شغف المعرفة

تاريخ الحمائية

“تجدر الإشارة إلى أن الحمائية والاشتراكية والشيوعية هي في الأساس نفس النبتة في ثلاث مراحل مختلفة من نموها؛ كل ما يمكن قوله هو أن النهب القانوني أكثر وضوحًا في الشيوعية لأنه نهبٌ كاملٌ؛ وفي الحمائية لأن النهب يقتصر على مجموعاتٍ وصناعاتٍ محددة، ومن ثم، فإن الاشتراكية هي النظام الأكثر غموضًا وعدم تحديد بين الأنظمة الثلاثة، وبالتالي أكثر المراحل تقدمًا في النهب”.
– فريدريك باستيا

خلال القرن الثامن عشر، كان شكلٌ من أشكال الحمائية يُسمى “الميركنتيلية” Mercantilism في مقدمة الفكر السياسي وكان الأشهر آنذاك. تختلف الميركنتلية عن الحمائية التقليدية بمعنى أنها شكلٌ حيٌّ من الحمائية. تسعى الميركنتلية إلى إنشاء توازن تجاري إيجابي للبلاد من خلال تراكم احتياطيات الذهب (كان معظم النظام المالي العالمي يعمل بمعيار الذهب في ذلك الوقت) من خلال زيادة الصادرات. لذلك، سعت الدول آنذاك إلى القيام بعلاقات تجارية متبادلة مع دول أخرى ولكنها أيضًا حدت من الواردات من بلدان أخرى بسبب أن هذه الأخيرة قد تضر بميزان المدفوعات.

كانت السياسات الحمائية منتشرة آنذاك. على سبيل المثال، بعد توقيع صفقة تجارية مع المملكة المتحدة في عام 1786، لم يرضَ الفرنسيون عن النتيجة لأن الصناعة الفرنسية غير المطورة اضطرت إلى البيع بأسعار خاسرة في بريطانيا، وتزايدت مشاعر التوافق مع الحمائية في فرنسا.

على الرغم من صفقات التجارة الحرة هذه، عززت المملكة المتحدة أيضًا الحمائية في أوقاتٍ معينةٍ من تاريخها. مع امبراطوريتها المتنامية خلال القرن الثامن عشر، كانت التعريفات وسيلةً لتأمين الإيرادات التي كانت بأمس الحاجة إليها لمزيد من التوسع. المثال الأبرز هو قوانين الذرة لعام 1815، التي سُنّت من أجل الحفاظ على أسعار الحبوب البريطانية مرتفعة. انتهت هذه السياسة التجارية الكارثية بالمجاعة الأيرلندية في عام 1845، والتي سبَّبها فشل محاصيل البطاطا، وبالنظر إلى ارتفاع الرسوم الجمركية على الواردات، أصبح الطعام من أماكن أخرى باهظ الثمن، مما تسبب في ندرته. كان التخلي عن قوانين الذرة بعد فترةٍ وجيزةٍ نقطةَ تحولٍ نحو التجارة الحرة، سواءً في المملكة المتحدة أو عبر أوروبا. ساعد الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم David Hume بشكلٍ كبير في الدفاع عن قضية التجارة الحرة من خلال آلية تدفق الأسعار التي نشرها.

يرى الحمائيون فقط الوظائف المفقودة بسبب التجارة الحرة بدلًا من الوظائف التي توفرها. تخفض التجارة الحرة الأسعار مما يوفر للمستهلكين أموالًا أكثر في جيوبهم. علاوةً على ذلك، لا يفكر المنتج في الحمائية إلا بمعزل عن الآخر، ولا يدرك أنه من خلال التجارة الحرة قد يحصل على إمداداتٍ أرخص لبناء سلعه، مما يسمح له بالتنافس مع المنتجين الأجانب. كما أنه لا يدرك أنه سيكون قادرًا على شراء سلعٍ أخرى بأسعارٍ أفضل. حتى السلع الأجنبية المدعومة مرحبٌ بها، حيث تغطّي الحكومة الأجنبية بشكلٍ أساسي خسائرَ المنتجين الخاصة بهم حتى نتمكن من الحصول على سلع أرخص، وبشكلٍ أساسي، موادَّ مجانيةٍ.

من بين أشياء أخرى، تحدث سميث بتفصيلٍ كبيرٍ عن مخاطرَ الاحتكار المحلي وآثاره السلبية على الأسعار والقدرة التنافسية. كما تحدث عن تشوهات السوق التي أوجدتها الحمائية، حيث يُخصَّص رأس المال لإنتاج السلع التي تتمتع بها البلدان الأجنبية على رأس المال، بدلًا من استخدام نفس رأس المال لإنتاج السلع التي تكون الدولة المحلية أكثر فاعليةً فيها من البلدان الأجنبية.

فريديريك لست: أبو الاقتصاد الوطني والسياسات الحمائية

 كان فريديريك لست Friedrich List أستاذًا للاقتصاد السياسي في توبينجن، وليبراليًا سياسيًا، واضطر مثل الكثير من أبناء بلاده إلى مغادرة منطقته والهجرة إلى ولاية بنسلفانيا في أمريكا. هناك أصبح صحفيًا، كما تعرف على بعض التقاليد الأمريكية الخاصة بالاقتصاد الوطني؛ كان هنري شارلز كاري Henry Charles Carey يترأس هذا التقليد في سنة 1827م، نشر فريدريك لست الخطوط العريضة للاقتصاد السياسي الأمريكي. وبعد عودته إلى ألمانيا في عام 1832 طوَّر أفكاره في عمله الرئيسي المعروف بـ “النظام الوطني للاقتصاد السياسي” The National System of Political Economy في سنة 1846 قتل فريدريك لست نفسه بينما كان مريضًا بشكلٍ قوي، لكن أفكاره بقيت على قيد الحياة وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ على السياسات الاقتصادية إلى يومنا هذا.

بحلول عام 1850 كان السؤال المُلحّ لجميع رجال الدولة هو الطريق الأفضل للتقدم الاقتصادي. كان النموذج الرئيسي هو النموذج الذي طرحه الاقتصاديون الكلاسيكيون مثل آدم سميث Adam Smith وريكاردو David Ricardo وجان بابتيست ساي Jean Baptiste Say، والذي كان يستند على التجربة التاريخية لبريطانيا العظمى. كانت الوصفات المركزية هي حكومة صادقة وفعالة لكن محدودة، وتنمية مدفوعة تموّلها قرارات الاستثمار الخاص، والتجارة الحرة. كانت هذه هي السياسة التي اتبعتها الاقتصادات الناجحة، مثل اقتصادات بريطانيا وبلجيكا وفرنسا (بعد 1830)، والبعض في ألمانيا.

جادل فريدريك لِست قائلًا بأن سياسة التجارة الحرة والحكومة المحدودة لآدم سميث كانت غير عملية، وطوباوية، وخطرة. كانت فكرته الأساسية هي أن الأمم، التي تقف بين الجنس البشري والفرد، هي الجهات الفاعلة الحقيقية في التاريخ والاقتصاد. وبالتالي لمصالحها أهميةٌ قصوى. في عالم من الدول المتنافسة يرى أن الهدف الرئيسي للتجارة والإنتاج هو أقصى قوة وازدهار لمواطني كل دولة وحدها بشكلٍ مستقلٍ عن الدول الاخرى.

أصبحت هذه الأفكار ذات تأثيرٍ متزايد، خاصةً في ألمانيا مسقط رأسه بعد ظهور بسمارك Bismarck. وبحلول عام 1878، عندما تم التخلي عن التجارة الحرة أخيرًا، اعتُمِد برنامج فريديريك لست الاقتصادي بأكمله.

العناصر الأساسية هي حماية الصناعة والزراعة، وتوفير الدولة للبنية التحتية؛ وتوجيه الدولة وتشجيع الاستثمار من خلال القروض “الميسرة”، والضمانات، وحتى الاستثمار المباشر للدولة. شجّعت الدولة الصناعة الثقيلة؛ كان من المهم أيضًا وجود نظام رعاية صحية عام وتعليم حكومي، يهدف كلاهما إلى تعزيز الوعي والولاء الوطني، ووجود مؤسسة عسكرية كبيرة كان مهمًا أيضًا.

في البداية كانت هذه السياسة ناجحةً على ما يبدو في ألمانيا، فقد نمت هذه الأخيرة بسرعةٍ كبيرة، وبحلول عام 1900م أصبحت ألمانيا ثاني أكبر منتجٍ للصلب في العالم وأكبر منتج للمواد الكيميائية السائبة.

ومع ذلك، فقد ظهر عددٌ من المشاكل الاقتصادية الخطيرة. كان الجزء الرئيسي من السياسة هو توجيه الاستثمار عن طريق خفض التكلفة بشكلٍ مصطنع وتضخيم العائدات لأنواعٍ معينةٍ من الاستثمار. وأدى ذلك إلى سوء استثمار كبير وإلى قدْرٍ كبيرٍ من القدرات غير الاقتصادية؛ بمعنى أنه لا يمكن بيع الإنتاج بسعر يحقق عائدًا. وقد زاد هذا سوءًا لأن الطلب المحلي كان منخفضًا بسبب الضرائب والرسوم الجمركية والأسعار المرتفعة، بحيث كانت العملية تعتمد بشكلٍ متزايدٍ على الصادرات (خاصةً إلى بريطانيا، التي ظلت موالية للتجارة الحرة). لكن ذلك أصبح صعبًا لأن الحمائية جعلت من الصعب إعطاء البضائع في المقابل.

هنا نعود لنصيحة هنري هازليت Henry Hazlitt حول السياسات الاقتصادية في كتابه “الاقتصاد في درس واحد” بحيث أشار على أنه هناك:

“عامل رئيسي يولّد مغالطاتٍ اقتصاديةً جديدةً كل يوم، إنه الميل المستمر لدى البشر لرؤية الآثار الفورية لسياسة بعينها فقط، أو رؤية آثارها على جماعة معينة فقط، وتجاهل الاستقصاء عن ماهية الآثار الطويلة المدى لتلك السياسة على الجماعات كلها وليس على تلك الجماعة وحدها. إنها مغالطة تجاهل التبعات الثانوية. وفي هذا يكمن الاختلاف الكامل بين الفكر الاقتصادي الجيد والسيئ، فالفكر الاقتصادي السيئ لا يرى إلا ما يسترعي الانتباه فورًا، لكن الخبير الاقتصادي الجيد ينظر كذلك إلى ما وراء ذلك. فالاقتصادي السيئ لا يرى إلا التبعات المباشرة لإجراءٍ مقترح، بينما ينظر الاقتصادي الجيد كذلك إلى التبعات غير المباشرة الأبعد أمدًا؛ لا يرى المفكر الاقتصادي السيئ إلا الأثر المترتب أو الذي سيترتب على سياسةٍ بعينها على جماعة بعينها، فيما يتقصى المفكر الاقتصاد الجيد أثر تلك السياسة على كل الجماعات”.

المغالطة التي وقع فيها فريدريك لست هي عدم النظر إلا إلى الآُثار المباشرة للتعريفة على جماعات بعينها، وتجاهل النظر في الآثار البعيدة المدى على المجتمع بأكمله.

عند مراجعة أفكار فريديريك لست الاقتصادية سنجد أنها صورةٌ طبق الأصل لأفكار جون ماينارد كينز John Maynard Keynes الذي يُعتبر الشخص الذي أكمل عمل فريريديك لست في القرن العشرين، وهنا يمكن لنا فهم الجهل والمغالطات الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها طريقة التفكير الاقتصادية هذه.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
تعليقات
جاري التحميل...