شغف المعرفة

حرية الصحافة والحرية الاقتصادية يسيران جنبًا إلى جنب

“إن حريةَ الصحافة أحدُ أعمدةِ الحرية”.

جورج ماسون؛ أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية.

تتعرض حرية الصحافة للهجوم في جميع أنحاء العالم؛ وتُظهر طبعة عام 2019 من مؤشر حرية الصحافة -التي صدرت مؤخرًا- انخفاضًا كبيرًا في حرية الصحافة، وهو اتجاه استمر منذ عدة سنوات. 

كما كتبت مؤسسة مُراسلون بلا حدود، التي تعمل على تجميع المؤشرات في كل عام: “تحولت كراهية الصحفيين إلى عنف” في هذه المرحلة؛ “مما ساهم في زيادة الخوف“. وفي غضون ذلك، “تُواصِل الأنظمة الاستبدادية تشديدَ قبضتها على وسائل الإعلام“.

الهجمات على حرية الصحافة

لا شك في أن الهجمات على حرية الصحافة مروعة؛ غير أن معظم العالم الغربي يَعدّها -أو على الأقل كان يفعل- مبدأً أساسيًّا لأي مجتمع حر. ومع ذلك، فقدَ هذا المبدأ قيمته في الآونة الأخيرة، خاصة في الغرب. 

كثيرًا ما يتعرض الصحفيون للاغتيال بسبب تقاريرهم؛ ومعظمهم بسبب انتقاداتهم للحكومات: من الاغتصاب الوحشي لفيكتوريا فرينيا (Viktoria Marinova) واغتيالها في بلغاريا ومقتل الصحفي السلوفاكي يان كوتشياك (Ján Kuciak) في العام الماضي، إلى مقتل مراسلة مالطية في عام 2017 في انفجار سيارة مفخخة ومقتل صحفي من إيرلندا الشمالية مؤخرًا بعيار ناري في العلن في أثناء أعمال شغب.

إن الطريقة التي تعاملت بها الحكومات مثل معاملة حكومات المجر وروسيا وتركيا لأصوات المعارضة في الصحافة وُثِّقت جيدًا، مع قمع وسائل الإعلام الحرة التي غالبًا ما يتم مصادرتها، واعتقالات ضد الصحفيين غير الراغبين في الامتثال، وغيرها من السياسات التي تحاول تقييد الصحفيين عن القيام بعملهم.

والأقل شهرة من ذلك هي الطلبات المتزايدة من طرف السياسيين في الدول، التي يفترض أنها لا تزال حرة، للتخلص من حرية الصحافة غير المقيدة.

على سبيل المثال: اقترح سياسيو الاتحاد الأوروبي لوائح قانونية بشأن الصحافة، وقال رئيس المفوضية جان كلود جونكر: “إن حرية الصحافة لها حدودها أيضًا“. وجادل جيريمي كوربين؛ زعيم حزب العمال في المملكة المتحدة بأن “التغيير قادم” إلى البريطانيين عندما يصبح رئيس وزراء. ليست هناك حاجة لمزيد من التعليق على موقف البيت الأبيض من هذا.

مع انخفاض حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم -والآن أيضًا في العالم الغربي- يبدو من الطبيعي البحث عن حلول لمحاولة حمايةِ واحدةٍ من أهم لبنات بِنيان أي مجتمع ليبرالي.

كما أوردَ جورج ماسون؛ أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة في قوله: “إن حرية الصحافة هي أحد أعمدة الحرية“، واعتقد صموئيل آدمز أن “لا يوجد شيء مُخيف ومثير للقلق؛ ما من شيء أكثر فظاعة بالنسبة إلى الطغاة… مثل الصحافة الحرة”.

الحريةُ الاقتصاديةُ وحريةُ الصحافة يسيران جنبًا إلى جنب

عند النظر إلى الترتيب الجديد من “مراسلون بلا حدود”، يظهر لنا بشكل عام أنه كلما كانت الدولة أكثر حرية اقتصاديًا، كانت الصحافة أكثر حرية أيضًا. إن مقارنة درجات بلد ما في مؤشر حرية الصحافة مع الدرجات الموجودة في مؤشر الحرية الاقتصادية من تقرير The Heritage Foundation يدل على وجود علاقة واضحة بينهما.

يستمر ظهور “المصادفات” عند النظر إلى البلدان التي تعمل بشكل جيد وتلك التي لا تفعل؛ تمثل الدولُ الآتية: النرويج وفنلندا والسويد وهولندا والدنمارك الدولَ الخمسَ الأكثر تتمتعًا بحرية الصحافة عالميًّا -تليهم سويسرا ونيوزيلندا- بالإضافة إلى احتوائهم اقتصادات سوق فعالة، وقدر كبير من الحرية في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء. (على العكس مما يقوله أمثال بيرني ساندرز أو بيل ماهر).

وفي الوقت نفسه، إن البلدان التي يمكن اعتبارها بعيدة كل البعد عن الحرية الاقتصادية هي الأسوأ، من مثل: تركمانستان وكوريا الشمالية والصين وإريتريا. فنزويلا؛ البلد الذي عانى فوضى عارمة منذ عدة سنوات بسبب السياسات الاشتراكية ووصل إلى مستويات جديدة من الميول الاستبدادية في الأشهر الأخيرة، ثم إنه تخلَّف في التصنيف العالمي لحرية الصحافة وأصبح الآن في المرتبة 148 عالميًا من ناحية حرية الصحافة من أصل 180 مركز.

إن كل ما أسلف ليس مُستغرَبًا جدًا؛ كما كتب لودفيج فون ميزس في مؤلَّفه عقلية مناهضة للرأسمالية (The Anti-Capitalistic Mentality): “لا يمكن أن توجد صحافة حرة إلا إذا كان هناك قطاع خاص يسيطر على وسائل الإنتاج“؛ أي في نظام قائم على حقوق الملكية الخاصة الآمنة. وأشار فريدريك هايك إلى أن: “لا يمكن أن يكون هنالك حرية صحافة إذا كانت أدوات الطباعة تخضع لسيطرة الحكومة”.

ما إن يُسيطَر على وسائل الإعلام من قبل أيدي الحكومة، يمكنها التحكم في ما يُطبَع؛ ولسوء الحظ، حالما تحقق ذلك، لم تكن الحكومات لتخجل -تاريخيًا- من استخدام السيطرة على الصحافة لأغراضها الخاصة.

يمكن أن توجد الصحافة الحرة فقط في بيئة حرة. وهذا يثبت مرة أخرى أن نوعًا من الحرية -مثل حرية الصحافة- لا يمكن أن تتحقق بدون حرية من نوع آخر؛ مثل الحرية الاقتصادية

أو بعبارة أخرى؛ بالنسبة إلى مشهد إعلامي مزدهر ومستقل وحين يكون الصحفيون أحرارًا في أداء أعمالهم، نحتاج إلى مجتمع حر مع وسائل إعلام خاصة. كما يمكن العثور على أن هذا الدرس المهم من خلال الأخبار المحزنة المتمثلة في تراجع حرية الصحافة في مؤشر حرية الصحافة الأخير.

  • ترجمة: محمد مطيع.
  • مراجعة وتدقيق: نور عبدو.

المصدر

تعليقات
جاري التحميل...