شغف المعرفة

الحمائية: من أسباب الحربين العالميتين والكساد الكبير

الحرب العالمية الأولى وعلاقتها بالحمائية

كانت الحرب العالمية الأولى إحدى أكبر الكوارث في تاريخ البشرية. لم يقتصر الأمر على قتل وتشويه الملايين بل أيضًا تدمير النظام الليبرالي العالمي الذي أُنشِئ في القرن التاسع عشر. علاوةً على ذلك، كانت السبب المباشر لكل من الثورة البلشفية في عام 1917، ووصول هتلر إلى السلطة عام 1933، وكل العواقب الرهيبة التي أعقبت تلك الأحداث، ومنها حرب عالمية أخرى أكثر فظاعةً من الأولى.

كلّ هذا يجعل من أصول الحرب مصدر قلق لنا جميعًا. يتكرر أحد الأجزاء المركزية من الأسباب حول الدور الذي تلعبه الأفكار الاقتصادية السيئة، وخاصةً أفكار رجل واحد والذي كان هو فريدريك لست.

أدى نجاح ألمانيا الوهمي إلى دفع العديد من الدول الأخرى لكي تحذو حذوها، وخاصةً إيطاليا وقبل كل شيء روسيا. أُغلقت هذه الأسواق أمام البضائع الألمانية الشيء الذي أدى إلى زيادة الخلاف بين هذه الدول. أدّى كل ذلك إلى أن أصبحت القروض التي كانت الدولة قد اكتتبتها أقل قوةً وتدهورَ الوضع الجبائي المالي للحكومة الألمانية بشكلٍ حادٍ، لدرجة أنه بحلول ربيع عام 1914 كانت تواجه احتمال إجراء تخفيضاتٍ كبيرةٍ في القوات البحرية.

لكن كانت أخطر نتيجة لأفكار فريدريك لست التغيير في تفكير الناس وتصوراتهم. بدلًا من اعتبار التجارة عمليةً تعاونيةً متبادلة المنفعة، اعتبرها السياسيون ورجال الأعمال صراعًا مع الفائزين والخاسرين. لم يرَ قادةُ ألمانيا النمو السريع لروسيا بعد عام 1890 كفرصةٍ ونعمةٍ بل تعاملوا معه كتهديدٍ فظيع، وكان ردهم هو فكرة MittelEuropa وهي اتحاد جمركي يشمل ألمانيا والنمسا وهنغاريا ومنطقة البلقان، والتي ستزود ألمانيا بالمواد الخام مع توفير سوق مقيدة. كما دعا القادة إلى إنشاء مستعمراتٍ خارج أوروبا وقوة بحرية خارجية. أثار هذا استجابةً مماثلةً وعدائيةً من القوى الأخرى، وخاصةً من روسيا. وكانت النتيجة صراع الإمبريالية في البلقان، وفي يوليو 1918، اتخذت النخبة الألمانية القرار لخوض حرب مع روسيا وفرنسا؛ لو رأوا العالم بطريقةٍ مختلفةٍ لما حدث ذلك.

سبب طول فترة الكساد الكبير لسنة 1929 والحرب العالمية الثانية

لم يكن كساد 1929 ليطول حتى الحرب العالمية الثانية، لكنّ السياسات الحكومية العامة التي اتبعها الرئيس هربرت هوفر أدت إلى إطالة الكساد لمدةٍ طويلة. كان هربرت هوفر المؤسس الفعلي لسياسة New deal وليس الرئيس روزفلت Roosevelt، وكان هذا بالأساس في استخدامه الهائل للدولة من أجل التدخل في الاقتصاد مباشرة، والذي حذرت منه النظرية الميزيسية، فما قام به روزفلت كان فقط إتمامًا لسياسة هوفر، فبعد أشهرٍ من رئاسته بدأ الكساد العظيم واشتهرت سياسته بالحمائية و دفاعه عن الحواجز الخاصة في وجه التجارة الخارجية مع البلدان الأخرى، وأول ما قام به بعد صعوده للسلطة كان فرض ضرائب على المنتجات الخارجية ظنًّا منه أن هذا القرار سيؤدي إلى تحسين ومساعدة المزارع الأمريكي من خلال بناء وتدعيم السوق المحلية ورفع أسعار المنتجات المحلية.

أصدر الكونغرس قانون سموت – هاولي Smoot–Hawley Tariff Act في سنة 1930، وكان هذا القانون وراء الارتفاع الضخم في التعريفات المفروضة على البضائع المستوردة وأدّى لخفض التجارة الأمريكية الخارجية إلى النصف في وقتٍ حرجٍ للغاية حيث كان سوق الأسهم المالية متدهورًا بمعدل أكثر من النصف بسبب تدخلات البنك المركزي التي تحدثنا عنها سابقًا، وهكذا تفاقمت مشاكل الاقتصاد الأمريكي و زاد القانونُ الأمرَ سوءًا.

أُصدِرت لائحةٌ لفرض الضرائب الخاصة على السكر واللحم والقطن والجلد والأحذية والصوف والتعريفات على أكثر من 20 ألف مادة مستوردة. كان المستهلكون والمشاريع التجارية الأمريكية وأي مستهلك أمريكي للبضائع التي فُرِضت عليها التعرفة الجمركية، هم مَن يدفع أكثر لحماية الصناعات التي شملها القانون؛ لا يفهم السياسيون حقيقةً اقتصاديةً، أنك لا تستطيع خلق الثروة من خلال منع التجارة.

فالتبادل الحر هو الذي يخلق الثروة، وكان هذا من الأسباب والإيجابيات التي ساهمت في تطور الجنس البشري من خلال السماح للناس بتبادل ما يصنعون لقاء ما يصنع الآخرون. يشارك الكل في عملية التبادل ولكل طرف معين إمكانية التخصص فيما يستطيع إنتاجه بأقل كلفةٍ ممكنةٍ؛ تقوم التجارة على مبدأ المكاسب المتبادلة بين كلا الطرفين أما منع التجارة فليس من شأنه إلا أن ينتج المشاكل والصراعات ويمنع التقدم البشري.

أدى هذا القانون إلى تدهور صادرات أمريكا بشكلٍ خطيرٍ، بحيث أصبح الأمريكيون يستوردون القليل من الخارج، ولم يعد بمقدور مموليهم في الخارج أن يشتروا الكثير منهم، مما أدى إلى تراجع صادرات أمريكا وحلّ الدمار بصناعات التصدير الأمريكية من خلال قانون كان الغرض منه حماية الصناعات الأمريكية من المنافسة.

فبعد سنتين فقط من القانون انهار حجم التجارة العالمي بمعدل 70% و بانهيار التجارة تفاقمت البطالة والفقر بشكلٍ كبيرٍ، وازداد التطرف وغضب الناس على الأوضاع، فبسبب هذه السياسة الحمائية سُحِق الاقتصاد العالمي.

كان هذا الانهيار في التجارة محفزًا كبيرًا للبحث عن الاكتفاء الذاتي، وهذا ما حاولت ألمانيا واليابان القيام به من خلال التوسعات الاستعمارية من أجل إيجاد الموارد والبحث عن الاكتفاء الذاتي الشيء الذي ساهم في تطور هذه التوسعات لحربٍ عالميةٍ ثانيةٍ.

مثال حاضر اليوم على حمائية الاتحاد الأوروبي وعلاقتها بالبريكست

يُفرض على البضائع في الدول الأوروبية العديد من القوانين أي العديد من العراقيل أمام الحرية الاقتصادية، كفتح شركةٍ جديدةٍ. ما يحدث هو كأنك تدخل في حقل ألغام قانوني، ويكون هذا مضرًا فقط بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة ويكون قاتلًا للنمو والابتكار، وتفرض هذه القوانين تكاليف عالية وقد يسبب خرقُك لأي قانونِ عن دون قصدٍ إغلاقَ شركتك، ويصعب على الشركات الصغيرة والمتوسطة من المنافسة و التقدم.

أما بالنسبة للشركات الكبرى، فهي لا ترفض القوانين بشكلٍ كبيرٍ لأن هذا في صالحها لقمع المنافسة من الشركات الصغرى والمتوسطة، تحب الشركات الكبرى الاتحاد الأوروبي لأنه يخلق قوانين تدمّر المنافسين الصغار، وتضغط هذه الشركات الكبرى على بروكسيل فتجد دائمًا العديد من الدعوات للحفلات والهدايا في مكتب البيروقراطيين والسياسيين الأوروبيين من مجموعات الضغط والشركات الكبرى التي تحب السياسات بمعناها الحديث.

تحاول الشركات الأوروبية منع المنتجات الخارجية والشركات الخارجية خوفًا من المنافسة القوية على منتجاتها، لأن البضائع الآسيوية والخارجية من بعض المناطق تتميز بجودةٍ عاليةٍ وبثمنٍ منخفضٍ، ولهذا تحاول الضغط في بروكسيل من أجل إيقاف المنتجات الخارجية.

يقوم موظف بروكسيل يقوم بـ 3 حلول:

  • أولًا: الرسوم الجمركية أي الضرائب على المنتجات الخارجية.
  • ثانيًا: الكوتا “تحديد النسب”، أي تحد من عدد المنتجات الآتية من الخارج.
  • ثالثًا: قوانين معقدة.

ويؤدي هذا لارتفاع الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة.

السياسة الزراعية المشتركة Common Agriculture Policy:

يفرض الاتحاد الاوروبي على أعضائه برنامج سياسة زراعية موحدة، يضمن هذا البرنامج شراء المنتجات باهظة الثمن من المزارعين الأوروبيين الأثرياء، على حساب المستهلكين البريطانيين ومنتجي البلدان النامية. تجعل هذه الحواجز الزراعية الأسر البريطانية تدفع أكثر بكثيرٍ كل عام مقابل الغذاء، وتعرقل الفقراء بشكلٍ كبير.

وعلى الرغم من تحسن السياسة الزراعية المشتركة في التاريخ الحديث، إلا أن الحواجز الجمركية لا تزال قائمة، وما زال البروتوكول يحدّ الواردات من العديد من البلدان النامية، ويمنع دخول البضائع من الدول النامية بأسعارٍ تناسب المستهلك الأوروبي.

يحب المزارعون الأوروبيون الحمائية، ويحاولون القيام بنفس الشيء مع المنتجات الزراعية الإفريقية، مما يضر بالمواطنين الذين يستهلكون كل هذه المنتجات بثمنٍ مرتفعٍ، فلو كانت اليوم بريطانيا مستقلةً عن الاتحاد الأوروبي كانت ستسمح باتفاقيات التجارة الحرة مع العديد من البلدان النامية من أجل المنتجات التي تُنتَج بثمنٍ منخفضٍ جدًا وجودة عالية مقارنةً مع ما لديهم.

سيعطي خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي نتائجَ إيجابية لدولٍ إفريقية ودول خارج الاتحاد الأوروبي بشكلٍ أكبر؛ فعلى سبيل المثال، حصلت القارة الأفريقية بأكملها في عام 2014 على 2.4 مليار دولار من إمداداتها الوفيرة من القهوة، في حين حصلت ألمانيا غير المعروفة بمزارع البن على 3.8 مليار دولار عن طريق تجهيز البن الخام وإعادة تصديره.

تخيل الفائدة المحتملة للمزارعين الأفارقة إذا كان يمكن الحصول على قطعة من العمل والتنافس مع المنتجات الألمانية؛ يفرض الاتحاد الأوروبي تعرفة 7.5% على القهوة المحمصة المستوردة، ولكنه لا يفرض شيء على القهوة الخضراء الخام الأقل قيمةً. لا عجب أن كمية كبيرة من القهوة الأفريقية المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي أرخص.

لكن لدى المملكة المتحدة الآن القدرة على فضح هذه المعاملة القاسية من خلال إلغاء هذه الضرائب التنازلية والسماح للمنتجين المغامرين في البلدان الفقيرة بالتنافس على قدم المساواة. لن يؤدي هذا إلى تحرير المنتوجات الموجودة حاليًا تحت تعريفات الاتحاد الأوروبي فقط، بل سيؤدي أيضًا إلى مزيد من الخيارات للمستهلكين في المملكة المتحدة، إذ ستجد منتجاتٌ جديدةٌ من جميع أنحاء العالم طريقها إلى السوق و بأسعار أرخص عن طريق التحرر من رسوم الاستيراد وزيادة المنافسة.

يمكن أن تصبح بريطانيا رائدةً عالميًا في تحرير الدول الفقيرة تجاريًا إذا استعادت السيطرة على قوانينها التجارية، مما سيساهم في ازدهارها وازدهار شركائها التجاريين.

نظرة عامة عن مقال باستيا الساخر حول الحمائية

استهدف باسيتا في مقال له باسم “عريضة صناع الشموع” التعريفاتِ الحكومية التي فُرِضت لحماية الصناعات المحلية.

في هذه العريضة يدعو جميع الأشخاص المشاركين في صناعة الإضاءة الفرنسية، بما في ذلك الشركات المصنعة للشموع، والفوانيس، وعصي الإضاءة، ومصابيح الشوارع، وطفايات الحريق، ومن منتجي الشحوم، والزيت، والراتنج، والكحول، وبشكلٍ عام كل ما هو متصل بالإضاءة، يدعون الحكومة الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات وقائية ضد المنافسة غير العادلة من الشمس.

يجادلون بأنه يجب إجبار الناس على إغلاق جميع النوافذ، والمناور، والستائر الداخلية والخارجية، والستائر، وجميع الفتحات والثقوب والأغصان والشقوق التي تمر عبرها الشمس لكي لا تدخل المنازل، لأن هذا سيؤدي إلى ارتفاع استهلاك الشموع والمنتجات ذات الصلة. وفي المقابل، فإن السبب وراء ذلك هو أن الصناعات التي تعتمد عليها تلك الصناعات في صناعة الإضاءة ستحقق مبيعاتٍ أكبر، وكذلك موردوها المعتمدون وما إلى ذلك، حتى يصبح الجميع في وضعٍ أفضل بدون أشعة الشمس.

تشير هذه المقالة الساخرة إلى أن إجبار الناس على الدفع مقابل شيء ما عندما يتوفر بديل مجاني غالبًا يكون فقط مضيعةً للموارد. في هذه الحالة، فإن الأموال التي ينفقها الأشخاص على منتجات إنارة إضافية من شأنها أن تزيد بالفعل من أرباح صانعي الشموع، ولكن نظرًا لأن هذه النفقات غير مطلوبة، فإنها تبدد الأموال وتحولها عن غيرها من المنتجات. بدلًا من إنتاج الثروة، فمن شأن تلبية عريضة صانعي الشموع أن تخفض الدخل الإجمالي المتاح عن طريق رفع تكاليف الجميع دون داعٍ.

وبالمثل، فإن استخدام التعريفات لإجبار الناس على دفع المزيد مقابل السلع المحلية عندما تتوفر واردات أجنبية أرخص، يسمح للمنتجين المحليين بالبقاء على قيد الحياة في ظل المنافسة الطبيعية، ولكنه يكلف الجميع ككل. بالإضافة إلى ذلك، الأموال التي تُوضع في شركةٍ غير قادرة على المنافسة ستوضع بشكل أكثر كفاءةً في صناعةٍ تتمتع فيها الشركات المحلية بميزةٍ تنافسيةٍ أكبر على نظيراتها الخارجية.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
تعليقات
جاري التحميل...