شغف المعرفة

الجذور الاقتصادية للربيع العربي

Hani Mohammed / AP Photo

بدأ الربيع العربي بحادثة طارق محمد بوعزيزي البائع المتجول الذي يعمل في القطاع غير الرسمي، فقد طُرِد من السوق أو المنطقة التي كان يعمل فيها عن طريق التعسف السلطوي للشرطة، وكان رد فعله على هذا إشعال النار في نفسه محاولًا الانتحار، وبعد الحادثة بأسبوعين تقريبًا مات بوعزيزي  بسبب الجروح التي سببها لنفسه، الأمر الذي أدى إلى سلسلةٍ من الثورات تلت هذه الواقعة تُعرف اليوم عالميًا بـ“الربيع العربي”.

بعد شهرين من هذه الواقعة قام 63 تاجرًا ورجل أعمال في القطاع غير الرسمي بإحراق أنفسهم بسبب استبعادهم ومنعهم من ممارسة نشاطهم الاقتصادي كردّ فعلٍ على الإهانات التي تعرضوا لها من السلطات، مما أدى لسلسلة أخرى من الاحتجاجات. بعد هذه الحوادث بسنتين أُسقِطت عدة حكومات في منطقة MENA، وسقطت المنطقة بأكملها في سلسلةٍ من التغييرات الجذرية والعنيفة.

يمكن أن نلاحظ أن الدول التي عرفت هذه الاحتجاجات تتماثل في المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها والحقوق الاقتصادية المهضومة لساكنيها، إذ توجد في جميع هذه البلدان نخبةُ من الفاسدين يتحكمون باقتصاد البلد ويحاولون الاتكال على سلطة الدولة لمنع المنافسة وجعل الأمور أصعب على الآخرين للدخول للسوق والتنافس معهم تجاريًا واقتصاديًا.

خرج في هذه الثورات ما يقارب 200 مليون شخص في المنطقة للاحتجاج على الوضع الراهن في بلدانهم، لا يمكن إنكار أن للثورة والصراع القوي الذي تلاها علاقةً بصراع الإسلاميين والعلمانيين في المنطقة، لكن ما أود التحدث عنه هنا بالضبط هو أحد أهم أسباب الثورة والحافز الذي جعل البعض يخرجون في هذه الاحتجاجات.

كانت هذه الاحتجاجات ردة فعل هؤلاء الباعة ورواد الأعمال في القطاع غير الرسمي بعد إقصائهم لعقودٍ من النشاط الاقتصادي الرسمي، ونجد أنهم كانوا يطالبون بالحق الأساسي للناس في كسب معيشتهم بعيدًا على الفساد الحكومي والقوانين القمعية للسوق، كانت هذه أهم أسباب إشعال فتيل الثورة التي أدت فيما بعد لنزول الملايين للشارع للاحتجاج على الوضع الراهن وانتقل الأمر للصراع بين الإسلاميين والعلمانيين على السلطة. لا أدّعي هنا أن هؤلاء كانت لهم معرفة بكيفية تسيير الاقتصاد أو بالنظريات الاقتصادية التاريخية لكن ردة فعلهم تُعتبر طبيعيةً ضد الظلم والفساد وانعدام حرية ممارسة أعمالهم التجارية.

استنتج الاقتصادي هيرناندو دي سوتو، الذي قام بعدة دراسات لاقتصاد دول العالم الثالث والثورات التي اجتاحت المنطقة، أن “الربيع العربي” لم يكن حول قضية الدين بل حول العولمة الاقتصادية التي تُعتبر من أهم عوامل الازدهار وبوعزيزي وأمثاله أحسّوا بأنهم يُهمَّشون ولا يُعترَف بأعمالهم ولا تُسهَّل تجارتهم للدخول في هذا السوق الاقتصادي العالمي.

عند نزول دي سوتو للميدان وحديثه مع الناس والبائعين غير الرسميين الذين أشعلوا النار في أنفسهم احتجاجًا على الوضع، شرحوا له الدوافع التي جعلتهم يقومون بهذا والتي كانت كما يرددون بأنهم حاولوا بكل الطرق المطالبة بحقوقهم الأساسية، بسبب عدم توفر العمل، وحاول أغلبهم توفير لقمة عيش عن طريق التجارة غير الرسمية التي جعلتهم يعانون من العديد من التجاوزات من قبل الدولة وأيضًا العديد من العراقيل التي تسهّل وتوسّع أعمالهم، الشيء الذي لا يمكنهم توفيره إذا لم يُدخَلوا إلى القطاع الاقتصادي الرسمي. كان أغلب المحتجين الأوائل من هؤلاء الناس الذين يعيشون في نفس الظروف ويمرون بنفس العراقيل التي تسببها القوانين التعسفية للدولة والتدخل الكبير للدولة في الاقتصاد.

دراسة وشرح لحادثة محمد بوعزيزي وعلاقتها بالمشكل الاقتصادي الذي تمر به منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط:

كان بوعزيزي بائعًا متجولًا، أو يمكن تسميته رجل أعمال في القطاع غير الرسمي، كان عمله هو القيام بشراء الفواكه والخضروات من منطقة خارج المدينة وإعادة بيعها في السوق من أجل أرباح تساعده على العيش وإعالة أسرته، كان يجني ما بين 5 إلى 10 دينارات في اليوم وكل يوم يجب أن يعطي جزءًا من أرباحه أي 3 دينارات تقريبًا للشرطة لكي يدعوه يمارس عمله في المنطقة، لأن العمل في القطاع غير الرسمي يُعتبر غير قانوني، وإذا أراد أن يعمل بشكلٍ قانوني سيجب عليه أن يمر ببيروقراطية الدولة والعديد من العراقيل التي قد تمتد لشهور والعديد من المصاريف الأخرى من أجل إعطائه رخصة لمزاولة عمله بشكلٍ شرعي، ولهذا فالعديد من الناس لا يتبعون هذا الطريق بسبب كمية العراقيل والمصاريف التي يمرون بها في كل محاولة لإنشاء عمل تجاري رسمي.

يعاني هؤلاء الباعة المتجولون كل يوم من سوء معاملة الشرطة، الشيء الذي يجعلهم يحسون دائمًا بإهانة على الطريقة التي يُعاملون بها بسبب محاولتهم كسب لقمة عيش بدون انتظار الدولة لمساعدتهم أو توفير أموال لهم لإعالة أنفسهم وعائلاتهم، في حالة بوعزيزي كانت النقطة التي أفاضت الكأس هو اليوم الذي فيه أُهين بشكلٍ مفرط وأُخِذت جميع المواد التي خسر رأسماله الوحيد عليها، في بعض الحالات نجد أن بعضهم فقط يقترضون من أشخاص آخرين لمزاولة هذه الأعمال، إذًا ما حدث في قضية بوعزيزي هو أن الشرطة أخذت جميع رأسماله الذي وفّره بصعوبة كبيرة، وصفعته شرطية وأُخِذ أهم وأغلى ما في عمله وهو الميزان الذي لم يكن له بل لشخص آخر أقرضه له للعمل به.

عمل بوعزيزي طوال حياته بأكملها من أجل أن يوفر هذا المكان والتجارة في السوق، وفي دقائق صادرت الشرطة كل العمل الذي قام به والجهد الذي بذله لتوفيره.

كان حلمه هو تسجيل ملكية منزله الذي يعيش فيه مع عائلته، وأن يتمكن من شراء سيارة لنقل بضائع لكي تسهّل عليه جلب البضائع من أماكن بعيدة بثمن جيد ليبيعها في السوق، ويتمكن من جني أرباح أكثر لكي يوفر لنفسه ولعائلته معيشةً أفضل.

وبعد هذه الخسارة الكبيرة لجميع رأسماله وإفلاسه الكلي بسبب مصادرة الشرطة لكل ما يملكه اتجه للبلدية العامة من أجل شكوى على ما حدث له، لكن لم يعره أحدٌ اهتمامًا ولم يستمع أحد لشكواه بعد الذهاب عدة مرات في اليوم من أجل القيام بهذا. فكانت ردة فعله على هذه الإهانة انه أشعل النار في نفسه احتجاجًا على طريقة التعامل التي تلقاها من السلطات، في محاولةٍ واضحةٍ لإسماع صوته والإهانة التي عصفت به آنذاك، وهذه كانت طريقته في التعبير على المعاناة والإقصاء التي يعاني منها الملايين من البشر في المنطقة.

كل ما أراده بوعزيزي كان رخصة لمزاولة عمله في السوق، لو وفرتها السلطات المحلية له لغيّر هذا حياته بشكلٍ كلي وغيّر ما آلت إليه الأمور بعدها.

كيف تعتبر الدولة هي أصل مشاكل رجال أعمال القطاع غير الرسمي؟ وما هو الحل لهذه الإشكالية؟

تكمن مشكلة رواد الأعمال في القطاع غير الرسمي مثل بوعزيزي في أنهم ليسوا جزءًا من النظام وبسبب هذا يعانون من العديد من المشاكل والمصاعب في تسيير أعمالهم، على سبيل المثال لا يمكنهم كتابة عقد قانوني لخدماتهم، وليس لديهم ضمان للحصول على الائتمان، ولا يمكنهم إصدار أسهم لجذب المستثمرين المحتملين من أجل زيادة رأسمالهم، ولا تحميهم السلطات، ولا يُعتَرف بوجودهم كليًا في اقتصاد الدولة.

في العديد من الدول، قد يستغرق الأمر مئات الأيام من الانتظار في المكاتب الحكومية للحصول على إذن لفتح مخبز أو دكان. يمنع هذا الجميع باستثناء الأغنياء والأشخاص المتصلين بشخصيات قوية من الوصول إلى “القطاع الرسمي” للنشاط الذي يُصادَق عليه قانونيًا. نتيجةً لذلك، يُدفع الفقراء إلى القطاع غير الرسمي الذي يمثل غالبًا أكثر من 70% من الاقتصاد.

وكمثالٍ على هذا قامت مؤسسة دي سوتو “الحرية والديمقراطية” بدراسة رؤية التكاليف المترتبة على شخص عادي لفتح عمل ما وتسجيله في الاقتصاد الرسمي، وجدت هذه الدراسة أنه في مصر، على سبيل المثال، يستغرق الحصول على رخصة فتح مخبز 189 يومًا من العراقيل الحكومية لتأسيس هذا المخبز وسيكلفك هذا 1212 دولار، ويجب عليك أيضًا التعامل مع 29 وكالة حكومية و215 قانون مختلف من أجل إثبات الإمكانية. الطريقة الأخرى هو أن يكون لديك حظ وأن تكون لديك علاقة مع شخصٍ ذي سلطة من أجل تسهيل الطريق أمامك، وهذا أمر لا يتوفر لأغلبية الناس.

لذا أنشأ الباعة ورجال أعمال القطاع غير الرسمي نظامًا يُسمى Extralegal أي الخارج عن القانون، وهذا نظامٌ خاصٌ بهم حيث توجد به بدائلُ لكلّ الأشياء التي يمكن أن يمتلكها القانون الحديث في الغرب.

الخارج عن القانون أو غير الرسمي هي حالة الأشخاص الذين يديرون العمل بشكلٍ أساسي على هامش القانون. هذا لا يعني “غير قانوني” أي أنك تقوم بفعل ضد القانون الذي يجعل منك مجرمًا، أنت فقط لا تعمل ضمن النظام القانوني.

في الاقتصاد الخارج عن القانون في العالم النامي، يعيش الناس على أراضٍ لا تحمل عنوان ويديرون شركاتٍ غير مسجلةٍ، ويعملون بشكلٍ غير رسمي خارج النظام القانوني المكتوب الرسمي، ولكن داخل نظامهم الخاص باستخدام قواعدهم الخاصة.

هنا حيث يوجد أعلى تركيز لرجال الأعمال وأيضًا أكبر سوق في العالم تبلغ قيمته عشرة تريليون دولار مما يجعله ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد اقتصاد الولايات المتحدة.

يمكن للإصلاح القانوني أن يكون السبيل إلى الثروة والتقدم في المجتمعات التقليدية في جميع أنحاء العالم، إذا اعتُرف بهذه الأصول غير الرسمية ودُمِجت في اقتصاد السوق فقد تصبح المفتاح لتعزيز التنمية والتطور الاقتصادي.

لهذا أرى أن ما حدث فعلًا في المنطقة يشبه تمامًا ما حدث في أوروبا حين ظهرت الثورة الصناعية، إذا نظرتم إلى الأمر بدقةٍ فإن في أوروبا والمناطق الأخرى التي كان يعاني فيها رواد الأعمال والتجار من التمييز والتهميش كانت ردة فعلهم الثورة ضد النظام الذي جعل هذا التمييز مؤسساتيًا وقانونيًا، وهذا في نظري هو ما حاول بوعزيزي والعديد من الأشخاص مثله في شمال إفريقيا والشرق الأوسط القيام به، لم يكن السبب الرئيسي لثورة أغلب الذين ثاروا ضد هذا الإقصاء سياسيًا أو دينيًا بل كان اقتصاديًا محض.

الإشكالية هي متى ستُوفَّر سيادة القانون مع حقوق للملكية الخاصة وقوانين واضحة وصديقة للسوق لكي تحمي ملكيتك وتتحكم بها في هذه المنطقة؟ لأن هذه المطالب والسياسات كانت المطالب في أوروبا في القرن التاسع عشر، واليوم نجد أن منطقتنا ما تزال في انتظار هذه المطالب التي عرفتها بعض الدول منذ قرونٍ مضت وما زلنا لم نتمتع بها لحد اليوم.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

مصادر ومراجع للتوسع:

تعليقات
جاري التحميل...