in

الحمائية: روادها، وتاريخها، وعواقبها

“يتبلور فن الاقتصاد في النظر إلى آثار المدى الأبعد لأي إجراء أو سياسة وليس فقط إلى الآثار المباشرة، إنه يتبلور في تتبع آثار تلك السياسة على كل الجماعات وليس على جماعة واحدة بعينها”.

– هنري هازليت

تُعدّ الحمائية سياسةً اقتصاديةً تقيد الواردات من البلدان الأخرى من خلال أساليب من مثل التعريفات الجمركية على البضائع المستوردة وحصص الاستيراد ومجموعة متنوعة من اللوائح الحكومية الأخرى. يزعم المؤيدون أن السياسات الحمائية تحمي المنتجين والعاملين في القطاع المنافس للاستيراد في البلاد من المنافسين الأجانب وحماية المنتوج المحلي. ومع ذلك، فإنها تقلل أيضًا من التجارة وتؤثر سلبًا على المستهلكين بشكلٍ عام (عن طريق رفع تكلفة السلع المستوردة)، وتضر المنتجين والعمال في قطاعات التصدير، سواءً في الدولة التي تنفذ سياساتٍ حمائيةً أو في البلدان المحمية ضدها.

تُستخدَم مجموعةٌ متنوعةٌ من السياسات لتحقيق الأهداف الحمائية؛ وتشمل هذه السياسات:

التعريفات الجمركية وحصص الاستيراد: وهي أكثر أنواع السياسات الحمائية شيوعًا؛ التعريفة الجمركية هي ضريبةٌ مفروضة على البضائع المستوردة. فُرِضت التعريفات الحديثة في الأصل لزيادة الإيرادات الحكومية، وهي الآن مصممةٌ في أغلب الأحيان لحماية المنتجين المحليين الذين يتنافسون مع المستوردين الأجانب. حصة الاستيراد هي حد لحجم السلعة التي قد تُستورَد بشكلٍ قانونيٍّ من الخارج، وعادةً ما يحددها قانونيًا نظامُ ترخيص الاستيراد.

– حماية التكنولوجيات وبراءات الاختراع والمعرفة التقنية والعلمية.

– القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر، مثل القيود المفروضة على حيازة المستثمرين الأجانب للشركات المحلية.

الحواجز الإدارية: تتهم البلدان في بعض الأحيان باستخدام قواعدها الإدارية المختلفة (على سبيل المثال فيما يتعلق بسلامة الأغذية، والمعايير البيئية، والسلامة الكهربائية، وما إلى ذلك) كوسيلةٍ لوضع الحواجز أمام الواردات.

تشريعات مكافحة الإغراق: “الإغراق Dumping” هو ممارسة الشركات التي تبيع لأسواق التصدير بأسعارٍ أقل مما تفرضه الأسواق المحلية. يزعم مؤيدو قوانين مكافحة الإغراق بأنهم يمنعون استيراد السلع الأجنبية الرخيصة التي قد تتسبب في إغلاق الشركات المحلية. ومع ذلك، في الممارسة العملية، عادةً ما تُستخدم قوانين مكافحة الإغراق لفرض الرسوم الجمركية على المصدّرين الأجانب.

الإعانات المباشرة: تُقدَّم الإعانات الحكومية (في شكل مدفوعاتٍ مقطوعة أو قروضٍ رخيصة) إلى الشركات المحلية التي لا يمكنها منافسة الواردات بشكلٍ جيدٍ. تهدف هذه الإعانات إلى “حماية” الوظائف المحلية، ومساعدة الشركات المحلية على التكيف مع الأسواق العالمية.

– إعانات التصدير: غالبًا ما تستخدم الحكومات إعانات التصدير للزيادة من حجم الصادرات؛ يكون لدعم الصادرات أثرٌ معاكس من تعريفات التصدير لأن المصدّرين يحصلون على مكافئةٍ، وهي نسبةٌ مئوية أو نسبةٌ من قيمة الصادرات. تزيد إعانات التصدير من مقدار التجارة، وفي بلدٍ ذي أسعار صرفٍ عائمة، تكون لها تأثيراتٌ مشابهةٌ لإعانات الاستيراد.

– مراقبة سعر الصرف: تقوم الحكومة بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي لخفض قيمة عملتها عن طريق بيع عملتها في سوق الصرف الأجنبي؛ يؤدي ذلك إلى رفع تكلفة الواردات وخفض تكلفة الصادرات، مما يؤدي إلى تحسن في ميزانها التجاري. ومع ذلك، فإن مثل هذه السياسة فعالة فقط على المدى القصير، حيث إنها ستؤدي إلى ارتفاع التضخم في البلاد على المدى الطويل، مما يؤدي بدوره إلى رفع التكلفة الحقيقية للصادرات، وتقليل السعر النسبي للواردات.

أنظمة براءة الاختراع الدولية: هناك حجة تنظر إلى أنظمة البراءات الوطنية باعتبارها عباءةً للسياسات التجارية الحمائية على المستوى الوطني. يوجد طريقان لهذه الحجة: أحدهما عندما تشكل براءات الاختراع التي يحتفظ بها بلدٌ ما جزءًا من نظامٍ ذي ميزةٍ نسبيةٍ قابلةٍ للاستغلال في المفاوضات التجارية ضد الآخر، والثاني حيث يمنح الالتزام بنظام عالمي للبراءات مكانة “المواطنة الصالحة” على الرغم من “أنها في الأمر الواقع تُعدّ حمائيةً”.

يوضح بيتر دراوس:

“أدركت الدول أن أنظمة براءات الاختراع يمكن أن تُستخدَم كغطاءٍ للسياسات الحمائية. كما أن هناك مزايا لسمعة الدول التي يُنظر إليها على أنها متمسكةٌ بأنظمة الملكية الفكرية. يمكن للمرء حضور المراجعات المختلفة لاتفاقيتي باريس وبرن والمشاركة في الحوار الأخلاقي العالمي حول الحاجة إلى حماية ثمار العمل الكتابي وعبقرية الابتكار… وسيمكّنه هذا من معرفة كل حين أن نظام الملكية الفكرية المحلي للمرء كان سلاحًا حمائيًا مفيدًا للحكومات لتطبيق هذه السياسة بطريقةٍ غير مباشرةٍ”.

الحملات السياسية التي تدافع عن الاستهلاك المحلي: (مثل حملة “اشترِ الأمريكي” في الولايات المتحدة الأميركية، والتي يمكن اعتبارها ترويجًا غيرَ قانونيٍّ للحمائية).

– الإنفاق الحكومي التفضيلي: مثل قانون الشراء الأمريكي Buy American Act، وهو التشريع الاتحادي الذي دعا حكومة الولايات المتحدة إلى تفضيل المنتجات أمريكية الصنع في مشترياتها.

علاوةً على ذلك، يشير آخرون إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة تحتوي غالبًا على أحكامٍ حمائيةٍ من مثل الملكية الفكرية وحقوق النشر وقيود براءات الاختراع التي تستفيد منها الشركات الكبرى. تقيّد هذه الأحكام التجارة في الموسيقى والأفلام والمستحضرات الصيدلية والطبية والبرامج وغيرها من المواد المصنعة للمنتجين ذوي التكلفة العالية مع تحديد حصص من المنتجين ذوي التكلفة المنخفضة إلى الصفر.

من السياسات الحمائية الشهيرة سياسةُ التصنيع لاستبدال الواردات وسوف أشرحها الآن.

التصنيع لاستبدال الواردات Import substitution industrialization:

التصنيع لاستبدال الواردات هي سياسة اقتصادية وتجارية تؤيد أن تحل المنتجات المحلية محل الواردات الأجنبية، تفترض هذه السياسة أن الدولة يجب أن تحاول خفض اعتمادها على الخارج من خلال تصنيع المنتجات المطلوبة محليًا. يشير هذا المصطلح بشكلٍ رئيسيٍّ إلى سياسات اقتصاديات التنمية في القرن العشرين إلا أن عددًا من الاقتصاديين طرحوه منذ القرن الثامن عشر مثل فريدريش لست Friedrich List وألكسندر هاميلتون Alexander Hamilton.

سنّت العديد من الدول الجنوبية قوانينَ تتبنى هذه السياسة بهدف الوصول إلى التنمية والاكتفاء الذاتي من خلال إيجاد سوقٍ محلي. يتناسب التصنيع لاستبدال الواردات مع التنمية الاقتصادية التي تسيرها الدولة من خلال التأميم وتقديم الدعم الحكومي للقطاعات الحيوية وزيادة الضرائب وتبني سياسات تجارية حمائية. تخلت الدول النامية عن هذه السياسة تدريجيًا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين بسبب إصرار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على البرامج التي تهدف إلى تحرير التجارة في الدول الجنوبية.

أمثلة لبعض الدول التي قامت بتبني هذه السياسة وانتهت بنتائج كارثية على اقتصاد هذه الدول.

كوريا الجنوبية:

في أوائل الستينيات، تبنت حكومة كوريا الجنوبية استراتيجية “التصنيع لاستبدال الواردات” أرادت الأمة المستقلة حديثًا السيطرة على مصيرها. أرادت إنتاج منتجاتٍ مهمة بمفردها بدلًا من الاعتماد على منتجات أخرى، ومن ثم نفذت برامجَ وسياساتٍ تفضل الإنتاج المحلي للسلع المهمة مثل الصلب والأسمدة.

ومع ذلك، فإن الافتقار إلى الموارد الطبيعية، وبالنظر إلى أن السوق المحلية كانت صغيرة، فإن استبدال الواردات لم يكن استراتيجيةً قابلةً للاستمرار لكوريا الجنوبية لأنها أدت لخنق الاقتصاد وانخفاض النمو الاقتصادي، فكانت ردة الفعل هي التحول إلى استراتيجية نمو تقوده الصادرات. أطلقت كوريا برامجَ لاستهداف صناعات التصدير، والتي من شأنها كسب العملات الأجنبية القيمة من الأسواق الكبيرة في الخارج، ودفع ثمن الواردات الهامة.

في الأعوام الخمسة عشر بعد التخلي عن سياسة “التصنيع لاستبدال الواردات, نما إجمالي الناتج المحلي لكوريا الجنوبية بمعدل 9.5% سنويًا، والذي كان أحد أعلى المعدلات في العالم  بين عامي 1965 و1980.

تركيا:

بعد وفاة أب تركيا الحديثة كمال أتاتورك في عام 1938، طوّرت تركيا ديمقراطيةً متعددة الأحزاب، ومثل أغلب الدول المستقلة حديثًا، بدأت تركيا باستراتيجية “التصنيع لاستبدال الواردات”. استثمرت الحكومة في مؤسسات الدولة وأصبحت تمارس سيطرةً كبيرةً على الاقتصاد بسبب هذه السياسات الحمائية؛ عانت تركيا من أزماتٍ ماليةٍ من وقتٍ لآخر. تدخل الجيش بنشاط في السياسة التركية بانقلاباتٍ عمليًا كل عشر سنوات إلى عشرين عامًا.

وفي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، نفّذ الجيش، بمشورةٍ من صندوق النقد الدولي، سياساتٍ من أجل تحرير الاقتصاد وخفض القيود الاقتصادية الحكومية وتشجيع التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

استراتيجية ماكدونالدز للدخول إلى الاتحاد السوفيتي

تاريخ الحمائية