شغف المعرفة

عندما يتناقض القانون والأخلاق

في مسرحية سوفوكليس Sophocles، أرادت الشخصية الرئيسية أنتيغون Antigone أن تدفن أخاها الذي خان المدينة، ولكن الملك جعل من غير القانوني دفنه بشكلٍ لائقٍ. اختارت أنتيغون أن تقوم بما اعتقدت أنه صحيحٌ، وما أخبرتها الآلهة أن تفعله؛ لقد انتهكت القانون وحُكم عليها بالإعدام.

سيكون معظمنا أنتيغون للحظةٍ واحدةٍ على الأقل في حياتنا، سنواجه جميعًا قوانينَ تتعارض مع معتقداتنا الشخصية، لكننا سنقابها بشكلٍ مختلف، اليوم فإنّ معضلة سوفوكليس حيةٌ أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

سيادة القانون

وفقًا لسقراط Socrates؛ إن القوانين عادلةٌ دائمًا، وعلى الإنسان أن يطيع الدولة دائمًا؛ وعندما حُكم عليه بالإعدام، كانت لديه فرصةٌ للهروب، إلا أنه لم يفعل. يُثنى عليه اليوم لهذا السبب؛ لقد اعتقد أن القوانين هي التي سمحت له بالحياة، والتعلُّم، والعيش حياةً سعيدةً.

نشهد اليوم صعود الحكومة الكبيرة Big government ، ويولد قانونٌ جديدٌ كلَّ يوم. يخضع جميع الأشخاص والمؤسسات للقانون المفروض؛ هذه هي سيادة القانون، وهي ما تُعتبَر أساس الديمقراطية. ومن المقبول الآن على نطاقٍ واسعٍ بين المحامين أن القانون أعلى من الأخلاق، إذ يجادلون بأن الأخلاق ذاتيةٌ، وأن القانون هو ما وُضِع وطُوِّر من أجل الصالح العام.

بدون قوانين، سيكون العالم فوضويًا وغيرَ آمن؛ غالبًا ما نعدّ الأشخاص الذين يحترمون القوانين أشخاصًا “صالحين”، والذين لا يحترمونها أشخاصًا “سيئين”.

عصيان مدني

القوانين ليست عالمية، فما هو قانونيٌّ في بعض البلدان قد يكون غير قانونيٍّ في بلدانٍ أخرى؛ أحيانًا لكي تفعل الصواب، عليك خرق القانون، لأن القانون لا يعني بالضرورة الصواب. في النهاية ما الذي يجعل القانون أكثر من رأي وسلاح؟

كان أرسطو Aristotle من الأشخاص الأوائل الذين ميزوا بين المواطن الصالح والإنسان الصالح في حواره مع سقراط حول الأخلاق النيقوماخية Nicomachean ethics:

“أن تكون إنسانًا صالحًا ومواطنًا صالحًا، ليس دائمًا الأمر ذاته”.

قدم الفيلسوف وعالم الطبيعة هنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau، الواجب الأخلاقي للعصيان في مقالته العصيان المدني Civil Disobedience. اعتُقِل لرفضه دفع الضريبة البالغة دولار واحد، لم يكن يريد دفعها بسبب معارضته للعبودية والحرب مع المكسيك، لقد اعتقد أن من واجب الناس أن يكونوا عادلين وأن لا يدعوا الحكومات تتخطى ضمائرهم، وانتقد مَن أطاعوا القانون الحكومي حتى عندما اعتقدوا أنه غير عادلٍ، وقال بأنه يجب أن يكون كلّ شخصٍ حرًا في التصرف وفقًا لضميره، إنه يريد أن تنسجم معتقداتنا مع أفعالنا.

في عصر المعلومات، فالعصيان المدني أمرٌ واجبٌ أيضًا. خرق سنودن Snowden القانون من أجل الشعب، ولقد عرّض نفسه لمخاطرَ شخصيةٍ كبيرةٍ من خلال تسريب معلومات حول برامج وكالة الأمن القومي الأميريكية NSA: بريسم Prism، وبالوندلس إنفورمانت Boundless Informant، وإكس كي سكور XKeyscore ، التي تجمع وتحلل كمياتٍ ضخمةٍ من البيانات الشخصية عن الأميركيين والأجانب؛ لقد فعل ما اعتقد أنه صوابٌ.

وكذلك فعل جوليان أسانج Julian Assange، مؤسس موقع ويكيليكس wikileaks الذي اعتُقِل مؤخرًا، فقد قدّم معلوماتٍ خاصةً عن الشركات للجمهور مجانًا، واعتُقِل. يقدم مارك زوكربيرج Mark Zuckerberg معلوماتٍ خاصةً بالأشخاص إلى الشركات من أجل المال وهو رجلٌ حرٌّ، لا يخبرنا هذا بالكثير عن النظام القانوني.

يقول جوليان أسانج: “في كلّ مرةٍ نشهد فيها ظلمًا ولا نتصرف، ندرّب شخصيتنا على أن تكون سلبيةً أمامها، وفي النهاية نفقد كل القدرة على الدفاع عن أنفسنا وعن الأشخاص الذين نحبهم”.

لا ينبغي لنا أن نبخس من حقيقةٍ كون البشر هم من يضعون القوانين، والبشر خطاؤون؛ يسأل فريدريك باستيا Frederic Bastiat سؤالًا عظيمًا، وهو: “ألا ينتمي المشرّعون ووكلاؤهم المعيَّنون أيضًا إلى الجنس البشري؟ أم هل يؤمنون بأنهم مصنوعون من طينٍ أسمى من بقية البشر؟”.

قد يعتقد المرء أن البشر يضعون القوانين لحماية حياة الإنسان وملكيته، ولكن في كثير من الأحيان تمتزج القوانين مع النرجسية البشرية ووجهات النظر الملتوية، ويمكن لمحامٍ جيد بسهولة أن يلعب بالقانون.

يقول بانسكي Bansky: “إن أكبر الجرائم في العالم لا يرتكبها أشخاصٌ يخالفون القوانين بل أشخاصٌ يتبعونها. إن البشر هم من يتبعون الأوامر التي أسقطت القنابل ونفذت مذابح القرى”.

تُعدّ القوانين التي تضمن العبودية أمثلةً واضحةً للقوانين الظالمة جدًا؛ كان في ألمانيا النازية عددٌ هائلٌ من القوانين المعادية لليهود. لا يوجد سببٌ للاعتقاد بأنه لمجرد إقرار القانون، فهو الأفضل أو أنه صحيح أو أخلاقي.

لا تُعدّ القوانين الظالمة والاستبدادية جزءًا من الماضي فقط؛ في الآونة الأخيرة تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron بتجريم انتقاد الصهيونية، ووقع أكثر من 400 مثقف رسالة مفتوحة للاحتجاج، وجاء فيها: “سنخرق هذا القانون بكلماتنا وكتابتنا وفننا وأعمالنا التضامنية”.

لا يمكننا التحدث عن العصيان المدني دون اقتباس توماس جيفرسون Thomas Jefferson: “إذا كان القانون ظالمًا، فالإنسان ليس محقًا فقط في عصيانه؛ إنه مُلزَمٌ بذلك”.

يجب أن يكون القانون محترمًا كي يُحتَرم.

القانون الإلهي

ولكن هل من الصواب دائمًا خرق القانون واتباع معتقداتك الشخصية؟

خرق مطلق النار النيوزيلندي القانون وقتل 50 مسلمًا في كرايستشيرش Christchurch لأنه اعتقد أنه كان يفعل ذلك من أجل الصالح الأكبر، وقال إنه يعتقد أن هناك حاجة إلى القيام بما فعله، حتى أنه كتب بيانًا يشرح سبب خرقه القانون وإنهاء حياة الكثيرين.

إذا عدنا إلى قصة أنتيغون، فإنها لم تشأ احترام قانون الملك لأنها أرادت أن تفعل ما اعتقدت أنه صحيح؛ احترمت قانون الإله ودفنت شقيقها، مع أنه كان خائنًا.

أكد روسو Rousseau في العقد الاجتماعي The social Contract أن الذكاء المتفوق يجب أن يمنح الإنسان قوانين:

“لاكتشاف قواعد المجتمع الأكثر ملاءمةً للأمم، يتوجب وجود ذكاء متفوق يمكنه فهم عواطف البشر دون أن يشعر بأيٍّ منها، ولا يتشابه مع طبيعتنا ولكنه يعرفها تمامًا، وتكون سعادته مستقلةً عن سعادتنا، ويجعل سعادتنا اهتمامه، ويكون راضياً عن الانتظار كامل الوقت من أجل مجدٍ بعيدٍ، والعمل في عصرٍ ما للاستمتاع بثمار عمله في عصرٍ آخر. ستُحتاج الآلهة لمنح الإنسان القوانين”.

بالفعل كان من الأسهل لو أن الله كتب قوانينَ عالميةً في السماء. عبر التاريخ، ادّعت كلُّ حضارةٍ أنها تعرف شريعة الله، ونادرًا ما انتهى الأمر بشكلٍ جيد. الأديان مثيرةٌ للجدل.

لنبدأ بإلقاء نظرةً عامة على شرع الله في الشرق الأوسط. لدى العديد من الدول من مثل السعودية وإيران قوانينُ إسلاميةٌ.

يتصرف الناس هناك وفقًا لما يعتقدون أنه صواب، ويستمدون أخلاقهم من القرآن؛ كلمة الله. تستغل هذه الدول الثيوقراطية حق غير المؤمنين والأقليات. تكاد الحرية الفردية تكون معدومة. على سبيل المثال، يمكن جلد أو سجن المرأة التي لا ترتدي الحجاب في إيران. طلب الله من النساء ارتداء ملابسَ معينة؛ هذه شريعة الله وتحديها أمرٌ غيرُ مقبولٍ وغيرُ قانوني.

يُعدّ زواج الأطفال شرعيًّا في مثل هذه البلدان لأن الرسول دعا له، وهو المثال الذي يجب عليهم اتباعه. يشعر الإرهابيون الذين يتبعون ترجمةً حرفيةً للقرآن أنهم ملزَمون بقتل الكفار (غير المسلمين).

فصل الغرب بين الدين والدولة لسببٍ ما. بمعنىً آخر، ليس “قانون الله” ما يحتاجه العالم.

أين تُرسم الحدود؟

من الصعب التفكير في عالم بقوانين عالمية، ولكن من المستحيل التفكير في عالم بلا قوانين. يجب أن تقمع القوانين الجيدة الأشرار، ويجب أن يوقف الأشخاص الطيبون القوانين السيئة. ولكن إذا كانت القوانين الإنسانية منحرفة، ولا يوجد كائن خارق على استعداد لتوجيهنا؛ فكيف تُوضَع القوانين؟

لقد برهن الليبراليون على ذلك: “إن الإجراءات الوحيدة التي يجب أن يحظرها القانون هي تلك التي تتضمن استخدام القوة ضد الذين لم يستخدموا القوة”.

يجب أن يكون هذا أساس التشريع، وبهذه الطريقة نحمي الناس من التعسف ونحد من القوانين والتشريعات غير الضرورية؛ وبعبارةٍ أخرى فنحن نضع الحكومة في المقعد الخلفي.

عندما يتناقض القانون والأخلاق، من ستكون؟ هل أنت أنتيغون، على استعدادٍ لمواجهة تداعيات لخرق القانون لأنه يتعارض مع معتقداتك الشخصية والدينية؟ أم أهل البلدة الذين اختاروا الالتزام بقانون الملك؟ ربما ستكون إيسمان Ismene أخت أنتيغون التي لم تتمكن من اختيار جانب؟

هذا المقال يُعبر عن رأي كاتبه، و قد لا يعبر بالضرورة عن وندرلاست
  • المقال الأصلي كتبته رومي الهبر، صحفية لبنانية، في موقع (تكلّم بحريّة) سبيك فريلي SPEAK FREELY.
  • ترجمة: رأفت فياض.

المصدر

تعليقات
جاري التحميل...