغفكم

تعلمنا الثقافة الشعبية أن إيجاد الشغف عنصر أساسي للنجاح في الحياة المهنية. عندما نشرت مارشا سنيتار كتابها “إفعل ما تحب، سيأتي المال لاحقًا” عام 1989، لم تكن تتوقع على الأرجح أن الملايين من الناس سيعتبرون عنوان كتابها نصيحة مهنية حقيقية. لكن، ماذا لو كانت هذه النصيحة خاطئة؟

أجرى عالم النفس روبرت فاليراند دراسة لطلاب الجامعات الكندية بهدف معرفة ما إن كانوا شغوفين بالعمل أو التعلّم. وكانت النتائج مذهلة : “أقل من 4% فقط من الرغبات التى تم تحديدها كانت ذات علاقة بالعمل أو الدراسة، فيما كانت الـ96% الباقية متعلقة بأنشطة ذات علاقة بالهوايات، مثل الرياضة والفن”.

هل هؤلاء الأفراد غير الشغوفين غير محظوظين؟ هل تجاوزهم وحي الشغف؟ هل هم بحاجة إلى أخذ المزيد من اختبارات التوجيه المهني أو حضور ورشات “أعثر على شغفك“؟

من المؤكد أن ورشات “أعثر على شغفك” لديها الكثير من الحرفاء. فوفقا لمسح أجرته منظمة The Conference Board سنة 2016، حوالي 50% فقط من هؤلاء الموظفين راضون عن وظائفهم. ووجدت دراسة أجرتها مؤسسة Gallup أن أكثر من 50% من الموظفين ليسوا ملتزمين بأعمالهم، وأن 17% منهم غير ملتزمين بشكل تام.

من خبرتي في إدارة ورشات تنمية القيادة، أعلم أن الكثير من الناس على يقين من أن بيئة عملهم هي مصدر عدم رضاهم. كثيرون يشيرون إلى أنماط الإدارة الهرمية التقليدية باعتبارها المشكلة. ولكن ماذا لو كانت أفكارهم الخاطئة حول النجاح والشغف والرضا الوظيفي هي المشكلة الحقيقية؟

في البداية، كن جيدًا في شيء ما

 

[bs-quote quote=”عقلية الشغف تؤدي إلى التعاسة المزمنة والشعور الدائم بأن شيئا ما مفقود.” style=”style-17″ align=”center”][/bs-quote]

خلال مقابلة له مع تشارلي روز عام 2007، طُلِبَ من الممثل الكوميدي ستيف مارتن أن يوضّح نصيحة للنجاح في المسيرة المهنية كان قد قدمها سابقًا. في ذلك الوقت، قال مارتن ما هو بديهي: “يجب أن تكون جيدًا في شيء ما بشكل لا يمكن إنكاره.”

الجواب البديهي، الذي قدمه مارتن، ليس ما يريد الكثيرون سماعه. إذ أوضح مارتن:

“ما يريد الناس سماعه هو: إليك كيفية الحصول على وكيل، إليك كيفية كتابة نص، إليك كيفية فعل هذا الشيء. لكنني أقول دائمًا: “كن جيدًا لدرجة ألا يمكن تجاهلك”.

استخدم أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة جورج تاون، كال نيوبورت، نصيحة مارتن كعنوان كتابه “جيد لدرجة ألا يمكن تجاهلك” – وهو كتاب يلغي فرضيّة الشغف.

ويعتقد نيوبورت أن وجود عقلية الحرفي، بدلا من عقلية الشغف، هو السبيل إلى مهنة مرضية. بدلا من انتظار أن يضرب الشغف، بيّن البحث الذي قام به نيوبورت أن الناس يصيرون شغوفين بعملهم لمّا يصيرون جيدين فيه. “الشغف“، حسبما وضح نيوبورت، هو “تأثير جانبي للإتقان“.

العاطفة ليست كافية

ينصح نيوبورت قائلًا: “إذا كنت ترغب في عمل رائع، فإنك تحتاج شيئا ذا قيمة عالية لتقديمه في المقابل”. ليس للشغف وحده قيمة عالية، وينتشر في كل مسار وظيفي أشخاص شغوفون لكنهم فاشلون.

يقول نيوبورت: “في حين تركز عقلية الحرفي على ما يمكن أن تقدمه للعالم، تركز عقلية الشغف بدلا من ذلك على ما يمكن للعالم تقديمه لك”. وهو يؤكد هنا على أهميّة تقديم قيمة، أو نفع ما للعالم.

بالنسبة للمناصب الأولية التي يأخذها الموظفون المبتدئون عديمو الخبرة، فإن عقلية الشغف تؤدي إلى التعاسة المزمنة والشعور الدائم بأن شيئا ما مفقود. ويوضح نيوبورت:

“أولًا، عندما تركّز فقط على ما يقدمه لك عملك، فإن هذا يجعلك متنبهًا أكثر من اللازم إلى ما لا تحبه فيه، مما يؤدي بك إلى التعاسة المزمنة. وينطبق هذا بشكل خاص على المناصب الأولية، التي لن تكون مليئة بمشاريع مثيرة وبالاستقلالية، فهذه الأشياء تأتي لاحقاً. عند دخول العالم المهني مع عقلية الشغف، قد يصير من المستحيل تحمل المهام المزعجة أو الإحباط الناتج عن بيروقراطية الشركات.
ثانيا، وهذا أكثر جدية، الأسئلة العميقة التي تقود عقلية الشغف : “من أنا؟” و”ماذا أحب حقاً؟” هي أساسًا مستحيلة الإجابة بشكل أكيد. “هل هذا أنا حقاً؟” و “هل أحب فعل هذا؟” نادرا ما تكون بالإمكان الإجابة عنها بنعم أو لا. وبعبارة أخرى، فإن عقلية الشغف تكاد تكون سبيلًا مضمونا لإبقائكم تعساء ومرتبكين.”

بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في البكاء والشكوى من أعمالهم غير المرضية، فمن الأفضل لهم تجنب كتاب نيوبورت. نيوبورت يقدم الحب الصعب. عقلية الحرفي تطلب منك أن تترك وراءك مخاوفك الذاتية حول ما إن كان عملك هو”العمل المناسب”، وبدلا من ذلك إنزال رأسك إلى الأسفل والعمل بجد لتصير بالفعل جيدًا فيما تفعله.

ليس من واجب أحد إعطاؤك مهنة جيدة

يقول نيوبورت:

“لا أحد يدين لك بمهنة كبيرة… أنت تحتاج إلى الفوز بها بإستحقاق، وهذه العملية لن تكون سهلة”.

عندما ينظر الأفراد لحياتهم المهنية من خلال عقلية الشغف، فإنهم غالبا سيقولون أشياءً مثل: “إذا كان لدي الشجاعة لإستقلت من عملي وفعلت كذا”، يرى نيوبورت أن هؤلاء لا يدركون الفكرة الحقيقية: “العمل العظيم لا يتطلب فقط شجاعة كبيرة، ولكن أيضا مهارات كبيرة ذات قيمة حقيقية “. بعبارة أخرى، إذا تركت وظيفتك قبل الأوان، قبل تطوير رأس المال العملي الخاص بك، على الأرجح سوف تفشل.

في أحد المقابلات، حذر إيرا غلاس، المنتج الشهير لسلسلة الراديو “هذه الحياة الأمريكية”، قائلًا: “في الأفلام السينمائية، توجد هذه الفكرة القائلة بأن عليك أن تسعى فقط وراء حلمك. ولكنني لا أعتقد ذلك. فهذه الأشياء تحدث على مراحل”.

الإتقان يأخذ الكثير من العمل الجاد والوقت. إيرا غلاس لم يجد نفسه فجأة في وظيفته الرائعة. وهو يقدم هذه النصيحة: “الشيء الأساسي هو أن تضغط على نفسك من خلال العمل، وتجبر المهارات على الظهور. هذه هي المرحلة الأصعب”.

ويعتقد نيوبورت أن منهج الحرفي في العمل يؤدي إلى تراكم “رأس المال العملي”. يمكنك الحصول على رأس المال العملي من خلال تطوير “مجموعة من المهارات صعبة الإكتساب، النادرة، والقيّمة”. ثم يمكنك مبادلة رأس المال العملي الخاص بك بـ”وظيفة رائعة “.

باختصار، مع عقلية الحرفي، بإمكانك كسب وظيفة كبيرة. أما إن كانت عقلية الشغف تعميك، فقد لا تبدأ المشوار أصلًا.

وندرلاست، ترجمة شهاب البرقاوي

مقال مُترجم عن مؤسسة تعليم الاقتصاد، من تأليف باري براونستين.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة شهاب البرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

النظام المالي العالمي الحديث

أربعة دروس مستخلصة من إمبراطور أفريقيا الوسطى