شغف المعرفة

قضية مُلحة لمزيد من الحرية الاقتصادية!

في نهاية سبتمبر نشر معهد فريزر، وهو معهد فكري كندي، الطبعة الثانية والعشرين من تقريره السنوي للحرية الاقتصادية في العالم. لقد عرفنا لفترة طويلة أن الاقتصادات الأكثر حريةً هي الأكثر ثراءً والأسرع نموًا، كما تتميز بمتوسط عمر أطول.

لكن نسخة عام 2018 من تقرير الحرية الاقتصادية في العالم تعطينا رؤيةً أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى على العلاقة الوطيدة بين الحرية الاقتصادية والقياسات الأخرى لرفاهية الإنسان، مثل وفيات الأطفال والمساواة والسعادة ومعدلات الفقر المدقع.

من أجل تصنيف مستوى الحرية في 162 دولة، يحلل تقرير الحرية الاقتصادية العالمي 42 مؤشرًا في خمسة مجالات رئيسية (حجم الحكومة، وحقوق الملكية المال السليم وحرية التجارة على المستوى الدولي، والتنظيم)، أحدث البيانات المتاحة هي بيانات سنة 2016.

مرة أخرى احتلت هونغ كونغ المركز الأول في تصنيفات تقرير الحرية الاقتصادية في العالم وهو موقع تحتفظ به منذ سنة 1980، ولا تزال سنغافورة تحتل المركز الثاني كما فعلت منذ عام 2005. أما باقي الدول  العشر الأكثر حرية فهي: نيوزيلندا، وسويسرا، وأيرلندا، والولايات المتحدة الأمريكية، وجورجيا، وموريشيوس، والمملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، الدولتان الأخيرتان في المركز العاشر حصلتا على نفس النسبة؛ أما الدول الثلاث الأقل حرّيةً هي الأرجنتين وليبيا وفنزويلا.

مراكز هذه الاقتصادات في تقرير الحرية الاقتصادية في العالم مهمٌ جدًا بسبب وجود ترابط كبير بين الحرية الاقتصادية ورفاهية الإنسان. ولتحليل ذلك قام معهد فريزر بتقسيم البلدان التي قيست والبالغ عددها 161 دولة إلى ربع رباعي (أي أن كل ربع يمثل ربع الاقتصادات) بناءً على مستوى الحرية الاقتصادية.

متوسط ​​الدخل في ربع الدول الأكثر حرية هو أعلى بمقدار 7.1 مرات من متوسط ​​الدخل في الربع الأقلّ حرّية (40.376 دولار تقابلها 5.649 دولار). نسبة الـ10 في المئة الأدنى من أصحاب الدخل في البلدان الأكثر حرية تساوي في المتوسط ​​ 7 مرات أكثر من  نسبة الـ10 في المئة الأدنى من أصحاب الدخل في الدول الأقل حرية.

وبالمقارنة فإن الفقر المدقع (كما حدده البنك الدولي كدخل عند حدود 1.90 دولار في اليوم) يكاد يكون معدومًا في أكثر البلدان حرية، وعلى سبيل المقارنة يعيش قرابة ثلث جميع الأشخاص في الربع الأدنى من الاقتصادات في فقرٍ مدقع. من الواضح  إذن أنه بالنسبة للفقر المطلق في أي مجتمع معين من الأفضل بشكلٍ لا يمكن تصوره العيش في اقتصادٍ أكثر حرية.

لكن الحرية الاقتصادية ليست مجرد عبارة على أموال كمقياس للرفاهيه، خذ متوسط ​​العمر المتوقع على سبيل المثال، في البلدان الأكثر حرية يعيش الناس في المتوسط ​​15 سنة أطول من الناس في الأنظمة الأقل حرية، بالنسبة لكثير من الناس يُعد هذا اختلافًا بين معرفة أحفاد المرء ـ أو الموت قبل ولادتهم.

ومعدل وفيات الرضع هو مقياس آخر يسلط الضوء على التكلفة البشرية غير المحدودة للسياسات الاقتصادية الانعزالية وغير الحرة، قياسًا على عدد الوفيات لكل 1000 مولود، معدل الوفيات في الدول الأقل حرية من الناحية الاقتصادية يُعتبر 6.8 مرات أعلى من معدل الوفيات في الدول الأكثر حرية.

تزداد مشكلة التمييز ضد النساء أيضًا في الدول غير الحرة، عند النظر إلى مؤشر الأمم المتحدة لعدم المساواة بين الجنسين حيث يمثل الصفر المساواة الكاملة بين الجنسين، ويمثل الواحد عدم المساواة الكاملة بين الجنسية، فإن أقل البلدان حريةً يكون متوسط ​​درجاتها 0.46 مقابل 0.18 في الربع الأكثر حرية.

أولئك الأحرار هم أيضًا أناسٌ أكثر سعادةً. طلب “مؤشر السعادة العالمي للأمم المتحدة” من المجيبين ترتيب حياتهم على مقياس من صفر إلى 10. يُعتبر الرقم 10 الأعلى لأفضل حياة معيشة والصفر الذي يمثل أسوأ ما يمكن تخيله. تفوز أكثر البلدان الليبرالية اقتصاديًا مرةً أخرى: ويظهر تقرير الحرية الاقتصادية في العالم أن الدول الحرة سجلت معدل أعلى بنقطتين مقارنة مع الدول الأقل حرية.

هناك المزيد من الأخبار الجيدة، فعلى الرغم من ميلنا نحو التشاؤم حول الوضع الحالي للعالم، فإن تقرير الحرية الاقتصادية في العالم يشير إلى أن الحرية الاقتصادية قد زادت بشكل كبير على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، وأن أكبر هذه المكاسب قد تحققت في الدول النامية.

في عام 1990، بلغ متوسط ​​درجة الحرية الاقتصادية لبلد “ذي دخل عالٍ” 7.18 من 10، مقارنةً بـ 5.28 فقط في المتوسط ​​للبلدان النامية أي بفارق 1.90، بحلول عام 2016 تقلصت هذه الفجوة بنسبة 46 في المئة: أصبحت الاقتصادات النامية متراجعة بمجرد نقطة وراء الدول الصناعية بمقدار 1.06 نقطة.

كان الدافع الرئيسي وراء هذه الزيادة السريعة في تقرير الحرية الاقتصادية للعالم من قبل العديد من الاقتصادات النامية هو المكاسب التي جنتها هذه الدول في مجال تحرير التجارة والمال السليم (بمعنى استقرار القوة الشرائية عن طريق مكافحة التضخم).

ونتيجة هذه التطورات هي أن الشخص العادي، عند قياسه بعدد السكان يعيش الآن في اقتصادٍ أكثر حريةً. لنأخذ هذا بعين الاعتبار: إذا كان عالم 1980 دولةً اليوم، فإن درجة الحرية الاقتصادية ستضعه في المركز 160 من 163 دولة، حيث يتمركز بدرجتين تحت سوريا التي مزقتها الحرب. ولكن إذا كان عالم عام 2016 دولة في عام 1980، فإنه سيكون في المركز 12 كأكثر الدول حرية  حيث سيحصل على درجة 6.62 أعلى بقليل من أستراليا سنة 1980.

يظهر التقرير الأخير للحرية الاقتصادية في العالم مرة أخرى العلاقة العميقة والمستمرة بين الحرية الاقتصادية والمؤشرات الهامة لرفاهية الإنسان بما في ذلك الثروة، ونسبة الفقر، ومتوسط العمر المتوقع، وعدم المساواة، ووفيات الأطفال، والسعادة.

من الواضح أنه على الرغم من العديد من التحديات التي لا تزال قائمة، فإن أفقر الناس في المجتمع لا يزالون يستفيدون أكثر من حقوق الملكية الآمنة، ومن الحواجز التنظيمية المخففة، ومن حرية التجارة. يجب على صانعي القرار السياسي تذكر هذا الأمر حتى تستمر المسيرة نحو المزيد من الحرية الاقتصادية.

كُتب المقال الأصلي بواسطة Alexander C. R. Hammond

  • ترجمة: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.
تعليقات
جاري التحميل...