شغف المعرفة

نظام الأجور وفائض القيمة!

يقوم النقد الماركسي لنظام الأجور على فكرة أن هناك تفاوتا هائلا وإشكاليا في السلطة بين العامل والرأسمالي في معظم مواقف التوظيف. ووفقا لهم، فالرأسمالي يمتلك سلطة أكبر لأن «وسائل الإنتاج» في حوزته. وهو من ثم يوظف سلطته الأكبر كي «يستغل» عماله. ويحدث هذا الاستغلال حين ينتج العامل بضائع لمدة أسبوع لكن الرأسمالي يدفع له مقابل أربعة أيام من قيمتها. وفارق قيمة الأيام الثلاثة هذا يفسر، بمعنى مساواتي، بأن الرأسمالي يستولي عليه «كفائض قيمة» وبالتالي يمثل، بنحو قابل للقياس، قدر الاستغلال الذي يمارسه الرأسمالي ضد العامل.

ومن ثم يستنتجون أنه حتى يتم «تصحيح» بنية السلطة هذه كما يرونها، يجب اتخاذ عدد من القرارات المختلفة. فاعتمادا على الفرد، قد تتراوح تلك القرارات المقترحة من القوانين الشائعة والمفروضة حكوميا للحد الأدنى للأجور الى شكل من «الثورة» التي تقودها هذه الطبقة العاملة المستغَلّة، وتمثل الأولى وصفة سياسية أشد اعتدالا وشيوعا وكذلك تضليلا، أما الثانية فلا يدعو إليها غير المساواتيين الماركسيين المتشددين. 

لكن هذه جميعا في الواقع تنبع من نفس التحليل المغالط لنظام الأجور الذي وصفته. وإضافة لذلك، فهناك قدر كبير من التأثير يستمد هنا من «القانون الحديدي للأجور» الذي يصفه ماركس، وينص في جوهره على أن كل الأجور التي يدفعها الرأسماليون للعمال ستنحدر إلى مستوى واطئ يمكّن العمال فقط من البقاء أحياء وتربية جيل جديد من العمال. ولو زاد الأمر عن ذلك، وفقا لماركس، فسيتضرر «فائض القيمة» لدى الرأسمالي، ولو نقص فلن يملك الرأسمالي أي عمال كي يستغلهم.

بالطبع فإن هذا التحليل لنظام الأجور باطل من الأساس. وقد يبدأ المرء بالشك في مشروعيته حين يسأل: «إن كان هذا يمثل حقا واقع العلاقة بين العمال والرأسماليين، فلماذا قد يوافق أي عمال على هذا الوضع؟» فحيث أن العامل وكذلك الرأسمالي يجب أن يتفقا كي يصبح أي عقد توظيف ساريا، فسيصبح ذلك سؤالا مشروعا جدا. فلماذا قد يوافق العامل في مثالي أعلاه على أن يمنح مقابل أربعة أيام من البضائع بإزاء إنتاج أسبوع كامل، حين يكون الخيار متاحا أمام العامل كي يرفض ويبقي على كامل قيمة عمله؟ وليس هذا فقط، فوفق مبدأ التفضيل الأدائي، فالعامل بموافقته على عقد العمل هذا مع الرأسمالي يعبران معا عن كون هذا الخيار الأفضل الذي يتوفر أمامهما معا في ذلك الحين، كما أن هذا العقد التوظيفي يمكن أيضا أن يفسخه أي طرف مشترك في أي وقت.

التفسير الذي يقترحه خصوم الرأسمالية يشير الى ان العلاقة بين العمال والرأسماليين علاقة صراع، وبالتالي فهما يلعبان لعبة بمحصلة صفرية ينتفع فيها أحد الطرفين فقط على حساب الآخر. لكن الحال ليس كذلك، والواقع أن العلاقة بين العمال والرأسماليين في الواقع علاقة منسجمة، ولعبة بمحصلة إيجابية. ولو لم تكن فإن أحد الطرفين على الأقل لن يوافق على شروط عقد التوظيف ولن يسري العقد من ثم أبداً.

فالسبب في موافقة العمال على هذا هو أنهم يتقاضون دخولهم في المدى القريب، في حين أن الدخل الذي ينتجه عملهم إنما يتراكم على المدى البعيد. بعبارة أخرى، يدفع لهم في صورة بضائع عاجلة، ويدفع للرأسمالي في صورة بضائع آجلة. وهذا أيضا يعد تطبيقا للتفضيل الزمني. عد لمثالي من جديد، حيث ينتج العامل قيمة أسبوع من البضائع ويقبض قيمة أربعة أيام. وللتبسيط، سأشير للسلعة التي يدفع للعامل كي ينتجها «بالسلعة س». وما أن ينتج العالم السلعة س فسيدفع له فورا: فدخله فوري ومضمون. أما الرأسمالي من جهة أخرى فعليه أن يتحمل عبئين: الخطر والوقت. فعليه تحمل خطر عدم بيعه للسلعة س فعلا، وإن كانت ستباع، فعليه أن ينتظر لأطول ما يمكن كي يشهد حدوث ذلك. وهكذا فالثلاث أيام الإضافية من قيمة البضائع التي ينتجها العامل، لكنها لا تدفع له بل يأخذها الرأسمالي، تمثل ببساطة تعويض الرأسمالي عن ذلك الخطر والوقت، وليست «استغلالا» على الإطلاق كما قد يظن البعض. في الواقع، فمن الأشد دقة أن يوصف كدفع «فائدة» للرأسمالي لقاء تحمله لأعباء الخطر والوقت.

بالطبع فهذه ليست معرفة شائعة. فكثيرا ما يعد هذا التحليل لنظام الأمور مشروعا إلى حد ما، وتطبق السياسة على أساسه: وأبرز أشكالها الحد الأدنى للأجور. فالهدف من الحد الأدنى هو زيادة معدلات الدخول عند من يقعون في قعر هرمية الدخل على حساب الأعلى منهم (أي من يدفعون لهم أجورهم)، مما يزيد المساواة من ناحية اقتصادية. ولكن هذا تصاحبه تداعيات كارثية، سأستكشفها فيما يأتي.

مقتطف من كتاب عواقب المساواة تأليف ماثيوس باتاليولي وترجمة حيدر عبد الواحد راشد.

اقرأ أيضاً:

تعليقات
جاري التحميل...