شغف المعرفة

الاقتصاد غير الرسمي: أسبابه، وحلوله، وعواقبه

يُقصد بالاقتصاد غير الرسمي كل النشاطات الاقتصادية التي تحدث خارج مجال المؤسسات الرسمية في ظل بيئة قانونية وتشريعية. ينتشر هذا النشاط الاقتصادي غير الرسمي بشدة في دول العالم الثالث والدول النامية، و الإشكال أنه لا يدخل ضمن الناتج القومي الإجمالي ولا يكون خاضع لمراقبة أو حماية القانون والتشريعات الرسمية للدولة. واليوم نجد أن نحو 1.8 مليار شخص في العالم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي.

تكمن مشكلة رواد الأعمال في القطاع غير الرسمي في أنهم ليسوا جزءًا من النظام، وبسبب هذا يعانون من العديد من المشاكل والمصاعب في تسيير أعمالهم، على سبيل المثال لا يمكنهم كتابة عقد قانوني لخدماتهم، وليس لديهم ضمان للحصول على الائتمان، لا يمكنهم إصدار أسهم لجذب المستثمرين المحتملين من أجل رفع رأسمالهم، لا تحميهم السلطات ولا يُعترَف بوجودهم كليًا في اقتصاد الدولة.

لماذا لا تنمو معظم أعمال رجال الأعمال ولا تتوسع بالشكل المطلوب؟ لماذا يصعب عليك تنمية عملك التجاري في معظم أنحاء العالم؟ لماذا يصعب على رواد الأعمال المحليين التواصل مع بقية العالم؟

ستشرح أجوبة هذه الأسئلة سبب ظهور النشاط الاقتصادي غير الرسمي ولماذا يتجه معظم الناس للعمل في هذا السوق عوضًا عن السوق الرسمي.

سبب ظهور النشاط الاقتصادي غير الرسمي

في العديد من الدول، قد يستغرق الأمر مئات الأيام من الانتظار في المكاتب الحكومية للحصول على إذن لفتح مخبز أو دكان. مما يمنع الجميع باستثناء الأغنياء والأشخاص المتصلين بشخصيات قوية من الوصول إلى “القطاع الرسمي” للنشاط الذي يُمصادَق عليه قانونيًا. نتيجةً لذلك، يُدفَع الفقراء إلى القطاع غير الرسمي، الذي يمثل غالبًا أكثر من 70% من الاقتصاد.

أدت سنوات من البحث إلى استنتاج هرناندو دي سوتو أن الخصخصة لم تفعل ما يكفي لمساعدة الفقراء في أمريكا اللاتينية وإفريقيا ومعظم دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، وذلك بالتحديد لأنها كانت مقصورًا على القطاع الرسمي. نظرًا لأن اغلب الفقراء يعملون في الاقتصاد غير الرسمي فهم لا يجنون فوائد أو حماية الملكية الخاصة التي يتوفر عليها الاقتصاد الرسمي.

ما يحدث لهؤلاء الناس في القطاع غير الرسمي أنه يُستولى على أراضيهم دون سابق إنذار وتُهدم منازلهم لمشروعات التنمية، ويتعرضون بانتظام لضغوط من الشرطة الفاسدة.

في كتاب The Mystery of Capital للاقتصادي هيرناندو دي سوتو المشهور بأعماله حول الاقتصاد غير الرسمي والملكية الخاصة، يشرح أن هذا هو السبب في أنه في كثير من الأحيان يبدو أن “الرأسمالية تنتصر في الغرب وتفشل في أي مكان آخر”.

تتبع الدراسة التي قام بها هيرناندو دي سوتو تطور الملكية الخاصة في نظام القانون العام في الغرب، ويوضح هذا التطور إلى ركود وفشل أنظمة التشريع القانوني في بقية العالم.

الآثار المترتبة على العالم النامي واضحة – فبدون الهيكل القانوني المناسب، فإن السوق ليس حرًا على الإطلاق. يجب أن تأتي الخصخصة جنبًا إلى جنب مع القوانين التي تعترف بحقوق ملكية الفقراء.

يمكن تلخيص هذه المشاكل إلى مشكلين رئيسيين: البيروقراطية والمحسوبية.

البيروقراطية والمحسوبية

تجعل هاتان المشكلتان إنشاء عمل تجاري أمرًا صعبًا على الفقراء، يجب عليك معرفة شخص ما في إدارات الدولة أو العثور على بعض المحامين الجيدين لمساعدتك للخروج من جميع تلك القواعد والتشريعات التي وضعتها الحكومة لرجل الأعمال لبناء مشروع – مغامرة أو تجارة خاصة.

قد يستغرق الأمر في بعض الأماكن في العالم أكثر من سنة من العراقيل والقواعد للحصول على تصريح لبدء أو ممارسة عمل قانوني. وهناك أيضًا مشاكل أخرى لأولئك الذين يرغبون في الحصول على سند الملكية الخاصة بهم، قد يستغرق الأمر سنواتٍ عديدة ومئات من الخطوات الإجرائية لتأمين ملكية أراضيهم.

يهاجر معظم الفقراء الذين يعملون في القطاع غير الرسمي من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، ودوافعهم هي التدرج في النظام وكسب لقمة العيش. لكن لا يمكن لهم تضمينها لأنهم عثروا على جدار ورقي كبير يعيق دخولهم لهذا السوق.

بعبارةٍ أخرى؛ إن النظم القانونية ببساطة غير صديقة للفقراء فهم يريدون المشاركة ولكنهم لا يستطيعون ذلك لأن “المشاركة” تعني إبرام عقد آمن مع كل شخص قادر على الحصول على ائتمان وله هوية سيُعترَف بها على نطاق واسع، وتكون أيضًا لديهم القدرة لتوسيع تجارته في جميع أنحاء العالم وإمكانية تنظيم الإنتاج حتى يتمكنوا من دخول الأسواق الأجنبية.

لذا فقد أنشئوا نظامًا يسمى Extralegal أي الخارج عن القانون، وهذا نظام خاص بهم حيث توجد به بدائلُ لكل الأشياء التي يمكن أن يمتلكها القانون الحديث في الغرب.

الفرق بين غير القانوني والخارج عن القانون

غير القانوني يُعتبر إجراميًا، ويتعارض مع القانون المكتوب وإرادة الناس.

الخارج عن القانون أو غير الرسمي هو حالة الأشخاص الذين يديرون العمل بشكل أساسي على هامش القانون. هذا لا يعني أمرًا غير قانوني أي أنك تقوم بفعل ضد القانون الذي يجعل منك مجرمًا، أنت فقط لا تعمل ضمن النظام القانوني.

في الاقتصاد الخارج عن القانون في العالم النامي، يعيش الناس على أراضٍ لا تحمل عنوان ويديرون شركات غير مسجلة، ويعملون بشكلٍ غير رسمي خارج النظام القانوني المكتوب الرسمي، ولكن داخل نظامهم الخاص باستخدام قواعدهم الخاصة.

هنا حيث يوجد أعلى تركيز لرجال الأعمال وأيضًا أكبر سوق في العالم تبلغ قيمته عشرة تريليون دولار، مما يجعله ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد اقتصاد الولايات المتحدة.

يمكن للإصلاح القانوني أن يكون السبيل إلى الثروة والتقدم للمجتمعات التقليدية في جميع أنحاء العالم.

يجادل دي سوتو بأن الناس قد دُفِعوا إلى السوق السوداء والاقتصاد غير الرسمي الأوسع لأن الحكومات رفضت الاعتراف بالملكية والأصول الأخرى وأيضًا توثيقها وتعزيز هذه الأصول والملكيات، ولهذا بدون ملكية واضحة وحق في نقل الملكية، من المفهوم أن المزارعين العاديين سيرفضون استثمار الكثير في الأرض التي حرثوها، لأنهم لن يتمكنوا من استخدامها كضمان. مما خلق ما سمّاه هرناندو دي سوتو بـ”رأس المال الميت” * بقيمة لا يمكن الوصول إليها أبدًا بالكامل لأن لا أحد سيخطط للمستقبل ويوسع أعماله التجارية والملكية إذا كان بإمكان الحكومة أو سلطة ما إزالة كل شيء يراكمه يومًا ما.

تُعتبر الآثار الاقتصادية لـ”رأس المال الميت” هائلةً، فقط الأشخاص الذين لديهم صلات جيدة لديهم القدرة على استخدام رؤوس أموالهم، وضمها مع الأصول الأخرى وخلق فائض القيمة لمزيد من الاستثمار؛ يمكن لهؤلاء الأشخاص فقط الحصول على تأمين على الحياة والتعليم والتأمين الصحي أو تأمين الممتلكات والإصابات، وبالتالي حماية أنفسهم من أي مشاكل.هم فقط يمكنهم الحصول على قروض غير مضمونة (أو حتى قروض مضمونة) بعد تقديم أدلة مناسبة على مطالباتهم العقارية.

الخراب القانوني الذي يعقد نظام الملكية يعطل الناس الآخرين أصحاب رأس المال الميت هذا عن الاتصال بالعالم. مما يترك اقتصاد الظل الهائل، الذي على الرغم من أنه ثري للغاية، لا يسهم بالكامل في الاقتصاد ولا يساعد المشاركين فيه على تحقيق إمكاناتهم بالكامل إلى جانب تسببه في عدم الاستقرار السياسي المحلي وانتشار الفساد الحكومي.

إذا اعتُرِف بهذه الأصول غير الرسمية ودمجها في اقتصاد السوق فقد تصبح المفتاح لتعزيز التنمية والتطور الاقتصادي.

الحل السويسري للاقتصاد غير الرسمي

في سويسرا، قام رجل واحد بتطوير مدونة قانونية من شأنها دفع البلاد إلى المستقبل، وهو مستقبل شمل الجميع وكان هذا الرجل هو يوجين هوبر Eugen Huber، الرجل الذي غيّر سويسرا حرفيًا، وقام بتغيير قواعد اللعبة وسمح لها بالانتقال من دولةٍ متخلفةٍ اقتصاديًا إلى دولة ذات اقتصاد جد متطور.

كان بطريقةٍ ما عبقريًا كان قادرًا على صياغة مجموعة كبيرة من القوانين بنفسه. رسّخ القانونَ الجديد في العقود الاجتماعية والعادات التي يستخدمها الناس في البلاد بالفعل.

عبّر عن طريقة رؤيته لصياغة القوانين بقوله على أنه:

يجب أن يُستخرج ما ينطق به القانون من أفكار الناس

بالنسبة له مصدر القانون هو صوت عامة الناس، وكان من المهم بالنسبة له أيضًا أن يكون القانون بسيطًا بما يكفي ليفهمه المواطن العادي.

وحّد القانون المدني الجديد الذي كتبه يوجين هوبر سيادة القانون في سويسرا، هو لم يخترع القانون؛ ولم يذهب للتحدث مع مجموعةٍ كاملةٍ من أساتذة الجامعات لمعرفة كيف كانوا يعتقدون أن النظام يجب أن يكون، لكنه ذهب إلى القاعدة الشعبية لمعرفة ما فعله الناس بالفعل، وكيف توصلوا إلى صفقات فيما بينهم، وما فهموه ليكون الحقيقة، وما آمنوا به، قام هوبر بذلك والنتيجة كانت هي تحويل سويسرا من بلدٍ فقير نسبيًا إلى دولةٍ غنيةٍ جدًا.

حق الملكية، والوصول إلى رأس المال، وحرية ممارسة الأعمال التجارية مع العالم الآخر، كل هذا هو ما يجعل الناس أكثر ثراءً وازدهارًا. أهم شيء بالنسبة لهؤلاء الناس هو أن تعترف الدولة بهم، وكذلك كلٌّ من البنوك، والمقرضين في المناطق الريفية الصغيرة، والمؤسسات التي توفر الائتمان لأنهم بهذه الطريقة سيضمنون ملكياتهم ويضمنون تطور أعمالهم التجارية بدون خوف من مصادرة أعمالهم وأراضيهم.

حاشية:

رأس المال الميت: هو مصطلح اقتصادي يتعلق بالممتلكات غير الرسمية أي غير المعترف بها قانونيًا، وعدم اليقين في الملكية هذا يؤدي إلى تقليل قيمة الأصل أو القدرة على الإقراض أو الاقتراض مقابله، هذه الأشكال المفقودة من القيمة هي رأس المال الميت.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

مصادر ومراجع للتوسع:

The Power of the poor

Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy – Robert Neuwirth

تعليقات
جاري التحميل...