شغف المعرفة

فريديريك هايك: محاضرة جائزة نوبل لعام 1974

زعم المعرفة:

الموضوعُ المُختارُ لهذه المُحاضرة موضوعٌ لا مفر منه؛ نظرًا إلى المناسبة الخاصة لها بالإضافة إلى المشكلة العملية الرئيسة التي يتعين على الاقتصاديين مواجهتها اليوم.

فمن جهة، يمثل التأسيس الحديث لجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية خطوةً مهمةً في سبيل إهداء العلوم الاقتصادية -برأي عامة الناس- بعضًا من كرامة العلوم الفيزيائية وهيبتها. ومن ناحية أخرى، يُطلب الآن من الاقتصاديين أن يقولوا كيف سيخرجون العالم الحر من التهديد الخطير المُتمثل في تسارع التضخم، الذي يجب الاعتراف بتحقّقه من خلال السياسات الموصى بها من قِبل معظم الاقتصاديين وحتى الحكومات لمتابعتها. لدينا بالفعل في الوقت الحاضر سبب بسيط للفخر: كمهنة قمنا بخلق فوضى حقيقية.

يبدو لي أن فشل الاقتصاديين في توجيه السياسة بشكل أكثر نجاحًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بميلهم إلى التقليد الكبير للإجراءات الخاصة بالعلوم الفيزيائية الناجحة، وهي محاولة قد تؤدي في مجالنا إلى خطأ صريح. هذا نهج أصبح يوصف بأنه الموقف “العلمي” وهو الموقف الذي، كما عرفته منذ ثلاثين سنة بأنه “غيرُ علمي بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ نظرًا لأنه ينطوي على تطبيق ميكانيكي وغير نقدي لعادات الفكر في حقول مُختلفة عن الحقول التي تشكلت فيها”.

اليوم؛ أريد شرحَ كونِ بعض أخطرِ الأخطاء في السياسة الاقتصادية الأخيرة هي نتيجة مباشرة لهذا الخطأ العلمي.

إن النظرية الموجِّهة للسياسة النقدية والمالية في خلال الثلاثين سنة الماضية، والتي أؤكد على أنها نتيجةُ تصوّرٍ خاطئ للإجراء العلمي السليم، تتمثلُ في التأكيد على وجود علاقة إيجابية بسيطة بين إجمالي العمالة وحجم الطلب الكلي على السلع والخدمات؛ مما يؤدي إلى اعتقاد أننا نستطيع دومًا ضمانَ التوظيف الكامل من خلال الحفاظ على إجمالي الإنفاق المالي في مستوىً مناسب.

ومن بين النظريات المُختلفة التي قُدِّمَت لمراعاة البطالة الموسعة؛ ربما تكون هذه النظرية هي النظرية الوحيدة التي يُمكن تقديم الأدلة الكمية القوية عليها. ومع ذلك، أعتبرها خاطئة في الأساس والتصرف بموجبها، كما يحدث الآن، يُعَد ضارًّا جدًا.

هذا يقودني إلى القضية الحاسمة: فعلى خلاف الوضع القائم في العلوم الفيزيائية، تُعَد حيثيات الأحداث التي يجب أن تُبرَّر والتي يمكننا الحصول على بيانات كمية لها بالضرورة -في الاقتصاد والمجالات الأخرى التي تتعامل مع الظواهر المعقدة بشكل أساسي- محدودة وقد لا تتضمن البيانات الأكثر أهمية.

في حين يُفترض عمومًا في العلوم الفيزيائية أن أي عامل مُهم يُحدِّد الأحداث الملحوظة سيكون في حد ذاته قابلًا للرصد والقياس بشكل مباشر، فإنّه في دراسةٍ لمثل هذه الظواهر المعقدة مثل السوق والمُعتمدة على أفعالِ كثير من الأفراد، لن تكون الظروف التي ستحدد نتيجة عملية ما معروفةً أو قابةً للقياس؛ لأسباب سأشرحها لاحقًا.

وبينما سيكون الباحث في العلوم الفيزيائية قادرًا على قياس ما يظن -مُعتمدًا على الانطباع الأولي- أنه مهم، فإنه في العلوم الاجتماعية، غالبًا ما يُعامَل على أنه مهم هو ما يمكن الوصول إليه من خلال القياس. وهذا ما يقودنا أحيانًا إلى حدّ تطلُّب صياغةِ نظرياتنا بمثل هذه الشروط التي تشير إلى مقادير قابلة للقياس فقط.

بالكاد يمكن إنكار أن مثل هذا الطلب يحد تعسُّفيًا من الوقائع التي ستُقبَل بمثابة أسباب محتملة للأحداث التي تجري في العالم الحقيقي. لهذه النظرة، التي غالبًا ما تكون مقبولة بسذاجة تمامًا كما تتطلبها الإجراءات العلمية، بعضُ النتائج المُتناقضة.

طبعًا؛ نحنُ على علمٍ -فيما يتعلق بالسوق والهياكل الاجتماعية المماثلة- بالعديد من الحقائق التي لا يمكننا قياسها والتي لدينا فقط بعض المعلومات غير الدقيقة والعامة عنها. ولأن آثار هذه الحقائق في أي حالة بعينها لا يمكن تأكيدها بالأدلة الكمية، غير أن الذين يعزمون على الاعتراف بما يَعّدونه دليلًا علميًا فقط يتجاهلونها ببساطة؛ فهم ينطلقون بسرور من الخيال بأن العوامل التي يمكنهم قياسها هي العوامل الوحيدة الذات الصلة.

على سبيل المثال: قد يكون الارتباط بين إجمالي الطلب ومجموع العمالة تقريبيًا، ولكن نظرًا لأنه هو الوحيد الذي لدينا بيانات كمية عنه، إذن سيُقبَل باعتباره العلاقة السببية الوحيدة المحسوبة. و بالاستناد إلى ذلك، قد يكون هناك دليل “علمي” أفضل لنظرية زائفة ستُقبَل فقط لأنها “علمية”، أكثر من كونها تفسيرًا صحيحًا كان قد رُفض لعدم توفّر أدلة كمية كافية له.

سأوضح ذلك برسم موجز لما أعتبره السبب الحقيقي الرئيس للبطالة الواسعة، وهو حساب سيشرح أيضًا سبب عدم إمكانية معالجة هذه البطالة -دومًا- من خلال السياسات التضخمية التي أوصت بها النظرية العصرية.

يبدو لي أن التفسير الصحيح هو وجود تناقضات بين توزيع الطلب على السلع والخدمات المختلفة وتخصيص العمالة والموارد الأخرى لإنتاج تلك المردودات. نمتلكُ معرفة “نوعية” جيدة إلى حد ما للقوى التي يُحقَّقُ من خلالها تناظرٌ بين العرض والطلب في مُختلف قطاعات النظام الاقتصادي، والظروف التي سيتحقق فيها، والعوامل التي قد تَحول دون ذلك التعديل.

تعتمد الخطوات المنفصلة في حساب هذه العملية على حقائق التجربة اليومية، ثم إن قليلًا من مُتكبّدي متاعبِ مُتابعةِ الحجة سيشككون في صحة الافتراضات الواقعية أو الصواب المنطقي للاستنتاجات المستخلصة منها. لدينا بالفعل سبب وجيه لاعتقاد أن البطالة تشير إلى تشوّه بِنية الأسعار والأجور النسبية (عادة عن طريق تثبيت الأسعار الاحتكارية أو الحكومية)؛ وذلك لاستعادة المساواة بين الطلب وتزويد العمالة في جميع القطاعات، لذا؛ سيكون من الضروري حدوث تغييرات في الأسعار النسبية وبعض عمليات نقل العمالة.

لكن؛ حين يُطلب منا دليلٌ كمّيٌّ على البنية الخاصة بالأسعار والأجور -التي ستكون مطلوبة؛ بغية ضمان بيع مستمر وسلس للمنتجات والخدمات المُقدَّمة- يجب أن نعترف بعدم امتلاكنا لمثل هذه المعلومات؛ أي إننا نعلم الظروفَ العامة التي يثبت فيها ما نسميه بشكل مضلل نوعًا ما: التوازن، لكنّنا لا نقدر  أبدًا على تحديد الأسعار أو الأجور إذا كان السوق سيحقق مثل هذا التوازن؛ إذ يمكننا فقط معرفة الشروط التي نستطيع من خلالها أن نتوقع من السوق تحديد الأسعار والأجور التي سيكون فيها الطلب مساوٍ للعرض، غير أنا لا نستطيع البتّة إنتاج معلومات إحصائية من شأنها إظهار مدى انحراف الأسعار والأجور السائدة عن تلك التي من شأنها ضمان استمرار بيع العرض الحالي للعمالة.

على الرغم من أن هذا الحساب لأسباب البطالة هو نظرية تجريبية؛ أي قد يكون مبرهنٌ على عدم صحته، على سبيل المثال، إن لم تؤدي الزيادة العامة في الأجور مع العرض النقدي المستمر إلى البطالة، فلا يتعلق نوع النظرية -المُمكن استخدامها للحصول على تنبؤات عددية محددة ومتوقعة- بمعدلات الأجور أو توزيع العمل بالتأكيد.

إذن؛ لماذا يتعين علينا في الاقتصاد أن ندعو الجهل بنوع من الحقائق، التي لو كانت في قضية نظرية فيزيائية، سيقدم عالِمٌ ما معلومات دقيقة؟

ربما ليس من المستغرب أن من أعجبوا بمثال العلوم الفيزيائية يجب أن يجدوا هذا الموقف غير مرضٍ، ويجب أن يصروا على معايير الإثبات التي يجدونها هناك. يكمن سبب هذه الحالة في حقيقة، كنت قد أشرت إليها بإيجاز، أن العلوم الاجتماعية مثل من علم الأحياء ولكن بخلاف معظم مجالات العلوم الفيزيائية، يجب أن تتعامل مع بنى مليئة بالتعقيدات؛ أي مع البنى التي لا يمكن عرض خصائصها المميزة إلا من خلال نماذج مكونة من أعداد كبيرة نسبيًا من المتغيرات. فالمنافسة، على سبيل المثال، هي عملية لا تؤدي إلى نتائج معينة إلا إذا حُصّلت من خلال عدد كبير من الأشخاص المؤثرين.

في بعض المجالات، خاصة عندما تنشأ مشكلات من نوع مماثل في العلوم الفيزيائية، يمكن التغلب على الصعوبات باستخدام بيانات عن التردد النسبي أو الاحتمال لحدوث مختلف الخصائص المميزة لعناصر معينة، بدلًا من معلومات محددة عن عناصر فردية. لكن هذا صحيح فقط حين يتعين علينا التعامل مع ما دعا إليه الدكتور وارن ويفر (المعروف سابقًا بالعمل مع مؤسسة روكفلر): التمييز الذي يجب أن يكون مفهومًا على نطاق أوسع بكثير “لظواهر التعقيد غير المنظم”، على النقيض من “ظواهر التعقيد المنظم” التي يجب أن نتعامل معها في العلوم الاجتماعية.

يعني التعقيد المنظم أن طبيعة البنى التي تظهر بها لا تعتمد على خصائص العناصر الفردية التي تتكون منها ونسبية التردد الذي تحدث به فحسب، بل تعتمد أيضًا على الطريقة التي ترتبط بها العناصر الفردية بعضها مع بعض.

لتفسير عمل هذه البِنى، لا يمكننا لهذا السبب استبدال معلومات إحصائية بالمعلومات عن العناصر الفردية، بل يتطلب الأمر معلومات كاملة عن كل عنصر إذا كان من نظريتنا استنباط توقعات محددة حول الأحداث الفردية. بدون هذه المعلومات المحددة عن العناصر الفردية، سنكون محصورين بما حدث في مناسبة أخرى أطلقت عليها: مجرد تنبؤات نمطية؛ أي تنبؤات لبعض السمات العامة للبنى التي ستتشكل، ولكن لا تحتوي على بيانات محددة عن العناصر الفردية التي تتكون منها هذه البِنى.

هذا صحيح تحديدًا بخصوص نظرياتنا؛ بمثابة تفسيرٍ لعملية تحديد الأسعار النسبية والأجور التي ستتشكل في سوقٍ تسري معاملاتها بشكل جيد؛ إذ ستؤثر في هذه العملية معلوماتٌ معينة تتمثل في حقائق بحوزة كل مشارك من المُشاركين في نظام السوق والتي لا يمكن أن يعرفها المراقب العلمي أو أي شخص آخر.

في الواقع، يُعد ذلك مصدرَ تفوقِ نظامِ السوق، والسبب في أنه عندما لا تُقمَع من قبل سلطات الحكومة، فتُزاح -بالنظام- أنواعٌ أخرى من النظام، وهكذا؛ عند  تخصيص الموارد الناتجة عن ذلك، ستُستخدم معرفةٌ أكثر لحقائق معينة فقط بين الأشخاص الذين لم يُحسب حسابهم، أكثر من أي شخص آخر قد يمتلكها.

لكن لأننا -علماء الرصد- لا يمكن أبدًا أن نعرف جميع المحددات لمثل ذلك النظام، فلا نستطيع أن نحدد بنية للأسعار والطلب على الأجور يمكن أن تساوي العرض في كل مكان، كما لا يمكننا قياس الانحرافات عن ذلك النظام، ولا يمكننا أن نختبر نظريتنا نظريًا لمعرفة الانحراف عن ذلك “التوازن”.

قبل أن أواصل قلقي الحالي؛ إن آثار كل هذا على سياسات التوظيف المتبعة حاليًا،  سمحت لي أن أعرِّف -بشكل أكثر تحديدًا- القيود الكامنة في معرفتنا الرقمية التي غالبًا ما يتم تجاهلها. أريد أن أفعل ذلك لتجنب ترك انطباع بأنني أرفض -عمومًا- الأسلوب الرياضي في علم الاقتصاد.

أنا أعتبرها في الواقع الميزة الكبرى للتقنية الرياضية التي تسمح لنا بوصف الطابع العام للنمط عن طريق المعادلات الجبرية، حتى عندما نجهل القيم العددية التي ستحدد مظهرها الخاص. بالكاد يمكننا تحقيق تلك الصورة الشاملة للترابط المتبادل بين الأحداث المختلفة في السوق بدون هذه التقنية الجبرية. وقد أدى ذلك إلى الوهم، ومع ذلك يمكننا استخدام هذه التقنية لتحديد القيم العددية لتلك المقادير وتوقعها؛ مما أدى إلى البحث دون جدوىً عن الثوابت الكمية أو العددية.

حدث هذا على الرغم من حقيقة أن مؤسسي علم الاقتصاد الرياضي الحديث لم يكن لديهم مثل هذه الأوهام. صحيح أن نُظم المعادلات التي تصف نمط توازن السوق مؤطّرة إلى حدِّ أنه إذا كنا قادرين على ملء جميع الفراغات من الصيغ المجردة أو إذا عرفنا جميع معالم هذه المعادلات، فسنتمكن من حساب الأسعار وكميات جميع السلع والخدمات المباعة.

لكن كما قال فيلفريدو باريتو -أحد مؤسسي هذه النظرية؛ لا يمكن أن يكون الهدف هو “الوصول إلى حساب رقمي للأسعار”؛ لأن حسب قوله سيكون من “العبث” افتراض قدرتنا على التأكد من كل هذه البيانات.

وبالفعل؛ كانت النقطة الرئيسة مُلاحَظَة من قبل المُتنبئين الملحوظين للاقتصاد الحديث؛ المُدرِّسين الإسبان في القرن السادس عشر، الذين أكدوا أن ما وصفوه بالسعر الرياضي اعتمد على كثيرٍ من الظروف الخاصة المجهولة تمامًا بالنسبة للإنسان، والمعروفة فقط بالنسبة لله.

أحيانًا؛ أود أن يعبّر اقتصاديونا الرياضيون عن هذا الأمر ويفهموه، يجب أن أعترف أنني ما زلت أشك في ما إذا كان بحثهم عن مقادير قابلة للقياس قد أسهم إسهامًا كبيرًا في فهمنا النظري للظواهر الاقتصادية – على نحو يختلف عن قيمتها بمثابة شرط لحالات معينة. ثم إني لست مستعدًا لقبول العذر بأن هذا الفرع من الأبحاث ما زال وليدًا: كان السير ويليام بيتي مؤسس علم الاقتصاد القياسي بعد كل شيء زميلًا كبيرًا في الجمعية الملكية لإسحاق نيوتن.

قد توجد بعض الحالات من الخرافات التي فيها يقتصر إحداث الضرر الإيجابي في المجال الاقتصادي على المقادير التي تكون قابلة للقياس ومن الممكن أن تكون مهمة، لكنّ مشكلات التضخم والتوظيف الحالية هي مشكلات بالغة الخطورة. وقد كان يكمن تأثيرها في أن السبب الحقيقي للبطالة المستعصية على الأرجح هو تجاهلها من قبل أغلبية علماء الاقتصاد ذوي العقلية العلمية؛ لأنه لم يكن من الممكن تأكيد عملياتها من خلال الملاحظة المباشرة للعلاقة بين المقادير القابلة للقياس، وأن تركيزًا شبه حصري على ظواهر سطحية قابلة للقياس الكمي أنتجت ظواهر سياسة جعلت الأمور أكثر سوءًا.

بالطبع، يمكن الاعتراف بسهولة أن النظرية التي أعتبرها التفسير الحقيقي للبطالة هي نظرية محدودة نوعًا ما؛ لأنها لا تسمح لنا إلا بإجراء تنبؤات عامة لنوع الأحداث التي يجب توقعها في حالة معينة. لكنّ التأثيرات على سياسة الإنشاءات الأكثر طموحًا لم تكن محظوظة جدًا وأنا أعترف أني أفضل المعرفة الحقيقية وغير الكاملة،  حتى لو خلّفت كثيرًا مما هو غير محدد وغير متوقع، على ذريعة المعرفة الدقيقة التي من المحتمل أن تكون خاطئة. قد يكون الائتمان الذي يمكن أن يكتسبه التوافق الظاهر مع المعايير العلمية المعترف بها نظريات ظاهرية بسيطة، لكنها تظل زائفة ولها عواقب وخيمة كما يظهر في المثال الذي طرحناه.

حقيقةً؛ في الحالة التي ناقشناها، أصبحت التدابير التي أوصت بها النظرية “الاقتصادية الكلية” السائدة على أنها علاج للبطالة -وهي زيادة الطلب الكلي- سببًا في سوء توزيع الموارد بشكل كبير للغاية؛ مما يجعل انتشار البطالة في وقت لاحق على نطاق واسع حدثًا لا مفر منه.

يخلقُ الحقنُ المستمر لمبالغ إضافية في النظام الاقتصادي طلبًا مؤقتًا، يتوقف مباشرة عندما تتوقف الزيادة في كمية المال أو تتباطأ، ومع توقع استمرار ارتفاع الأسعار، تُجذَب الأعمال والموارد الأخرى إلى التوظيف، وتكون مستمرة فقط طالما أن الزيادة في كمية المال مستمرة بنفس المعدل أو ربما حتى إذا استمرت بتسارع ثابت.

إن ما أنتجته هذه السياسة ليس مستوىً مرتفعًا من العمالة غير ممكنٍ تحقيقه بطرائق أخرى؛ فلا يمكن الحفاظ على توزيع العمالة هذا إلى أجل غير مسمى، وما لا يمكن الحفاظ عليه بعد فترة -إلا بمعدل تضخم مرتفع- يؤدي بسرعة إلى تفكك كلي للنشاط الاقتصادي. والحقيقة هي أنه من خلال هذا الرأي النظري الخاطئ، وُجِّهنا إلى موقف محفوف بالمخاطر لا يمكننا فيه منع البطالة الكبيرة من الظهور مجددًا؛ ذلك ليس لأن هذا الرأي يُمثَّل في بعض الأحيان بشكل خاطئ وتُحدَث هذه البطالة عمدًا لمكافحة التضخم، بل لأنه من المحتم أن تحدث الآن نتيجة مؤسفة للغاية ولا مفر منها لسياسات الماضي الخاطئة بمجرد توقف التضخم عن التسارع.

ومع ذلك، لا بد لي الآن أن أترك جانبًا هذه المشكلات ذات الأهمية العملية الفورية، والتي قدمتُها بشكل رئيس توضيحًا لخلاصةٍ للعواقب الخطيرة التي قد تأتي من الأخطاء المتعلقة بالمشكلات التجريدية لفلسفة العلم. هناك كثير من الأسباب التي تجعلني متخوفًا من المخاطر الطويلة المدى التي تنشأ -في مجال أوسع نطاقًا- من خلال القبول غير المنتظم للتأكيدات ذات الطابع العلمي كما هي الحال بالنسبة للمشكلات التي ناقشتها للتو.

ما أردت أن أخلُص إليه في المقام الأول من خلال الرسم التوضيحي الموضعي هو: في مجال عملي ما، أو مجال يتعلق بالعلوم الإنسانية عمومًا، فإن ما يبدو ظاهريًا ذا منهجية علمية غالبًا ما يكون غير علمي. وما وراء ذلك، في هذه المجالات، يوجد حدود مؤكدة لما يمكن أن نتوقع من العلم تحقيقه. الأمر الذي يعني أن تكليف العلم -أو لتدبير السيطرة على  السلوك البشري وفقًا للمبادئ العلمية أكثر مما يمكن للطريقة العلمية تحقيقه- قد يكون له آثار مؤسفة وخطيرة.

وبطبيعة الحال، فإن التقدم الذي حققته العلوم الطبيعية في العصر الحديث تجاوز بكثير كل التوقعات التي مفادها أن أي إشارة إلى احتمال وجود بعض الحدود، من شأنها إثارة الشكوك. بشكل خاص سيقاوم كل هؤلاء هذه الرؤية التي كانت تأمل في أن قوتنا المتزايدة -والتي تُعَد النتيجة المميزة للتقدم العلمي- للتنبؤ والتحكم، والمطبقة على عمليات المجتمع ستمكّننا قريبًا من تشكيل المجتمع بالكامل بما يناسبنا أو بالكيفية التي نريدها.

صحيح أنه على النقيض من الابتهاج الذي تميل اكتشافات العلوم الفيزيائية إلى إنتاجه، فإن الرؤى التي نكتسبها من دراسة المجتمع في كثير من الأحيان يكون لها تأثير مخفف على تطلعاتنا. ولعله ليس من المستغرب أن يكون الأعضاء الأصغر سنًا في مهنتنا غير مستعدين دائمًا لقبول ذلك.

ومع ذلك، تعتمد الثقة في قوة العلم غير المحدودة في كثير من الأحيان على اعتقاد خاطئ بأن الطريقة العلمية تتمثل في تطبيق تقنية جاهزة، أو في تقليد الشكل وليس جوهر الإجراء العلمي، كما لو أن هناك حاجة فقط لمتابعة بعض وصفات الطبخ لحل جميع المشاكل الاجتماعية. يبدو في بعض الأحيان تقريبا كما لو أن تقنيات العلم قد عُلِّمَو بسهولة أكثر من التفكير الذي يبين لنا ماهية المشكلات وكيفية التعامل معها.

في الواقع، إن الصراع بين ما في المزاج الحالي للجمهور -الذين يتوقعون من خلاله تحقيق العلم بما يرضي الآمال الشعبية- وما لدى العلم يُعَد أمرًا خطيرًا، حتى لو كان على العلماء الحقيقيين أن يعترفوا بحدود ما يمكنهم القيام به في مجال الشؤون الإنسانية،  إلا أن طالما الجمهور يتوقع المزيد فسيكون هناك دائما بعض الذين سيتظاهرون وربما يعتقدون بصدق أنهم قادرون على القيام بالمزيد لتلبية المطالب الشعبية أكثر مما هو في قوتهم وقدرتهم.

من الصعب في كثير من الأحيان للخبير -وبالتأكيد في كثير من الحالات مستحيل للشخص العادي- أن يُميز بين المطالب المشروعة وغير الشرعية المُثارة باسم العلم. إن الدعاية الهائلة التي قدمتها وسائل الإعلام مؤخرًا إلى تقرير يعلن باسم العلم “حدود النمو الاقتصادي”، وقد صمت هذا الإعلام نفسه بشأن النقد القوي الذي تلقاه هذا التقرير من الخبراء المختصين؛ الأمر الذي يجب أن يدفع المرء للشعور بالقلق إزاء الاستخدام الذي يمكن وضع مكانة العلم فيه.

لكن؛ وفي أية حال من الأحوال في مجال الاقتصاد؛ لا تُقدَّم مطالبات بعيدة المدى من أجل توجيه أكثر علمية لجميع الأنشطة البشرية ومحاولة استبدال التحكم البشري الواعي بالعمليات التلقائية للمجتمع والبشر. إذا لم أكن مخطئًا، يتأثر كل من: علم النفس والطب النفسي وبعض فروع علم الاجتماع -دون الحديث عن ما يسمى بفلسفة التاريخ، أكثر بما أسميه التحيز العلمي والمزاعم الخادعة لما يمكن أن يحققه العلم.

إذا كان لنا أن نحمي سمعة العلم ونمنع نشوء المعرفة القائمة على التشابه السطحي مع طريقة العمل في العلوم الفيزيائية،  يجب أن نوجه جهودًا كبيرة نحو فضح زيف مثل هذه الاستدلالات، التي أصبح بعضها الآن مصالح راسخة للإدارات الجامعية. لا يمكننا أن نشعر بالامتنان الكافي لفلاسفة العصر الحديث مثل الامتنان الذي يجب أن نبديه للسير كارل بوبر لإعطائنا اختبارًا يمكننا من خلاله التمييز بين ما قد نقبله على أنه علمي وما ليس كذلك –  وأنا واثق أن بعض العقائد المقبولة الآن على نطاق واسع على أنها علمية لن تمر منه.

ومع ذلك، هناك بعض المشكلات الخاصة فيما يتعلق بالظواهر المعقدة أساسًا والتي تشكل بِنىً اجتماعية مهمة للغاية؛ ما يجعلني أود أن أؤكد ختامًا -بعبارات أكثر عموميةً- على الأسباب وراء عدم وجود عوائق مطلقة للتنبؤ بأحداث معينة في هذه المجالات، ووراء تصرفنا كما لو كان لدينا معرفة علمية تمكننا من تجاوزها قد تصبح في حد ذاتها عقبة خطيرة أمام تقدم العقل والذكاء البشري.

النقطة الأساسية التي يجب تذكّرها هي أن التقدم الكبير والسريع في العلوم الفيزيائية حدث في المجالات التي أثبت فيها أن التفسير والتنبؤ يمكن أن يقوما على قوانين تُعَد الظواهر المرصودة بمثابة دالات ذات متغيرات قليلة نسبيًا – إما حقائق معينة أو ترددات نسبية للأحداث. قد يكون هذا السببَ الأساسي في جعلنا نختار هذه الحقول على أنها “مادية” على النقيض من تلك البنى المنظمة بدرجة عالية والتي دعوتها هنا بظاهرة معقدة أساسًا. لا يوجد سبب يستفسر لماذا يجب أن يكون الموقف هو نفسه في النهاية كما هي الحال في المجالات السابقة.

إن الصعوبات التي نواجهها في هذه الأخيرة ليست -كما قد يظن المرء في البداية- مجرد صعوبات في صياغة النظريات لتفسير الأحداث المُلاحَظَة، على الرغم من أنها تسبب أيضًا صعوبات خاصة في اختبار التفسيرات المقترحة، وبالتالي حول إزالة النظريات السيئة. لكن الصعوبات ترجع إلى المشكلة الرئيسة التي تنشأ عندما نطبق نظرياتنا على أي حالة معينة في العالم الحقيقي.

يجب أن تشير نظرية الظواهر المعقدة أساسًا إلى عدد كبير من الحقائق الخاصة واستخلاص التنبؤ منها أو اختبارها، علينا أن نتأكد من كل هذه الحقائق الخاصة. وبمجرد أن ننجح في ذلك، يجب ألا نواجه صعوبات في استنباط التنبؤات القابلة للاختبار؛ فبمساعدة أجهزة الكمبيوتر الحديثة،  ينبغي أن يصبح من السهل إدخال هذه البيانات في الفراغات المناسبة من الصيغ النظرية، من ثم استخلاص التنبؤات. تتمثل الصعوبة الحقيقية للحل الذي لا يسهم العلم فيه إلا بالقليل، والذي هو في بعض الأحيان غير قابل للحل، في التأكد من الحقائق المشار إليها.

هذا مثال بسيط سيظهر طبيعة هذه الصعوبة: افرض وجود مباراة كرة يلعب فيها عدد قليل من الأفراد يكتسبون مهارات بشكل متساوٍ تقريبًا. إذا عرفنا بعض الحقائق المعينة إضافة إلى معرفتنا العامة بقدرة اللاعبين الفردية وكفاءتهم، من مثل: حالة الانتباه والتصورات وحالة القلب والرئتين والعضلات، وما إلى ذلك، بمعرفة هذه الحقائق في كل لحظة من اللعبة يمكن أن نتوقع النتيجة. في الواقع، إذا كنا على دراية بكل من اللعبة والفرق، فيجب أن يكون لدينا فكرة داهية عن ما ستؤول إليه نتيجة المباراة. لكننا بالطبع لن نكون قادرين على التأكد من هذه الحقائق، وبالتالي، ستكون نتيجة اللعبة خارج نطاق التنبؤ العلمي، غير أننا قد نعرف بعض التأثيرات التي قد تحدثها أحداث معينة على نتيجة اللعبة.

لا يعني ذلك أننا لا نتمكن من تنبؤ مسار هذه اللعبة على الإطلاق؛ فإذا عرفنا قواعدها المختلفة، سنعرف عند مشاهدة أحد الحركات في وقت معين أي حركة ستلعب تاليا وأنواع التأثيرات التي يمكن أن نتوقعها في خلالها. لكنّ قدرتنا على التنبؤ ستقتصر على الخصائص العامة للأحداث المتوقعة ولا تشمل القدرة على التنبؤ بأحداث فردية معينة.

وهذا يتوافق مع ما دعوته من قبل بمجرد التنبؤات النمطية التي نقتصر عليها بشكل متزايد عندما نخترق المجال الذي تسود فيه القوانين البسيطة نسبيًا في نطاق الظواهر الذي تكون فيه قواعد التعقيد المنظمة.

مع تقدمنا أكثر فأكثر نجد أننا لا نستطيع التأكد فعليًا إلا من بعض الظروف المحددة لنتيجة عملية معينة وليس كلها؛ وبذلك، نقدر فقط على توقع بعض خصائص النتيجة التي يجب أن نتوقعها وليس كلها. وغالبًا ما يكون كل ما سنقدر على التنبؤ به سمةً مُميزةً للنمط الذي سيظهر -العلاقات بين أنواع العناصر التي نعرف عنها -فرديًا- معلومات قليلة جدًا. ومع ذلك وبما أنني متشوق للتكرار، سنظل نحقق تنبؤات قابلة للتزوير، والتي هي بالتالي ذات أهمية تجريبية.

بالطبع، بالمقارنة مع التنبؤات الدقيقة التي تعلمنا أن نتوقعها في العلوم الفيزيائية، فإن هذا النوع من التنبؤات النمطية هي ثاني أفضل النتائج التي لا يحب المرء أن يكون راض عنها. ومع ذلك، فإن الخطر الذي أريد التحذير منه هو على وجه التحديد: الاعتقاد أن من أجل المطالبة بأن تكون هذه مقبولة على أنها علمية، من الضروري تحقيق المزيد، هنا يكمن الدجل والتدهور. ولكي نتصرف على أساس اعتقاد أننا نمتلك المعرفة والقوة التي تمكننا من تشكيل عمليات المجتمع بالكامل كما نحبه، فإن المعرفة التي لا نمتلكها في الواقع، من المرجح أن تجعلنا نلحق ضررًا كبيرًا في المجتمع. ففي العلوم الطبيعية، قد لا يكون هناك اعتراض يذكر على محاولة القيام بالمستحيل؛ إذ قد يشعر المرء أنه عليه أن يثبط الثقة الزائدة لأن تجاربهم قد تُنتج بعد كل شيء بعض الأفكار الجديدة. ولكن في المجال الاجتماعي، من المحتمل أن الاعتقاد الخاطئ أن لممارسة بعض السلطة نتائجٌ مفيدة قد يكون له في الحقيقة قوة جديدة لإكراه رجال آخرين مُنحوا سلطة ما. وحتى إذا كانت هذه السلطة ليست سيئة في حد ذاتها، فمن المرجح أن تعترض سبيل ممارسة هذه القوى العاملة من تلقاء نفسها لنتائج من دون فهمها، وفي الواقع فإن هذا الرجل يساعد إلى حد كبير في السعي لتحقيق أهدافه.

الآن؛ صرنا فاهمين لكيفية عمل نظام اتصالات دقيق، حيث يقوم عمل مجتمع صناعي متقدم؛ نظام اتصالات نسميه السوق، والذي يتضح أنه آلية أكثر فاعلية لهضم المعلومات المتفرقة أكثر من أي شخص حاول القيام بهذا.

إذا كان الإنسان لا يضر أكثر مما ينفع في جهوده لتحسين النظام الاجتماعي، فعليه أن يعلم أنه في هذا المجال -كما هي الحال في جميع المجالات الأخرى التي يسود فيها تعقيد أساسي من نوع منظم- لا يمكنه اكتساب المعرفة الكاملة التي من شأنها جعل التمكن من الأحداث ممكنًا. لذا؛ سيتعين عليه استخدام المعرفة التي يمكنه تحقيقها؛ ليس لتشكيل النتائج كما يصنع الحرفي أعماله اليدوية، بل لتشجيع النمو من خلال توفير البيئة المناسبة بالطريقة التي يتّبعها البستاني مع نباتاته. هناك خطر في الشعور المتنامي بالقدرة المتنامية التي أثارها تقدم العلوم الفيزيائية والتي تغري الإنسان في محاولة بـ (الدوار مع النجاح-  Dizzy with Success)* لاستخدام عبارة مميزة للشيوعية المبكرة، ليس فقط لإخضاع طبيعتنا بل وبيئتنا البشرية للتحكم في الإرادة البشرية.

إن الاعتراف بالحدود التي لا يمكن تحملها لمعرفته يجب أن يعلِّم طالب المجتمع درسًا من التواضع، يجب أن يحميه من أن يصبح شريكًا في محاولات الرجال القاتلة للسيطرة على المجتمع – وهو السعي الذي يجعله ليس فقط طاغية على زملائه، بل قد يجعله مدمرًا لحضارة لم يصممها أي دماغ، لكنّها نمت من الجهود الحرة لملايين الأفراد.

حاشية:

* الدوار مع النجاح Dizzy with success؛ هي مقالة كتبها ستالين في عام 1930 ميلادية عن خطته الزراعية القسرية والتخطيط الاقتصادي الذي طبقه، فكانت النتيجة انتشار المجاعة في الاتحاد السوفييتي في الفترة الممتدة بين عامي 1932 و1933 ميلادية ومات في خلالها ما بين 8 إلى 11 مليون شخص.

  • ترجمة: محمد مطيع.
  • مراجعة وتدقيق: نور عبدو.

المحاضرة بالانجليزية

تعليقات
جاري التحميل...